الرأيزاوية القراء

ليبيا واتحاد المغرب العربي

محمد كريشان
ها هي فرنسا تدعو إلى مشاورات مع حلف «الناتو» لمناقشة ما وصفته بـ«دور تركيا العدائي هناك»، مع أنها لم تحرك ساكنا عندما كان حفتر يدك العاصمة طرابلس، وها هي موسكو تكثف مشاوراتها مع أنقرة حول ليبيا، لبحث تنسيق الأدوار هناك ربما كما نسقوها من قبل في سوريا، وها هو مجلس الأمن يتحرك بين الفينة والأخرى لبحث هذا التصعيد أو ذاك، وها هو الرئيس الأمريكي يتناول ذات الملف في مكالمة مع نظيره التركي، إلا «اتحاد دول المغرب العربي» فهو لا يحرك ساكنا، مع أن الملف الليبي يمكن أن يكون ترياق الحياة له.
وإذا كانت فرنسا انطلقت في غضبها الأخير من الدور التركي المتنامي في ليبيا، وتريد أن يكون اجتماع وزراء دفاع حلف الأطلسي هذا الأسبوع فرصة لبحثه، فإن اتحاد المغرب العربي كان بإمكانه أن يدعو إلى اجتماع خاص بليبيا على أي مستوى كان، ومع ذلك لم يفعل.
«مجلس التعاون الخليجي» الذي يضم كلا من السعودية وعُمان والكويت وقطر والبحرين والإمارات عاجز، منذ ثلاثة أعوام، عن بحث حصار قطر، لأن المشكل بين أعضائه، ففضلوا الخوض في أي شيء إلا الحريق المندلع داخل البيت، لكن «اتحاد المغرب العربي» الذي يضم موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا لا يعاني المشكل نفسه، فلا أحد من دوله تدخل عسكريا في ليبيا، ولا هو أرسل مرتزقة أو ساند عسكريا انقلابيا. لقد التزمت جميعها بأن اتفاق الصخيرات الذي احتضنه المغرب عام 2015 هو المرجعية، وأن حكومة الوفاق هي الشرعية المعترف بها دوليا، ومع ذلك فقد ظلت الدول المغاربية على حذر شديد، حتى لا تبدو فاقعة التأييد لهذا الطرف على حساب الطرف الآخر، الذي تؤيده بشكل خاص كل من فرنسا وروسيا ومصر والإمارات والسعودية.
ما يجمع الدول المغاربية في الملف الليبي أكثر مما يفرقها بكثير، وبالتالي فإن التنسيق بينها في سبيل حله لا يمكن إلا أن يقوي من موقفها ككتلة قادرة على لعب دور مختلف عن السائد حاليا.
وتتفق كل من الجزائر والمغرب وتونس حاليا على مجمل نقاط أبرزها:
ـ اتفاق الصخيرات والقرارات الدولية هي المرجعية، وبالتالي فهذه الدول لم تنظر بارتياح، وبعضها، تجاهل ما سمي بالمبادرة المصرية، التي لم تكن مقنعة لا في مضمونها ولا في شكل إخراجها الإعلامي. وتبدو الجزائر هنا الأكثر انزعاجا من الدور المصري في ليبيا، التي لها معها قرابة الــ900 كلم من الحدود في منطقة شديدة التعقيد أمنيا، حتى أن التعديل الأخير الذي يسمح للجيش الجزائري بلعب أدوار خارج التراب الوطني لأول مرة، بدا رسالة قوية لمن يريد العبث مع الجزائر في الملف الليبي، وبالأساس مصر.
ـ عدم الارتياح، غير المعلن رسميا، من الدور الفرنسي الذي لم يتردد في دعم قوات حفتر، فلما انقلبت الموازين ضده علا صياح باريس ضد الدور التركي، شأنها في ذلك شأن بعض القوى السياسية في تونس مثلا، التي لم تر من التدخل الدولي المتشابك في ليبيا سوى التدخل التركي، مع أن الموقف الواضح من التدخلات الخارجية هناك يجب أن يصاغ بشكل عام ومبدئي، وإذا ما تقرر تسمية الدول فلتذكر جميعها من فرنسا وروسيا ومصر وتركيا وإيطاليا وقطر والسعودية والأردن إلى غيرها من قوى مرتزقة غير نظامية، علما أنه سبق للمبعوث الدولي السابق في ليبيا، غسان سلامة، أن أشار إلى أن هناك 10 دول تتدخل في الشأن الليبي.
وإذا كانت السياسة التونسية الرسمية لا تعترف إلا بالحكومة الشرعية في طرابلس، إلا أنها مع ذلك تتسم بالحذر الشديد في التعاطي مع ملف تريد أطراف محلية توظيفه في معارك داخلية، بدعم جلي من الأطراف نفسها التي تدعم حفتر، فإن السياستين الجزائرية والمغربية تتحركان بدون تعقيدات داخلية من هذا القبيل.
لهذا تبدو الجزائر التي اعتبرت طرابلس «خطا أحمر» في رسالة تحذير لا تحتمل التأويل، والتي رُفض وزير خارجيتها السابق رمطان لعمامرة لخلافة سلامة بمساع لدى واشنطن من الدول الداعمة لحفتر، متحمسة لتفعيل «دور دول الجوار في مسار التسوية السلمية في ليبيا، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف»، وفق البيان الأخير للخارجية الجزائرية.
أما المغرب فقد ظل دائما يؤكد دعم الوقوف الكامل مع حكومة الوفاق الوطني، التي تعترف بها الرباط «وحدها سلطة شرعية في ليبيا، وفق اتفاق الصخيرات وقرارات مجلس الأمن»، مع رفض كامل للتدخل الخارجي «الوقح»، وفق تعبير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، مطلع فبراير الماضي.
ما يلعب لمصلحة تحرك مغاربي مشترك، أن حكومة الوفاق تقدر مواقف كل من الرباط والجزائر وتونس تجاهها، ومستعدة أن تلبي أي دعوة تقدمها لها، على عكس دول مثل مصر أو فرنسا، اللتين لم تكبحا جماح حفتر حين دق متوهما «ساعة الصفر»، لكنهما الآن تسارعان لنجدته وهما متباكيتان من الدور التركي الذي أفسد كل حساباتهما، فهل يقتنص الاتحاد المغاربي هذه الفرصة التي قد تكون طوق النجاة ليس فقط لليبيا، وإنما أيضا لهذا الاتحاد الميت سريريا، منذ أكثر من عشرين عاما؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى