حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

قصة أول قانون كُتب لإنقاذ المغرب من الإفلاس

وضع سنة 1902 لتعويض فشل المشاريع الضريبية السابقة

يونس جنوحي

«نظام ضريبي لا يستثني أحدا في المغرب. الكل يجب أن يدفع ضرائبه للدولة. هذا بالضبط ما فكر فيه المولى عبد العزيز في ربيع سنة 1902، واستمر في العمل عليه إلى حدود خريف تلك السنة. ومع اقتراب الشتاء، كان المشروع كله غير ضروري، فقد كان مستحيلا تطبيقه، بسبب تقاعس موظفي المخزن، وعدم استقرار الوضع السياسي.

لقد كان الوضع أكبر من مجرد ضياع فرصة لإصلاح نظام الضريبة المغربي في عهد المولى عبد العزيز، لقد عرى المشروع، بداية التحكم الأجنبي في مناحي الحياة المغربية، إلى درجة أن أثرياء المغرب فضلوا الاحتماء بالأجنبي، على الالتزام بقانون وقعه السلطان لتجنيب البلاد الإفلاس..».

 

محاولات منسية لإنعاش الاقتصاد المغربي قبل 128 سنة

عندما بدأ المولى عبد العزيز فترة حكمه سنة 1894، تزامن ذلك مع واحدة من أشد الأزمات التي كادت أن تودي بالبلاد، وتجعلها مستعمرة في متناول الألمان.

ففي الوقت نفسه الذي كان المولى عبد العزيز يمسك زمام السلطة، كان الألمان يهددون المغرب بالقصف، بسبب مقتل تاجرين ألمانيين كانا في زيارة «عمل» إلى المغرب.

الحكومة الألمانية طالبت بغرامة قدرها 200.000 فرنك، وهو مبلغ خيالي في ذلك الوقت كان دفعه يحتاج إلى جدولة تمتد لسنوات.

حدث هذا في عز الجفاف، وإفلاس الخزينة. وهو إرث ثقيل فُرض على المولى عبد العزيز التعامل معه.

أحضر الألمان بارجات حربية إلى المياه المغربية، في استعراض فج للقوة، ولم يكن هناك حل آخر سوى تسوية مُرضية مع الألمان، حتى لا يدخلوا في حرب ضد بلد في مرحلة انتقالية دقيقة للغاية.

هذه الأزمة تحولت في الأخير إلى صداقة بين المولى عبد العزيز والألمان، لكنها في الحقيقة كانت صداقة مؤقتة.

هذا دون نسيان مسألة تقدم الفرنسيين في الجهة الشرقية، قادمين من الصحراء الشرقية.

كان المولى عبد العزيز يفكر في مخرج من الأزمة. وتلقى استشارات مفادها أنه يتعين عليه تعويض الفراغ الكبير في محيطه، بعد وفاة الوزير القوي باحماد سنة 1900. وهكذا عين الوزير بلمختار صدرا أعظم، وسلمه صلاحيات واسعة من بينها العمل على استخلاص الضرائب، وتوفير موارد كافية للدولة لتمويل الجيش، وسد الخصاص الحاصل في الإدارات وإنهاء حالة الاحتقان، خصوصا وأن موظفي المخزن وقتها لم يكونوا يحصلون على أجورهم بانتظام، بينما كبار تجار المغرب، كانوا يعرضون رشاوى سخية، مقابل إسقاط أسمائهم من لوائح استخلاص الضرائب.

كان المولى عبد العزيز يرغب في إصلاح هذا الوضع ككل، وفكر في نظام ضريبي فعال.

المؤرخ والباحث المغربي محمد كنبيب، أحد الأكاديميين الذين شرّحوا هذه المرحلة. وقد كتب يقول عن سياق قانون الضرائب الذي أخرجه المولى عبد العزيز:

«أظهر السلطان بسرعة رغبته في إعادة بناء المخزن عبر تحديد مهام مختلف الوزراء، وجعل استشارة الأعيان تتم بشكل منتظم: (استدعاء المجلس في الرباط منذ 1901)، فضلا عن تحديث الجيش، والشروع في إصلاح العملة، وإعادة تطبيق مشروع تعميم الضرائب الذي أحدثه المولى الحسن.
وهكذا أصبح تعديل النظام الجبائي قابلا للتنفيذ بفعل قرارات مؤتمر مدريد، وبضمانة من الدول الأوروبية. وبالتالي كان هدف هذا المشروع الجديد – عكس تجربة 1884، هو توحيد النظام الجبائي وتعميمه على الجميع، بمن فيهم الأجانب والمحميون. غير أن المفوضيات الأوروبية لم ترضخ لهذا المبدأ إلا بعد عدة مماطلات، قبل أن يصدر هذا القانون في 2 أبريل 1902، والذي أكد على «التسوية بين الأجانب والمحميين ورعايا السلطان أمام الضريبة على المزروعات والماشية وأراضي الحرث» (المادة الأولى).
لكن الدول الأوروبية ربطت تطبيق الضرائب الجديدة على مواطنيها ومحمييها بتطبيقها أولا على رعايا السلطان بشكل عام في كل بلاد المخزن. وبذلك كانت في المقابل تشجع على نمو معارضة للإصلاح لدى بعض الفئات الاجتماعية، التي ألفت الامتيازات الجبائية. فتمت تعبئة هذه الفئات لإفشاله عندما اعتبرته مخالفا لتعاليم الإسلام، خصوصا وأنها كانت تتوفر على ظهائر تعفيها من أداء الضرائب، حصلت عليها عندما كانت زواياها تقدم خدماتها للسلطة المركزية، فكانت الحماية الممنوحة بداية لشريف وزان مولاي عبد السلام قد دفعت شرفاء وزان إلى اعتبار الترتيب غير شرعي».

 

هكذا أضاع المغرب فرصة قانون ضرائب بداية القرن العشرين

في الوقت الذي كان فيه المولى عبد العزيز يضع اللمسات الأخيرة على النظام الضريبي، كان موظفو المخزن يسعون إلى الإجهاز على هذا القانون على اعتبار أنه لم يكن في مصلحتهم.

بينما كان هذا القانون، بحسب شهادة المؤرخين، تقدميا، وكان من شأنه إصلاح الوضع الاقتصادي للمغرب في غضون سنوات قليلة، ولتجنب المغرب بفضله، أزمة 1908 الشهيرة التي عصفت بتجربة المولى عبد العزيز، وليس قانون الضريبة فحسب.

كان أبرز بنود هذا القانون، المساواة بين المغاربة، كيفما كانت ألقابهم ورتبهم ووظائفهم، والأجانب، كيف ما كانت جنسياتهم، أمام «دار الضريبة».

كان المولى عبد العزيز يرمي إلى إبطال مفعول «الحماية» الأجنبية التي حصل عليها التجار المغاربة، وتماطل الأجانب في أداء ضرائب للدولة.

وكان مخطط قانون 1902، يهدف بالأساس إلى جعل الجميع يؤدون ضرائب للدولة، كيف ما كان نشاطهم، بمن في ذلك موظفو المخزن الذين كانوا يحصلون على أجور مرتفعة، تصرف لهم بغض النظر عن الظرفية التي تمر بها البلاد.

كان المولى عبد العزيز على علم بأن البلاد تلجأ إلى القروض لسداد الغرامات المفروضة عليها بسبب التدخل الأجنبي، أو بسبب متأخرات أداء القروض المتراكمة كدين خارجي.

لكن المشكل أن السلطان لم يجد من يناصره في مسألة الإصلاح الضريبي، بدعوى أن هذا الإصلاح أجنبي.

ودليل الذين هاجموا مبادرة السلطان أن صداقته مع الصحافي البريطاني والتر هاريس ما بين 1894 و1899، هي التي أثمرت عن المشروع. وراج وقتها أن السلطان تلقى استشارة من صديقه والتر هاريس، لإصلاح نظام الضريبة المغربي و«الابتعاد عن نظام الزكاة»، وسن نظام ضريبي شبيه بنظام الضريبة في المملكة المتحدة العظمى.

لكن الحقيقة أن تلك الرواية كانت تفتقر إلى الدقة. فقد كان المولى عبد العزيز أمام وضع ضريبي كارثي، ولم يكن أمامه بد من طرح بديل لإصلاح نظام الضريبة، الذي كان موضوع إصلاحات أخرى منذ عهد والده المولى الحسن الأول. وهو دليل على أن تدخل السلطان لإصلاح نظام الضريبة لم يكن محكوما بتدخل أجنبي، بقدر ما كان ضرورة يفرضها واقع الأزمة المالية التي كانت تمر بها البلاد، ويشد خناقها مع توالي السنوات.

 

لماذا كان المغرب يحتاج إلى إصلاح ضريبي؟

في العام 1902، لم يكن المغرب يحتاج إلى نظام ضريبي جديد فحسب، بل كان يحتاج إلى ترسانة من التنظيمات والقوانين للدفاع عن سيادة المغرب.

في الشمال، كانت إسبانيا قد بدأت تضرب قيودا حول المنطقة كلها، في الوقت نفسه الذي تخطط فيه فرنسا للدخول من سواحل المحيط الأطلسي. أما الألمان فقد كانوا يتربصون بدورهم، ويرغبون في الدخول إلى المغرب.

الشركات الأجنبية، كانت تتعمد الدخول في مشادات مع رجال المخزن في المراسي، المسؤولين عن استخلاص الضرائب، لجر وزير المالية المغربي وقتها، الحاج التازي، إلى أزمة مع الحكومات الأوروبية التي تحمل تلك الشركات جنسياتها، خصوصا الشركات البريطانية، والفرنسية.

في المقابل، كان هناك مغاربة مجنسون، وبعضهم يهود مغاربة، أوكل إليهم السلطان في وقت سابق مهمة تمثيل الحكومة المغربية في صفقات تجارية مع شركات إيطالية وألمانية وبريطانية. لكن النتيجة أن أغلب أولئك التجار فضلوا السعي وراء مصالحهم الشخصية، وضربوا مصلحة بلادهم عرض الحائط. وكان بعض هؤلاء التجار من كبار أثرياء مدينة الصويرة، لكنهم فضلوا الهروب إلى أوروبا، وتركوا خزينة الدولة تلاحقهم بالمستحقات.

لم يكن المغرب يتوفر على ترسانة قانونية لملاحقة أولئك التجار، لتحصيل المستحقات. كما أن البلاد لم تكن قادرة على مواكبة تأخر وتراكم تحصيل الضرائب، في فترة استقواء بعض الأثرياء المؤثرين في الاقتصاد المغربي، بالجنسيات الأجنبية التي باتوا يحملونها. لقد كان العام 1902 عنوان «موضة» «المحميين»، الذين بادروا إلى تعليق الأعلام الأوروبية فوق أبواب منازلهم، دلالة على أنهم باتوا يحملون جنسيات تلك البلدان.

والنتيجة أن الاقتصاد أصيب تماما بالشلل. وهكذا قرر المولى عبد العزيز سن قانون ضريبي جديد يمكن البلاد من استعادة أموالها، ومن استخلاص ضرائب جديدة، وفق قانون لا يقيم فرقا بين الأجنبي والمغربي، ما داموا جميعا مقيمين في المغرب.

لم تكن تلك المرة الأولى التي فكر فيها المولى عبد العزيز في نظام ضريبي فعال، بدل النظام الضريبي المخزني الضارب في القدم، سيما وأن هذا السلطان الشاب عندما وصل إلى الحكم سنة 1894، وجد أمناء المراسي يعانون فعلا من مشاكل تحصيل متأخرات الضرائب عبر موانئ المغرب ومراسيه. وهناك اليوم في أرشيف الرسائل المخزنية، مئات المراسلات بين أمناء المراسي والسلطان المولى عبد العزيز، يشرحون فيها أسباب قلة ما يحصلونه من أموال سنويا. لقد كان الوضع القائم في نظام الضرائب يشرح الحالة المغربية كما هي. البلاد كلها كانت تحتاج إلى تجديد آليات اشتغالها لمواجهة التحديات الخارجية.

تم التعامل مع فترة المولى عبد العزيز بنوع من الإيجاز، وألصقت مشاكل كثيرة في السياق المغربي لتلك الفترة التي وصل فيها السلطان الشاب إلى الحكم، ووفاة الوزير القوي باحماد. لكن الحقيقة كانت أكبر من أن يتم إخفاؤها بتلك الطريقة. لقد كان مشكل تحصيل الضرائب، والقانون الضريبي الذي سُن لحل مشاكل المغرب، أحد أقوى الأسباب التي جعلت المغرب يخسر معركة مقاومة السباق الاستعماري.

 

 

حكاية وزير كادت أمواله تسبب حربا بريطانية ضد المغرب

المهدي المنبهي أحد الوزراء الذين شهدوا مرحلة الإعداد للقانون الضريبي الذي أراد المولى عبد العزيز اعتماده. بل إن المخزن بات يعتبر في ظل قانون الضرائب الجديد الذي سنه السلطان، أن المنبهي أحد وجوه الفساد المالي، وأفتى الوزراء بضرورة العمل على مصادرة أموال المنبهي، حتى عندما انتقل إلى العيش في طنجة الدولية. كان الوزير التازي، الذي كان وزيرا للمالية، يأمل أن يوقع بنفسه على قرار مصادرة أموال المنبهي جميعا، وإعادتها إلى الدولة. بدعوى أن الوزير لم يكن يؤدي الضرائب، كما أن ظروف جمعه لتلك الثروة يشوبها الكثير من الغموض. ولم يكن معقولا أن تسمح أجرته وحدها من المخزن، بأن يراكم كل تلك الأموال. لكن هذا الأمر لم يتم كما رغب فيه وزير المالية.

كان المنبهي متبصرا عندما نجح في الحصول على الحماية الإنجليزية في طنجة. فوثائق الأرشيف تشير إلى أن المخزن قد قرر في شهر غشت 1904، مصادرة جميع ممتلكات المنبهي، وهو القرار الذي ختمه السلطان المولى عبد العزيز بنفسه.

كان المنبهي محظوظا، لأن قرار المخزن لم يمسه بأي ضرر، فقد كانت ثروته محمية في طنجة، وجوازه البريطاني مستقرا في خزنته التي كانت تضم وثائقه الشخصية، بما فيها مراسلاته السابقة مع السلطان عندما كان وزيرا.

في الحقيقة، لم تكن المعركة بين المنبهي والسلطان، بل بين المنبهي ووزراء المخزن. فهؤلاء، حاولوا الاحتجاج ضد احتماء المنبهي بالإنجليز وإصداره الجواز البريطاني في وجههم، وحاولوا الخروج بقرار يستثني المنبهي من الحماية الإنجليزية، لكي يصبح تحت رحمة المخزن. والهدف، مصادرة أملاكه كلها ودفعه إلى الإفلاس التام.

لجأ المنبهي إلى خدمات صديقه الصحافي والتر هاريس، الذي تولى الدفاع عنه، وكتب عنه عشرات المقالات على صفحات «التايمز»، مقدما إياه على أنه وزير سابق، ونموذج للسياسي المغربي العصري، المتمتع بالحماية الإنجليزية، وأن بعض الأطراف تسعى خلفه لكي تُسقطه، وجعل الرأي العام البريطاني في تلك الفترة، يتعرف على المهدي المنبهي، باعتباره وجها للبرجوازية المغربية الجديدة..

كان المولى عبد العزيز، حسب ما تؤكده وثائق الأرشيف البريطاني، قد وافق فعليا على مصادرة أملاك المنبهي سنة 1904. لكن الفكرة لم تكن فكرة السلطان، وإنما فكرة وزير المالية محمد التازي، الذي اقترح على المولى عبد العزيز مصادرة أملاك المنبهي وأمواله التي هرب بها إلى طنجة. ووافق السلطان على القرار وختمه، فسارع الوزير التازي إلى تفعيل القرار.

لكن الإنجليز، مع نهاية سنة 1904، أقدموا على خطوة لحماية المنبهي، إلى درجة أنهم قدموا ببارجة حربية، اسمها Le»

«Minérve، وطلبوا من ربانها أن يرسو في مياه طنجة الدولية، وأعلنوا أن البارجة لن تتحرك إلا بعد إبطال التهم عن المنبهي وإلغاء القرار القاضي بمصادرة أملاكه.

هذا التهديد آتى أكله فعلا، وسحب الوزير التازي القرار، مخافة أن تتعاظم أزمة بين المغرب وبريطانيا، في فترة سياسية واقتصادية عصيبة.

بينما من الجهة الأخرى، كان الغضب يتصاعد تدريجيا في فاس ضدا على التوغل الأجنبي في المغرب. حتى أن هذه «السحب» بدأت تصل إلى سماء القصر، وأصبح المولى عبد العزيز شخصيا مستهدفا، ومُتهما بالتعامل مع الأجانب، وهو ما قاد البلاد إلى الأزمة الشهيرة والتي اشتدت سنة 1907 وانتهت بمغادرة المولى عبد العزيز القصر في فاس، ليتوجه إلى طنجة.

 

هكذا استغلت إسبانيا «فوضى» تأخر قانون ضريبي مغربي بالشمال

مع بداية القرن العشرين، كان المغرب يعاني من تبعات عدم تفعيل نظام ضريبي فعال. بعد ضياع فرصة سن النظام الضريبي في عهد المولى عبد العزيز، بات المغرب مهددا أكثر بالإفلاس، بل وعلى شفير الحرب الأهلية.

أحد الذين اغتنوا بسبب عدم توحيد نظام ضريبي مغربي، هو الشريف الريسوني الذي تحالف مع الإسبان فترة، ثم شن حربا «مقدسة» ضدهم، وصلت حد إبادة إسبانيا للقبائل التي كانت تناصره.

في كتابها، «سلطان الجبال»، تحكي الكاتبة «روزيتا فوربس»، على لسان الشريف الريسوني نفسه، عن مشكلته مع الإسبان، بسبب «فلسفته» في جمع الضرائب. وهو الموضوع الذي جر عليه المشاكل والخلافات حتى مع ممثلي المخزن، قبل الأجانب:

«يقول الشريف:

لم يكن سيلفستر قادرا على المجيء لرؤيتي بدون إذن مسبق من حكومته.

ثم إنه كان حريصا على وجود شخص في منطقتي يراقب تحركاتي في منطقة أصيلة. لأنه كان قلقا من شكاوى القبائل، وكان متيقنا أني أفرض على تلك القبائل ضرائب مجحفة. توصل برسائل كثيرة حول هذا الموضوع، وصرت مع الوقت أتضايق من هذا الأمر.

لكي تتعامل مع أوروبا، يجب على المرء أن يكون أكثر ذكاء في استعمال القلم أكثر مما يستعمل السيف. وفي هذه الأيام، وجه بدر الدين لم يعد مكتملا كالقمر، بل أصبح معقوفا مثل الهلال في أيام تشكله الأولى.

هناك أيضا موضوع الضابط الذي أراد سيلفستر أن يرسله إلى أصيلة، لكي يسكن في منطقتي ويراقب أداء الضرائب. ولم أكن لأوافق، لأنني كنت خليفة مولاي عبد الحفيظ. والسماح للضابط بالمراقبة سيجلب لنا العار معا أمام القبائل.

كتب الكولونيل إلى حكومته ليقول إنني كنت أجني المزيد من الضرائب والجبايات في منطقة نفوذي التي كانت منطقة إسبانية، أكثر مما أجنيه في الضفة الأخرى من نهر اللوكوس التي كانت منطقة فرنسية.

وقال أيضا إن فرنسا كانت تضرب جنودي إذا أخذوا غنائم من المداهمات، وإنه لم يكن مسموحا لي في المنطقة الفرنسية أن أستخلص الضريبة المستحقة للسلطان.

كان هذا الكلام غير صحيح، لأن هناك طرقا كثيرا للوصول إلى جيب أي رجل من القبائل. أما تقديم الهدايا إلى خليفة السلطان فقد كان طقسا تحرص عليه القبائل.

الشرفاء لديهم الحق في الحصول على ضريبة لم يُحدد مقدارها، لكنها تُقدم لهم بالتراضي مع مُقدميها.

أنتِ ترين كيف أن القبائل تأتي إلي الآن، عندما لا يكون لدي شيء، وأعيش مثل البدو. بالنسبة إلينا، الهدايا ليست شيئا ذا قيمة كبيرة، سواء عندما نتلقاها، أو عندما نُقدمها.

أراد سيلفستر أن يوظف رجاله لكي يجمعوا الضرائب بأنفسهم، ولم يدر أن الناس سوف يقولون: -البلاد بيعت إلى النصارى. لقد سجنوا الشريف، وها هم يستولون على المال الذي كان سوف يُقدم له.

وسوف تحدث ثورة ويقع تبادل كبير لإطلاق النار.

لقد ظن أنه إذا جمع المال مباشرة من القبائل واحتفظ به، فإنه سوف يتخلص من شكاواهم السابقة. لقد راهن على ولائهم، لذلك كتب إلى حكومته يقول إن المنطقة لم تكن راضية عن طريقتي في الحكم وإنهم يريدون أن يتخلصوا مني.

والله، لو تبقى رجل واحد فقط على قيد الحياة في منطقة جبل علان، فلن يطيع أي شخص آخر غير الريسوني».

 

مخزنيون طلبوا إعفاءهم بسبب غياب «قانون الضرائب»

أحد هؤلاء هو الأمين بن التهامي المديوني، وهو أحد جباة الضرائب المشهورين الذين اعتمد عليهم المغرب سنة 1885، أي في عهد المولى الحسن الأول، لاستخلاص الضرائب، في أشد الفترات السياسية توترا.

وبسبب مشاكل تحصيل الضرائب من كبار التجار الذين كانوا يرفضون أداء ما في ذمتهم للصندوق، لم يجد هذا المسؤول بدا من طلب العفو من السلطان، مستنجدا بحرمة بلاد الحج، حتى يضمن إعفاءه من مهامه بعد عودته إلى المغرب.

ونص رسالة هذا الأمين، ما زال قابعا في أرشيف الخزانة الملكية في الرباط. وهنا نورد أقوى مضامينها:

«وبعدُ،

فإني أنهي إلى علم مولانا الشريف أني رجل وحداني ولي أولاد صغار لم يسعني التسوف عليهم، وما حضرت مجلس مولانا العالي بالله عند تعيين الأمناء والأشياخ لقبيلتنا، حتى وافاني الظهير بالخدمة الشريفة مع جملة من تعيين الأمناء والأشياخ. فعليه، فقد بذلت مجهودي في خدمة مولانا وما قصرت في ما أمرت به من الجانب العالي بالله حتى ضيعت أولادي في ما لا بد منه من المؤن والكسوة وغير ذلك، سيما أني رجل أمي لا أفقه في الكتابة والتقييد والحساب وما يحتاج إليه الكناش. ولا قدرت على الخدمة. وعليه، فنطلب من سيادة مولانا الإمام أن يريحني من هذه الخطة ويمنحني مقابلة أولادي وأنا في حرم الله والنبي.. (..) وأن تمتعني بالأمان دام الله عزك. وأطلب من مولانا الإمام أن يمن علي بظهير شريف فيه التوقير لي ولأخي عبد الفضيل، وبه وجب إعلام مولانا نصره الله..».

لم يكن الأمين المديوني محظوظا، فقد كان المولى الحسن الأول صارما في حث كبار موظفيه على استخلاص الضرائب، وملاحقة متأخرات المراسي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بكبار التجار المغاربة، الموزعين وقتها بين مراكش وفاس.

لم تكن مسألة المحميين وقتها قد ظهرت بشكل جلي، لكن بوادرها بدأت تلوح في الأفق، سيما مع تزايد أعداد التجار المغاربة الذين أبرموا صفقات مع شركات أجنبية.

ومن أقوى الشكايات التي وصلت إلى ديوان المولى الحسن الأول بهذا الخصوص. شكاية رفعها إليه أمين الأمناء في سلا، بخصوص التجار الذين استقووا على المخزن بالشركات الأجنبية، واستهلها بالآتي: «.. وإنهم يا مولاي أعزك الله، سعوا في خراب البلاد ووضعوا أيديهم في أيدي الذين أرادوا بنا سوءا..

وإنهم يا مولاي، قد عمدوا إلى استعمال بعض مرضى النفوس لإخفاء سجلات الضرائب، وزوروا أوراقا للتجارة مع أوروبيين مستعملين خاتم جلالة السلطان. وكلما سار إليهم الجُباة للحصول على ما في ذمتهم للدولة، أغلقوا في وجوههم الأبواب..».

أمين أمناء الرباط وسلا، لم يكن أوفر حظا من المديوني، وينضاف إليهما فوج آخر من المخزنيين الذين كانوا في مرمى النيران، بسبب عدم فاعلية قانون الضرائب.

بدا واضحا أن فرض قانون ضرائب في مغرب القرن العشرين كان يحتاج إلى ما هو أكبر من الإرادة السياسية. لقد كان تردد علماء القرويين في دعم السلطان في هذا المسعى، سببا من أسباب فشل مشروع إصلاح الضرائب على الطريقة المغربية. بل إن التجار الذين كانوا «محميين»، كانوا يروجون أن القانون لن يسري عليهم، لأنه ليس مقتبسا من الشريعة الإسلامية. وهكذا أخلف المغرب موعدا مع إصلاح اقتصادي مبكر، كان ممكنا أن يجنب البلاد أحد أسوأ السيناريوهات التي عرفتها ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى