حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

«لانافيط»

لا يحتاج المرء إلى استطلاع للرأي، أو دراسة سوسيولوجية معمقة، لفهم بعض تناقضات المجتمع المغربي. يكفي أن يستقل قطار الصباح الرابط بين مدينتين، وأن يحجز مقعداً، إن حالفه الحظ، وسط جيش من الموظفين والطلبة والعمال الذين يمارسون يومياً طقساً جماعياً يعرف في القاموس الشعبي باسم «لانافيط». هناك، داخل عربات الحديد، تختزل مسافات الجغرافيا، وتنكشف مسافات أخرى أكثر تعقيداً، تفصل بين ما نعتقد أننا أصبحنا عليه، وما نمارسه فعلياً حين نضطر إلى تقاسم بضعة أمتار مربعة مع الآخرين.

«لانافيط» ليست مجرد رحلة يومية بين مقر السكن ومكان العمل. إنها تجربة وجودية متكررة، واختبار قاس للأعصاب، ومختبر اجتماعي متنقل يعرض، دون رقابة أو مونتاج، عينات من العقل الجمعي المغربي بكل تناقضاته. ففي القطار، تسقط الأقنعة التي نتزين بها في الفضاءات الرسمية، ويصبح المواطن، بكل ما يحمله من قيم ومعتقدات وعادات، موضوعاً لدراسة ميدانية مجانية.

تبدأ الحكاية من الرصيف، حيث يخوض المسافرون أول امتحان في علاقتهم بالنظام. فما إن يقترب القطار حتى تتحول بعض الأجساد إلى كتلة بشرية تتدافع نحو الأبواب، وكأن المؤسسة المكلفة بالنقل أعلنت عن توزيع مجاني لمقاعد البرلمان. لا أحد ينتظر نزول الركاب، ولا أحد يعترف بأسبقية الوصول. الجميع يريد الصعود أولاً، حتى أولئك الذين يحملون تذاكر بمقاعد مرقمة. إنها فلسفة اجتماعية قائمة على مبدأ بسيط، ما دمت قادراً على تجاوز الآخرين، فلماذا تضيع وقتك في احترامهم؟

داخل العربة تتجلى عبقرية أخرى في إعادة تعريف الفضاء العام. فالمقعد الذي اشتراه المسافر بتذكرته قد يتحول إلى امتداد لصالون أحدهم، والهاتف المحمول إلى إذاعة جهوية تبث المكالمات العائلية والخلافات الزوجية والتفاصيل الطبية والمالية على مسامع جمهور لم يطلب الاشتراك في الخدمة. أما مقاطع الفيديو فتشتغل بأعلى صوت، في ممارسة ديمقراطية مبتكرة تمنح صاحب الهاتف حرية التعبير، وتحرم بقية الركاب من حرية عدم الاستماع.

ولأن الخصوصية مفهوم لم يحسم المجتمع المغربي بعد علاقته به، يجد المسافر نفسه أحياناً طرفاً غير راغب في محادثة لا تخصه، أو شاهداً على أسرار أسرية كان أولى بها أن تبقى داخل البيوت. وهكذا يتحول القطار إلى مجلس جماعي مفتوح، تختلط فيه الاعترافات الشخصية بالفتاوى الاجتماعية، وتوزع فيه النصائح مجاناً، حتى على من لم يطلبها.

ثم تأتي مسألة النظافة الشخصية، تلك المنطقة الحساسة التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها، رغم أن روائحها تسبق أصحابها أحياناً إلى المقاعد. صحيح أن الازدحام وحرارة الجو وطول ساعات العمل عوامل لا يمكن تجاهلها، لكن احترام الفضاء المشترك يقتضي حداً أدنى من العناية بالنظافة، مثلما يقتضي احترام نظافة العربات وعدم تحويلها إلى مستودعات صغيرة للنفايات. فالحق في التنقل لا يتضمن، ضمن امتيازاته، حق الاعتداء على حاسة الشم لدى الآخرين.

غير أن هذه السلوكيات، على اختلاف درجاتها، ليست سوى أعراض لمرض اجتماعي أعمق. ففي القطار نكتشف أن علاقتنا بالقانون ما تزال انتقائية. نحترمه حين يخدم مصالحنا ونتحايل عليه حين يفرض علينا واجباً. نطالب بالانضباط من المؤسسات، ثم نعتبر احترام الدور نوعاً من السذاجة. نشتكي من الفوضى، بينما نساهم في إنتاجها، ونلعن غياب النظام ونحن نتسابق إلى خرقه.

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المواطن ليس المسؤول الوحيد عن هذه الملحمة اليومية. فحين تتأخر القطارات، وتتكرر الاضطرابات وتضيق العربات بأعداد المسافرين، يتحول التنقل من خدمة عمومية إلى مصدر إضافي للقلق والإرهاق. دقائق التأخير، التي تبدو مجرد أرقام على الشاشات، قد تعني اقتطاعاً من الأجر، أو توبيخاً من مسؤول، أو موعداً ضائعاً أو ساعة أخرى مسروقة من حياة أسرية تعيش أصلاً على هامش الوقت.

هنا تتجلى المفارقة الأكثر قسوة. فالمواطن، الذي يغادر منزله قبل شروق الشمس ويعود إليه بعد الغروب، لا يقطع المسافة بين مدينتين فحسب، بل يستهلك جزءاً من عمره في الانتظار. وحين تتكرر الرحلة خمسة أيام في الأسبوع، يصبح الإرهاق أسلوب حياة، ويتحول القطار إلى مساحة لتراكم التوترات الصغيرة التي تنفجر أحياناً في وجه أول راكب يعترض الطريق.

ولا عجب أن تتحول بعض العربات إلى مسارح لمشاحنات تبدأ بمقعد وتنتهي بنقاش حول التربية والأخلاق ومستقبل البلاد. فحين تضيق المساحة، تتسع الخلافات، وحين يتآكل الصبر، يصبح الاحتكاك العابر أزمة وطنية مصغرة.

ومع ذلك لا تخلو «لانافيط» من مشاهد تضامن إنساني عفوي. هناك من يفسح مكاناً لمسن، ومن يساعد غريباً على حمل حقيبته، ومن يتقاسم معلومة أو ابتسامة تخفف وطأة الطريق. وهي تفاصيل تذكرنا بأن المجتمع، الذي ينتج الفوضى، قادر أيضاً على إنتاج النبل، وأن المشكلة ليست في غياب القيم بقدر ما هي في صعوبة تحويلها إلى سلوك يومي مستقر.

لعل قطار «لانافيط» هو المرآة الأكثر صدقاً لبعض اختلالاتنا الجماعية. نريد قطارات تصل في موعدها، لكننا لا نصل دائماً إلى مستوى الانضباط الذي نطالب به. نحلم بمجتمع حديث، ثم نحمل إلى عرباته عادات تناقض أبسط شروط الحداثة. نطالب بمؤسسات تحترم وقتنا وكرامتنا، وننسى أحياناً أن للآخرين الوقت نفسه والكرامة ذاتها.

وفي انتظار أن تصل القطارات في مواعدها، ويتعلم الركاب أن التذكرة تمنح حق السفر لا حق التصرف في الفضاء العام، ستظل «لانافيط» رحلة يومية بين مدينتين، ورحلة أطول بكثير بين مجتمع يريد اللحاق بالحداثة وعقليات لا تزال تصر على السفر في الاتجاه المعاكس.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى