كيف عالج مسؤولو الداخلية السابقون فترات الانتخابات؟
دخلوا السياسة وغادروها مثقلين بتداعيات الأزمات

يونس جنوحي
مسؤول مثل أحمد رضا اكديرة، كان ممكنا أن يبقي هيمنته على الانتخابات في المغرب لسنوات أخرى، لولا أنه «بالغ» في التوسع عندما أشرف على الانتخابات ما بين 1962 و1963، وهو مشارك في منافساتها، باعتباره زعيم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية «الفديك».. والنتيجة كانت أن أُجبر على تطليق الحياة السياسية، ويعود إلى رحابة القصر الملكي مستشارا ملكيا..
أما الذين جاؤوا من بعده، وزراء للداخلية ومشرفين على الانتخابات، فقد كانت تنوعت مصائرهم، كما لو أنهم عملوا على إتاحة المجال لإدريس البصري الذي تجاوز اكديرة و«سكنته» فكرة تنظيم الانتخابات والإعداد لها، حتى أن تُهم التزوير كلها التصقت باسمه شخصيا.
اكديرة.. «مُهندس» أول انتخابات مغربية
كان أحمد رضا اكديرة في الأوساط الرسمية، مديرا لديوان ولي العهد، خلال فترة حكم الملك الراحل محمد الخامس. لكن في فبراير 1961، سوف يتغير الوضع، ويصبح مدير ديوان ولي العهد، مستشارا للملك الجديد، وأحد الوجوه البارزة التي يراهن عليها «العهد الجديد» في إطلاق حياة سياسية جديدة.
وهكذا ففي حكومة 1962، التي جاءت في سياق الاستفتاء على دستور جديد للبلاد، برز اسم أحمد رضا اكديرة، فاعلا سياسيا مباشرا. وأصبح اكديرة وزيرا للداخلية، الرجل الأكثر نفوذا في المغرب، وأشرف على الانتخابات الجماعية والبرلمانية، وتعرض لهجوم شديد في أول برلمان مغربي ووجهت إليه اتهامات من المعارضة الاتحادية، تتهمه صراحة بتزوير الانتخابات، واستغلال موارد وزارة الداخلية لصالح حزبه جبهة «الفديك»، من سيارات في العمالات، بل إن بعض عمال الأقاليم كانوا يشاركون في الحملة الانتخابية لمرشحي حزب اكديرة، ويحثون المواطنين على التصويت لصالحهم.
بحكم إشراف اكديرة على وزارة الداخلية في أول حكومة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، فقد وجهت إليه تهمة التلاعب بالمساعدات الأمريكية التي تلقاها المغرب في إطار برنامج الحكومة الأمريكية المخصص لدعم الدول النامية.
في سنة 1962 انتبه الأمريكيون إلى أن صحف المعارضة المغربية تتهم اكديرة بإخفاء أطنان من مواد المساعدات الأمريكية، خصوصا الموجهة إلى المدارس العمومية.
لكن لماذا يخفي اكديرة كل تلك المواد الغذائية والملابس؟ حسب الرواية ذاتها، فإن اكديرة أخفى المؤن في مخازن وزارة الداخلية إلى حين الانتخابات، لتوزيعها باسم الجبهة، وحصد ولاء الناخبين، سيما في البوادي.
هذه التهمة أيقظت الأمريكيين، وجعلتهم يتابعون أنشطة رضا اكديرة. ليس من باب الفضول بخصوص مستقبله السياسي بطبيعة الحال، وإنما بسبب مساره المثير، ومواقفه الغريبة. فقد كان الأمريكيون يتخوفون من أن يبرز سياسي موال للمعسكر الشرقي، خصوصا بعد إقناع الملك الراحل الحسن الثاني في عهد الرئيس كينيدي بالتخلي عن صفقات السلاح مع الروس، وتوقيع اتفاقيات عسكرية مع واشنطن.
شنت المعارضة حربا ضروسا ضد رضا اكديرة، ونشرت مقالات تفضح توزيع المساعدات من طرف مرشحي حزب اكديرة، وباستعمال سيارات وزارة الداخلية.
دخل اكديرة التاريخ، لأنه أول وزير للداخلية يشرف على الانتخابات، رغم أن «التاريخ» نفسه لاحقه بتهم ثقيلة، أخطرها «تزوير» الانتخابات لصالح ممثلي حزبه. ومع تراكم الاتهامات لاكديرة، اضطر في الأخير إلى «توديع» الحياة الحزبية، ليعينه الملك الراحل الحسن الثاني مستشارا له، وهو المنصب الذي بقي يشغله إلى آخر أيام حياته في تسعينيات القرن الماضي.
داخلية إدريس البصري بعيون أعوان الداخلية
هو الوزير الأكثر إثارة للجدل. كلما تعلق الأمر بشخص إدريس البصري، رغم مرور قرابة العقدين على وفاته، إلا وتباينت ردود الأفعال والانطباعات وحتى الأحكام التي تقيم فترة اشتغال هذا المسؤول الأبرز في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، سواء عندما كان في سلك الأمن في ستينيات القرن الماضي، أو عندما التحق بوزارة الداخلية في سبعينيات القرن الماضي، وتدرج فيها إلى أن أصبح وزيرا للداخلية منذ 1979 إلى وفاة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1999، لينضم إلى نادي الأسماء المخزنية التي عمرت في المنصب الأكثر حساسية..
في النصف الأول من السبعينيات، أشرف إدريس البصري على أولى الانتخابات بعد مرحلة الجنرال أوفقير باعتباره مديرا لمكتب الشؤون السياسية في الوزارة. وفي سنة 1977 تسلم الوزارة مباشرة بعد الانتخابات التي اتُهم بتزويرها، بحكم إشرافه عليها، قبل حتى أن يصبح وزيرا للداخلية. وهو ما يؤكد أن نفوذه في الوزارة كان كبيرا، حتى قبل أن يصبح وزيرا.
وقد تحدث زميله الحسن بروكسي، الذي توفي العام الماضي، في حوار سابق مع «الأخبار» يعود إلى سنة 2014، عن ذكرياته مع إدريس البصري في سياق انتخابات السبعينيات. يقول: «كانت هناك أوامر من الحسن الثاني بأن تكون تلك الانتخابات حرة. والأكثر من هذا أننا وزعنا المال على العمال حتى لا يتدخلوا في الانتخابات، ولا ينتصروا لأي مرشح وأن يحترموا الصناديق».
حديث الحسن بروكسي بصيغة الجمع، كان يقصد بها حضوره إلى جانب إدريس البصري في مكتب الشؤون السياسية في وزارة الداخلية.
كما اعترف في حواره مع «الأخبار»، عندما صرح معلقا على انتخابات 1977، والتي جرت في يونيو من تلك السنة، وكانت انتخابات واعدة بحكم حدوثها بعد اعتماد دستور 1972، واعتبرت أيضا أول امتحان للسلطة: «قلت للبصري لو أن أمر تلك الانتخابات أوكل إليّ فلن أدعها تمر في أجواء حرة. لماذا؟ لأن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سيكتسح كل شيء ويفوز بفرق شاسع جدا.
اتصل إدريس البصري برئيس قسم الانتخابات بوزارة الداخلية، وأمره أن يشكل لجنة من 30 فردا ويفكر في عملية الانتخابات المحلية».
كانت تلك طريقة مسؤولي الداخلية في تدبير الملفات، والإعداد لكل التوقعات التي كان ممكنا أن تأتي بها تلك الانتخابات، التي جعلت إدريس البصري «يخلد» في وزارة الداخلية إلى أن توفي الملك الراحل الحسن الثاني في يوليوز 1999.
أول تجربة لمسؤولي المغرب مع التصويت سنة 1948
عندما سمح الفرنسيون للمغاربة بولوج المجلس المنتخب من الفرنسيين، كان حضورهم رمزيا فقط، حدث هذا في أربعينيات القرن الماضي. وسرعان ما نُسفت التجربة، بسبب الهوة الكبيرة من المسؤولين الفرنسيين والأعيان والوطنيين المغاربة.
ورغم أن هذه التجربة لم يُسلط عليها الضوء كثيرا في الحياة العامة المغربية، خلال فترة الحماية الفرنسية (1912-1956)، إلا أنها كانت أول تجربة للمغاربة مع الانتخاب.. حتى أنها استأثرت باهتمام الباحثين الأجانب، الذين واكبوا هذه التجربة المغربية الأولى التي استُعملت فيها الأصوات لتحديد الفائزين بالمقاعد، بعد أن كان اقتراح الأسماء المغربية يتم باقتراح من السلطان، وأحيانا بـ«توصيات» من المقيم العام الفرنسي.
أحد الباحثين الأجانب الذين واكبوا هذه التجربة، الأكاديمي البريطاني «برنارد نيومان» الذي زار المغرب سنة 1952، وأنجز بحثا مهما عن الحالة المغربية في أربعينيات القرن الماضي. وقد ذكر في حديثه عن أول انتخاب مارسه المغاربة:
«في شهر فبراير 1948، افتُتح مجلس حكومي جديد. هذه المؤسسة الاستشارية قُسمت إلى قسمين: فرنسي ومغربي.
المجلس الفرنسي كان يُشكل دائما عن طريق الانتخاب، بينما أعضاء المجلس المغربي يتم تعيينهم. الآن، وللمرة الأولى، فقد تم انتخاب جزء من أعضاء التمثيلية المغربية، واستُعمل أعضاء غُرف التجارة والفلاحة كمصوتين في تلك الانتخابات. وبذلك، ضم المجلس الجديد أحد عشر عضوا من حزب الاستقلال.
نوقشت حتى الآن القضايا المثيرة للجدل، بحرية من قبل السلطات، ممثلة في الباشوات والقياد. وأيضا الأعوان في المناصب الأدنى، مثل الخدمة المدنية، والنقابة، والخدمات الاجتماعية.
لم يتعامل الفرنسيون مع الوضع بذكاء، فقد تنازلوا عن جميع نقاط النقاش لصالح حزب الاستقلال، الذي استغلها لصالحه، سواء داخل نقاشات المجلس أو خارجه.
من غير المُجدي إنشاء أي شكل من أشكال المجلس «الشعبي»، إذا لم يكن هناك استعداد لمنحه بعض السلطة. لم يخصص الفرنسيون للمجلس سوى الكلام، دون أي مسؤولية.
لقد أُرسل الجنرال «جوان» إلى المغرب، باعتباره «رجلا قويا». لكن شعبيته، لم تُغط على انتقادات حزب الاستقلال لعدم بلوغ الإصلاحات الفرنسية سقف التطلعات. كما أن الدعاية الفرنسية المضادة لم تنجح في مواجهة تصريحات قيادة حزب الاستقلال، التي يكون لها في بعض الأحيان ما يُبررها، ولكن في أحيان كثيرة تكون مبالغا فيها.
بعد ذلك، وفي أكتوبر 1950، تلقى السلطان دعوة لزيارة رسمية إلى باريس. وهناك، لم يطلب فقط الإصلاحات، بل وضع مطالب صريحة بصياغة معاهدة جديدة لتحل محل معاهدة 1912. ولم تكن الحكومة الفرنسية مستعدة للنظر في هذا الأمر، وهو ما أدى إلى فشل المفاوضات.
نوقش الحدث بوضوح في الصحافة الفرنسية، التي أبانت عن تحيز كبير. منذ أن تبنت بعض أحزاب اليسار، القضية الوطنية، فإنها قوبلت تلقائيا بمعارضة من طرف أحزاب اليمين. وهذه تبقى إحدى نقاط الضعف في الموقف المغربي، ويشرح الارتباك والتناقضات في أنظمة السلطة، والجناح الليبيرالي.
.. في الوقت الحاضر، هناك قيود كثيرة على المجلس الاستشاري المغربي، وصلاحيات أقل. يُنتخب هذا المجلس من غرفتي التجارة والفلاحة، ويصوت عليه نحو 150 ألف ناخب في المُجمل. وينبغي انتخاب المجلس في أقرب وقت ممكن، وذلك عن طريق الاقتراع المباشر. كما أنه يجب توسيع صلاحيات المجلس تدريجيا، بحيث يمكن للمقيم العام الفرنسي في البداية أن يُمارس سلطة النقض، وهي السلطة التي يتوجب استخدامها باعتدال، قدر الإمكان. لا بد أن يكون هناك نوع من الإسراف وارتكاب للسخافات داخل المجلس. لكن في القريب، سوف تُغربل الأمور ويظهر الصالح من الطالح. وهناك طرق كثيرة لفضح هذه التجاوزات أمام الشعب. وأفضل ما يمكن القيام به في هذا الباب، هو تبني بعض الأفكار الشعبية، إن وُجدت».
إدريس المحمدي.. وزير داخلية 1956 لم يُكتب له تنظيم الانتخابات
الذين تعرفوا على الاستقلالي الراحل إدريس المحمدي، كانوا يُدركون إلى أي حد كان الرجل منفتحا على تجربة الفرنسيين في التدبير. وهو الذي كان متحمسا لحيازة منصب حكومي، وتوجب عليه انتظار التعديل على حكومة البكاي ولد امبارك الهبيل الأولى، لكي يمسك حقيبة وزير الداخلية عند أول تعديل حكومي، ويشرف على الوزارة الأكثر «حساسية» في تجربة البكاي.
في أكتوبر 1956، جاء إدريس المحمدي إلى القصر الملكي في الرباط، لكي يحضر مراسيم التنصيب، والتقاط الصورة التاريخية مع الملك الراحل محمد الخامس. دخل القصر الملكي باعتباره سياسيا من حزب الاستقلال، وغادره وزيرا للداخلية، بين يديه ملفات ثقيلة، ورث أغلبها من الواقع المغربي، وطوى التجربة القصيرة التي تركها الحسن اليوسي، أول وزير للداخلية في تاريخ المغرب، والذي تعين في دجنبر 1955، ولم تُتح له الفرصة لترك بصمة في الوزارة، بسبب التعديل الذي أزاحه من المنصب.
كان أول تحد أمام إدريس المحمدي، أن ينظم كواليس تعيين أول فوج من العمال، أشرف الملك الراحل محمد الخامس شخصيا على تحديد أفراده، بعد أن رفع إليه المحمدي لائحة أولية مكونة من عدد من الأسماء المرموقة، وقد أشرف ولي العهد الأمير مولاي الحسن بنفسه على اللائحة، بحسب شهادات تاريخية عاصرت المرحلة.
كان تكوين إدريس المحمدي، الذي تلقى تعليمه في المدرسة الفرنسية بفاس، قد أتاح له الانفتاح على التجربة الفرنسية في التدبير، خصوصا وأنه احتك خلال فترة الحماية مع مسؤولين فرنسيين، رغم انتمائه الصريح إلى حزب الاستقلال.. وهكذا فقد كان يطمح إلى تنظيم انتخابات مغربية خلال ولايته في وزارة الداخلية، ليس فقط لكي يدخل التاريخ، ولكن لأن رغبة الملك الراحل محمد الخامس كانت تمضي في اتجاه تنظيم أول محطة ديموقراطية في تاريخ المغرب.
والدليل أن تجربة المجلس الاستشاري الوطني، كانت وقتها تحظى باهتمام كبير، رغم أن أعضاء المجلس لم يكونوا مُنتخبين، وإنما كان يتم اختيارهم من طرف الملك الراحل محمد الخامس، للبث في شؤون الأمة. وباعتبار إدريس المحمدي وزيرا للداخلية، فقد كان معنيا بهذه التجربة، خصوصا وأن صديقه المهدي بن بركة، كان رئيسا لهذا المجلس.
قصة زيارة ملكية مفاجئة للمجلس الاستشاري.. أول تمرين للمغاربة قبل الانتخابات
المجلس الاستشاري تأسس سنة 1956، بمبادرة من الملك الراحل محمد الخامس، وهو الذي أشرف على تعيين أعضائه وحرص على أن يمثلوا مختلف جهات المغرب، ومنح رئاسة هذا المجلس للمهدي بن بركة.
حدث مرة أن زار الملك الراحل محمد الخامس مقر هذا المجلس بشكل مفاجئ، صباح يوم الاثنين 10 يونيو 1957، وألقى خطابا على أعضائه، سُجل لاحقا في أرشيف الإذاعة المغربية، ونقلت بعض الصحف المغربية وقتها نصه كاملا. وهذا الخطاب لخص واقع هذا المجلس والسياق الذي جاء فيه، وسلط الضوء على كواليس اشتغاله، ودوره في الحياة العامة المغربية، سنوات قبل تنظيم أول انتخابات مغربية. وهذا نصه:
«لم نقدم إلى هذا المجلس بصفة رسمية، وإنما نحن هنا كمغربي ليطلع على سير مجلسكم هذا، لما لنا من اهتمام بهذه التجربة الديمقراطية المباركة.
الحمد لله وحده وصلى الله على مولانا رسول الله
إن ما سمعناه بواسطة الراديو وقرأناه في الصحف عن هذه الدورة للمجلس الوطني الاستشاري، ليدل دلالة قوية على ما لأعضائه المحترمين من اهتمام بالقضايا الوطنية والمشاكل المتنوعة التي يعيش فيها المغرب اليوم.
فعلى جميع أعضاء هذا المجلس أن يعلموا أننا ملكا وحكومة وشعبا في سفينة واحدة، لا فرق في ذلك بين أي فرد من أفراد المجتمع المغربي، فلهذا لا يجمل بهم أن يضعوا أنفسهم في شاطئ والحكومة في شاطئ آخر، لأن واجبهم لا يخرج عن نطاق ضيق مضبوط يتلخص في نقطتين:
– تعضيد الحكومة.
– معارضة الحكومة (ولكن بكيفية بنائية إيجابية، بحيث لا يقتصر على الانتقاد فحسب، بل باقتراح سياسة أخرى جديدة متقنة كفيلة بأن تأتي بنتائج محسوسة).
صرحنا لكم عندما افتتحنا هذا المجلس المبارك بأن وزراءنا هم رهن إشارة كل عضو من أعضاء هذا المجلس، أوصيناكم بمناقشتهم والبحث معهم في النقط الأساسية والجوهرية لسياسة الدولة في جميع الميادين، ولكننا نبهناكم إلى أخطار الانتقاد السلبي الذي لا يخلف إلا الأحقاد في النفوس والبلبلة في الأفكار، فالبلاد في حاجة ماسة إلى تكتل جميع قواها وجمع كلمتها وتوحيد صفوفها، لأن المشاكل جمة ومختلفة الأنواع.
فعلى الشعب المغربي أن يعرف حق المعرفة ويوقن عين اليقين أن مدة العمل والكد لا زالت طويلة، إن أراد استقلال بلاده على الوجه الأكمل.
ولكن أملنا في الله قوي ويقيننا به سبحانه وطيد، ولتجعلوا أيها الأعضاء شعاركم الدائم نصيحتين لنبينا عليه الصلاة والسلام تكون دستوركم الدائم – الدين النصيحة – لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لغيره..
والله سيبارك في جمعنا هذا الذي أسسناه نواة لنظام ديمقراطي صحيح نود أن تتمتع به أوطاننا العزيزة علينا، فالديمقراطية مثل أعلى مقدس حاربنا من أجله، وأخذنا على أنفسنا تحقيقه ولا يتم ذلك إلا إذا برهنتم معشر النخبة الثقافية والسياسية المغربية على نضج تام للشعب النبيل الآبي الذي يستحق أعظم التضحيات في سبيله، وتبصر كامل رائدكم الصالح العام وهدفكم خدمة هذا الوطن.
والله المستعان في جميع الأحوال إنه سبحانه مجيب الدعاء وولي التوفيق».
حدو الشيگر.. اتُهم بـ«إفشال الانتخابات» وطلب من الحسن الثاني إعفاءه
حدو الشيگر اتُهم دائما بعد سنة 1972، بالقرب من الجنرال أوفقير، وبدا واضحا أنه أدى ثمن هذه التهمة.
ورغم أن أصدقاء الجنرال أوفقير كانوا أكثر من أن يتم إحصاؤهم جميعا، إلا أنه بعد تورطه بشكل صريح في مخطط الانقلاب الذي استهدف الطائرة الملكية في صيف 1972، دفعت بعض الأسماء التي كانت قريبة منه ضريبة العلاقة مع أكثر الأسماء نفوذا في مملكة الملك الراحل الحسن الثاني.
جاء حدو الشيگر إلى الحياة العامة خلال محطة انتخابات 1963، حيث حظي بمقعد «مريح»، وأصبح اسما بارزا في الحياة العامة المغربية.
كان لديه اتصال مباشر بأحمد رضا اكديرة، الذي كان وقتها زعيما لجبهة «الفديك»، قبل أن يطلق السياسة ويعينه الملك الراحل الحسن الثاني مستشارا له.
وهذه العلاقة هي التي جعلت حدو الشيكر يبقى حاضرا في المحيط الملكي، وزيرا في عدد من الحكومات، تقلب خلالها في عدد من المناصب الوزارية منذ 1963، مثل وزارة البريد والمواصلات، وكتابة الدولة في الإعلام، ثم وزارة الدفاع الوطني، ثم وزيرا للتعليم في حكومة أحمد العراقي، إلى أن تم تعيينه وزيرا للداخلية سنة 1973 إلى حدود 1977.
بحسب شهادة أحد قيدومي وزارة الداخلية في ذلك الوقت، وهو د. الحسن بروكسي، مهندس سياسات إدريس البصري، والذي انفردت «الأخبار» بنشر مذكراته في حوار مطول سنة 2014، قبل وفاته العام الماضي، فإن حدو الشيكر عندما جاء إلى وزارة الداخلية، قادما إليها من وزارة التعليم، أحضر معه مدير ديوانه السابق، وهو ما اعتبره رجال الداخلية «سقطة» من الوزير، الذي لم يكن مدركا خصوصية هذه الوزارة ورفضها للأسماء الغريبة عن «أم الوزارات».
ورغم أنه كان وزيرا للداخلية في السنة التي نظمت فيها المسيرة الخضراء، أبرز الأحداث في مرحلة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، إلا أن هندسة المسيرة وتنظيمها اقترنا الفضل فيها بأسماء أخرى، من بينها إدريس البصري الذي كان مسؤولا في الداخلية فقط، بينما الوزير الشيگر لم تُسلط عليه الأضواء.
استمر حدو الشيگر في وزارة الداخلية إلى حدود سنة 1977، وكان عليه أن يشرف على الانتخابات التي لاحقتها الكثير من الشبهات، واتُهمت الداخلية صراحة بتزويرها والتلاعب بنتائجها. يقول الحسن بروكسي في شهادته لـ«الأخبار»، وهو الذي عاش تلك الكواليس:
«الشيكر لم تكن له دراية بخبايا وزارة الداخلية وطرق اشتغالها. وسأحكي أمرا، فعندما وقعت أزمة مع الجارة الجزائر في عهد الرئيس بومدين، ورُحل المغاربة المقيمون في الجزائر في دجنبر 1975، بعد نجاح المسيرة الخضراء في نونبر، إلى الحدود مع المغرب، كان الشيكر يريد أن يُرحل الجزائريين المقيمين في المغرب، ويرميهم إلى الحدود مع الجزائر، وأخبرته ألا يقدم على الأمر وأشرت عليه أن يخبر الديوان الملكي بالموضوع، لأن القضية تتعداه».
بروكسي علق أيضا على مغادرة حدو الشيگر لوزارة الداخلية، بعد انتخابات 1977: « الشيكر أرسل رسالة إلى الحسن الثاني يطلب فيها إعفاءه من منصب وزير الداخلية، وتوجه بعد ذلك إلى البرلمان. وبنهيمة عاد من جديد إلى وزارة الداخلية، قبيل انتخابات 1977، وهو الذي أشرف عليها رفقة إدريس البصري الذي سيخلفه وزيرا للداخلية في 1979، ويبقى على رأسها إلى أن توفي الملك الحسن الثاني».





