الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

مجازر الاستعمار المنسية وثقها مؤرخون وصحافيون وإداريون فرنسيون  

يونس جنوحي

«جرائم الاستعمار لا يمكن إحصاؤها جملة ولا جمعها كاملة. بعضها نُسي وكأنه لم يقع، وجلها مفرق على التاريخ الشفهي المسجل وغير المسجل، بكل المؤاخذات والتناقضات التي قد يرصدها الباحثون، في تفاصيله. لكن الموثقين الأجانب لأبرز مجازر فرنسا في المغرب اعتمدوا على الوثيقة أولا، ثم العاطفة ثانيا، وأحيانا بحثا عن الشهرة، وهم يتناولون مذكراتهم، أو مغامراتهم التي ننظر إليها نحن على أنها توثيق للأحداث من زاوية أخرى.

أحد الصحافيين الفرنسيين الذين وثقوا لهذه الأحداث، هو الصحافي «غوستاف بابين»، والذي تعتبر مقالاته وتغطيته الصحافية، ثم كتابه عن الأطلس لاحقا، أحد أهم المراجع الفرنسية التي وثقت لجرائم الجيش، وكواليس تحالفات الجنرال داماد مع بعض القبائل ضد أخرى. وتحدث هذا الصحافي عن جنرال آخر اسمه الجنرال دوغان، قاد عمليات دموية بأوامر من الجنرال «داماد»، الذي كان يتقلد مسؤوليات حساسة جدا في الجيش الفرنسي داخل المغرب سنة 1914».

 

++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

مذابح نواحي فگيگ.. ليال سوداء لا يعلم بأمرها أحد

يتعلق الأمر بأكثر من حادث، الأول وثقت له إذاعة «BBC» البريطانية سنة 1948، والثاني في سنة 1950. وكلاهما وقع في نواحي منطقة فكيك، وقرب الحدود المغربية الجزائرية.

وحسب وثائق من الأرشيف الفرنسي، فقد سبق لقوات الطيران الفرنسي أن سجلت في أرشيفها الرسمي مراسلات تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، ما بين سنتي 1939 و1944، أجرت خلالها تجارب في الصحراء الشرقية الحدودية بين المغرب والجزائر، لاختبار قنابل وأسلحة كانت فرنسا تنوي استعمالها في الحرب العالمية ضد النازية في ألمانيا.

هذه الأسلحة كانت موضوع حظر دولي بسبب آثارها الكارثية، لذلك جربتها فرنسا في منطقة قاحلة، حسب تصور المسؤولين العسكريين الفرنسيين، لكن المنطقة في الحقيقة كانت مأهولة بالقبائل الصحراوية، خصوصا نواحي فگيگ.

إذاعة الـBBC»» كان لديها السبق الصحافي وقتها لكي تعلن وجود عمليات عسكرية فرنسية في الصحراء، إلا أنها روجت وقتها أن فرنسا كانت تستعد لعملية تسلل للقوات الألمانية، عندما تحولت تونس إلى ساحة مواجهة بين القوات الأوروبية. لكن الخبر كان يفتقر إلى الدقة، لأن العمليات جرت بين المغرب والجزائر، وهي منطقة كانت بعيدة عن التوتر بين فرنسا وألمانيا.

عسكريون فرنسيون نقلوا لاحقا شهاداتهم وتقارير، جمعت في وثائق الأرشيف الفرنسي في مكتبة باريس، مفادها أن الجيش الفرنسي قام فعلا بتجاوزات في المنطقة الشرقية.

الأكثر من هذا، أن هؤلاء العسكريين أمثال «أنطوان دوستان» والسيد «ريفير» نقلوا بصفتهم وقتها شغلوا مناصب مكتبية في إدارة الجيش الفرنسي في الشرق، وجود تحركات عسكرية في نواحي فگيگ، حيث استنكر البدو عمليات إحراق النخيل وبعض الواحات من طرف الجيش الفرنسي، خلال عمليات تدرب الطيارين الفرنسيين في المنطقة، حيث أمطروا المكان بوابل من الرصاص، وتسبب الأمر في خسائر كبيرة في الأرواح. وهو ما قاد هذه القبائل إلى التمرد، فواجههم الجيش الفرنسي بفرق من المشاة، تقدمت في مناطق انتشار الواحات، ونفذت مجازر راح ضحيتها عشرات الفلاحين الصحراويين ومواشيهم.

في سنة 1948 وقعت عملية مماثلة في شهر دجنبر، على إثر ضياع مسؤول عسكري فرنسي في الصحراء، عندما كان في مهمة من الجزائر إلى وجدة، وعندما لم يصل المسؤول العسكري، أرسلت قيادة الجيش الفرنسي وحداتها لمراقبة المسار المفترض للرحلة، سيما وأنها تلقت إخباريات بشأن تحرك بعض القبائل في الصحراء على الحدود الجزائرية المغربية، واحتجازها للفرنسيين للمطالبة بفدية لاحقا. وهو ما جعل وحدة من الجيش الفرنسي تهاجم البدو الرحل في المنطقة قرب فگيگ مرة أخرى، وتتسبب في أضرار كبيرة، حيث نفذت مجزرة في حق الرعاة الذين لم يكونوا يتوفرون على أي أسلحة لمواجهة وحدات الجيش الفرنسي، ورغم ذلك ارتكب الجيش في حقهم جريمة شنعاء دون الاهتداء إلى مكان المسؤول العسكري الفرنسي، الذي كان اختفاؤه فتيلا لتلك الأحداث.

تكرر الأمر مرة أخرى سنة 1950، والسبب هذه المرة وصول أخبار إلى قيادة الجيش الفرنسي في الجزائر، مفادها أن «إرهابيين» جزائريين مطلوبين بتهمة قتل سياسيين ورجال أعمال فرنسيين في الجزائر، ووصلت إخباريات تفيد بأنهم يحتمون في المنطقة الشرقية تمهيدا للاختباء في المغرب، فتحركت وحدة من الجيش الفرنسي بحثا عنهم، ومن جديد تسببت في مجزرة كبيرة راح ضحيتها أزيد من 138 رجلا من سكان الواحات القريبة من الحدود، وهو ما جعل المقاومين في منطقة فگيگ ينتقمون بطريقتهم للشهداء، ويتم اغتيال شخصيات فرنسية في المنطقة، وهو ما اعتبر وقتها بداية للمقاومة المسلحة في فگيگ، التي نُسي مقاوموها تماما ولم تخلد أسماؤهم، رغم جسامة التضحيات التي قدموها في سبيل استقلال البلاد.

 

صفحات منسية من أرشيف «انتفاضات» مغربية ضد الاستعمار

«يقول محمد خير فارس عن دخول الشاوية إلى المعركة ضد الفرنسيين، في اليوم الأول للانتفاضة: «وكانت قبائل الشاوية قد هبت كلا، لإلقاء الفرنسيين في البحر وتحرير المدينة».

والحق أن ما رافق هذه الأحداث من أعمال السلب والسرقة ليس جديدا، فالتاريخ يشهد أن كل المعارك الحربية، عبر التاريخ، أعمال الشغب والسلب والقتل الفوضوي واختلال الانضباط. وغالبا ما تكون العناصر النشيطة في مثل هذه الأعمال غير المسؤولة، تحيا على هامش الحياة، مظلومة اجتماعيا، مقموعة سياسيا، مكبوتة نفسيا، فتتيح لها الفتنة الفرصة للانتقام وتحقيق الذات وإشباع الشهوات، فتنطلق بكل ما ترسب في أعماقها من حقد وكره وعجز، متجاوزة كل الحدود.

وقد كان أول أعمال السلطان المولى عبد الحفيظ، بعد مبايعته في مراكش، إرسال قوة عسكرية إلى الشاوية، نزلت بقصبة مديونة على بعد 20 كلم من الدار البيضاء، وبعث رسائل إلى بعض الدول يستنكر فيها احتلال فرنسا للدار البيضاء، ويدعوها إلى مساعدته من أجل إجلاء المحتلين عن المدينة.

فهل يعقل أن يؤيد سلطان جديد، وهو لا يزال في مرحلة الدعاية لسياسته خارجيا وداخليا، حركة فوضوية كل همها السلب والنهب والشغب ؟».

الكلام هنا للباحث المغربي أحمد زيادي الذي ألف مرجعا مهما للتوثيق لأحداث الشاوية سنة 1907، باعتبارها أعنف عملية عسكرية في المغرب على مر التاريخ، وواحدة من النقاط السوداء في التاريخ الاستعماري الفرنسي.

هذا الباحث تناول مراجع مهمة، منها شهادات ووثائق. والكلام أعلاه نقله عن محمد خير فارس، الذي أسهم بدوره في التوثيق لهذه الواقعة، نقلا للتاريخ الشفهي لشخصيات مغربية عاشت تلك الأحداث، أو نجت منها، لكي نكون أكثر دقة.

ماذا وقع إذن في تلك السنة «المأساوية»؟ لنتابع.

 

مجزرة «الشاوية».. وقائع أبكت صحافيين فرنسيين

في صيف سنة 1907، لم يجد الجيش الفرنسي صعوبة في إنزال المعدات الثقيلة قرب ميناء الدار البيضاء. من هناك انطلقت حملة عسكرية كبيرة في اتجاه الشاوية، حيث تطورت هذه الأحداث المنسية على مراحل. الوثائق الأرشيفية التي اشتغل عليها باحثون مغاربة، والتي تعود إلى فاتح غشت 1907، تعتبر اليوم آخر الأدلة على وجود انتهاكات في تلك الفترة، وتؤكد جرائم الجيش الفرنسي في المغرب.

البارجة الفرنسية «غاليلي» التي كانت تعتبر واحدة من أهم المنجزات العسكرية التي يفتخر بها الفرنسيون، رست في الدار البيضاء، لكن لم يكن بها عسكريون فقط، بل كان على متنها سياسيون أيضا، كانوا مشرفين على واحدة من أكثر عمليات الإبادة التي أرادت لها فرنسا أن تبقى سرية، لولا أن أخبارها سرعان ما انتشرت في كل مكان، رغم ضعف انتشار الصحافة وقتها.

استقبلت الباخرة استقبالا رسميا في الدار البيضاء، حيث أخبر الوفد القادم فيها من عسكريين وحكوميين، القنصل الفرنسي الرسمي في الدار البيضاء أن ينشر على الفور خبرا مفاده أن فرنسا سوف تضرب الدار البيضاء بالقنابل فورا، إذا لم تتحقق لهم الشروط التالية:

أن يتم إخلاء باب المرسى من طرف سكان الشاوية الذين تظاهروا في الدار البيضاء يومها، وأن يغادروا المدينة فورا وينسحبوا منها كليا، وأن يبتعدوا عن سكة الحديد ويتركوا لوحدات الجيش الفرنسي مسألة تأمينها.

لكن لا شيء من هذا وقع، إذ إن سكان منطقة الشاوية استمروا في تصعيدهم ضد فرنسا، وهو ما أدى إلى قصف الدار البيضاء في واحدة من أعنف عمليات القصف في إفريقيا، خلال القرن الماضي، ورغم أن فرنسا لم تستعمل أبدا الطائرات، إلا أن مدافع متطورة على متن الباخرة الفرنسية كانت كافية لكي تدك المدينة كلها في ساعات قليلة، بعد أن تم إخلاؤها من كل المواطنين الأجانب.

ما وقع أن فرنسا لم تكتف فقط بهد الدار البيضاء عن آخرها سنة 1907، بل واصلت خلال الأسابيع اللاحقة من شهر غشت عملية حملة تطهيرية حقيقية، قتل خلالها الآلاف. حتى أن وحدات الجيش الفرنسي كانت لديها تعليمات بعدم توثيق ما وقع، ورغم ذلك كان مرافقون عسكريون قد قاموا بدورهم، ومصورون عسكريون أيضا التقطوا صورا للجثث المتفحمة. إذ إن الجيش الفرنسي عمد إلى حرق خيام القرويين نواحي الشاوية وعبدة، واحتل منطقة الدار البيضاء وصولا إلى الجديدة، التي كانت وقتها تسمى «مازاكان»، وأحرق مساحات واسعة، ولم يستثن حتى خيام القرويين الذين استسلموا لفرنسا. بل لاحق القبائل التي كانت ما زالت تحمل السلاح واستعملت ضدهم مدافع ثقيلة، جعلت هزيمتها مسألة وقت فقط. والنتيجة كانت آلاف القتلى وآلاف الجثث المتفحمة لسكان المنطقة، وهو ما جعل صحافيين فرنسيين كانوا في البعثة العسكرية يجهشون بالبكاء، وهو ما أكده باحثون فرنسيون اشتغلوا على أرشيف القيادة العسكرية الفرنسية في الدار البيضاء سنة 1907، حيث أشارت التقارير إلى أن بعض قادة العملية العسكرية لم يبدوا أي تعاطف مع القرويين، واعتبروهم إرهابيين وجب استئصالهم، حتى لو تطلب الأمر قتل آلاف المدنيين الذين لم يكونوا يحملون أي سلاح في وجه فرنسا.

تعتبر اليوم هذه الأحداث ملحمة مقاومة حقيقية لقبائل الشاوية للاستعمار الفرنسي، رغم أنها تسببت في خسائر فادحة جدا في الأرواح، وقد دعا أكاديميون مغاربة أكثر من مرة الحكومة الفرنسية إلى الاعتذار على الأقل عما وقع، لكن لم تُسجل أي مبادرة في الموضوع، رغم أن تلك الأحداث لم تكن تقل بشاعة عما وقع في دول أخرى استعمرتها فرنسا، واعتذرت عنها لاحقا.

 

 

أحداث دجنبر 1952.. مئات القتلى بالرصاص الفرنسي والتهمة: التظاهر السلمي

هذه الأحداث كانت أكثر الوقائع إيلاما، إلى درجة أن سياسيين فرنسيين تعاطفوا مع المغاربة، خصوصا مع الطلبة المغاربة في باريس، وأصدر الاشتراكيون وقتها بيانا شديد اللهجة، يسائل حكومة بلادهم عن مسؤوليتها في ما يقع في المغرب.

كان نخبة الطلبة المغاربة وقتها يتابعون دراستهم في فرنسا، أو عادوا منها للتو، لكنهم حافظوا على علاقات مع سياسيين فرنسيين. وأشهر هؤلاء الطلبة كان عبد الرحيم بوعبيد، وامحمد بوستة، بالإضافة إلى عبد الرحمن اليوسفي وقبلهم عبد الله العروي وقائمة طويلة من الوطنيين المغاربة الذين كان لديهم وعي سياسي، مثل الدكتور الخطيب، ولعبوا دورا كبيرا في استقطاب رموز فرنسية للتعاطف مع القضية المغربية.

كانت أخبار ما وقع في الدار البيضاء تصل عن طريق صحف فرنسية لم تكن مناوئة لسياسة الإقامة العامة في الرباط، وهذه الصحف لعبت لاحقا دورا كبيرا في التعريف بما وقع يومي 7 و8 دجنبر من تلك السنة.

أحد الذين عاشوا هذه الأحداث من الداخل هو المختار الزنفري، وهو أحد قدماء شبيبة الحركة الوطنية، ومن بين الشباب الذين قادوا المظاهرات التي تزامنت مع اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد، فتم تجييش الشباب والمواطنين العاديين في الدار البيضاء للنزول إلى الشارع، احتجاجا على ما وقع في تونس، قبل أن تنقلب الأمور إلى الأسوأ وتأتي أوامر إطلاق الرصاص على المتظاهرين، رغم أنهم لم يكونوا يشكلون أي تهديد أبدا لعناصر الأمن الفرنسي، أو وحدات الجيش التي انتشرت مبكرا في الشوارع بالدار البيضاء.

يقول في حوار سابق مع «الأخبار»:

«كنت من المتحمسين لحزب الاستقلال وأحرص دائما رفقة مجموعة من الشباب دون سن العشرين، على أن نكون في طليعة من يجيشون السكان ويدعون إلى الخروج للاحتجاج ضد المستعمر. وهذا ما تم بالضبط يوم 7 دجنبر 1955، حيث خرجت المظاهرات من الكاريان سنطرال، بحكم أن أغلب السكان إن لم أقل كلهم كانوا من فئة العمال، وكانوا يكرهون فرنسا جدا، لأن المعمرين الفرنسيين تسببوا في نزوحهم من أراضيهم نحو الكاريان.. وطبعا اختيار الكاريان جاء بحكم انخفاض ثمن اقتناء «براكة» داخل الكاريان، إذ إن النازحين لم يكونوا يملكون ما يقتنون به منازل في الدار البيضاء، واستقروا في البراريك الصفيحية.

في ذلك اليوم أصدر عسكري فرنسي تابع للإقامة العامة، وكان وقتها يشرف على الأمن في الدار البيضاء، أوامر صارمة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين. وهنا أستحضر ذكريات مؤلمة جدا، لأن المتظاهرين سقطوا شهداء برصاص الفرنسيين وكانوا يتسابقون لتلقي الرصاص. كان أغلب الضحايا ذلك اليوم يتسابقون للاستشهاد، فقد كان إيمانهم راسخا. أثناء المظاهرة، كان الرصاص يمر بجانبي. كنتُ يافعا جدا ومتحمسا، وكنا جميعا نتقدم في المظاهرة، رغم أن القمع بالرصاص كان في تزايد. رأيت المئات يسقطون بالرصاص بعد أن يصابوا مباشرة في الرأس أو الصدر. كما أن عدد الجرحى كان كبيرا جدا. هناك من أصيبوا بجروح بالغة، لأن الرصاص أخطأ إصابتهم في مقتل، وجرحوا على مستوى البطن أو الفخذ، ونزفوا بشدة. لقد رأيت الموت بشكل جلي في ذلك اليوم.

المهم، انخرط الشبان في سحب جثث الموتى والجرحى أيضا، وهنا أريد أن أشير إلى الدور البطولي الذي لعبته بعض النساء داخل الكاريان، لقد كانت لديهن الشجاعة لتضميد جراح الجرحى، رغم أن تعليمات البوليس الفرنسي كانت صارمة وتوعدوا من خلال المقدمين والقياد، بعقاب كل من ضُبط وهو يساعد المصابين.

تم تطويق الكاريان سنطرال بشكل مرعب وصارم حتى لا يدخل إليه أحد. بقينا على تلك الحال طيلة المساء، واستمرينا في نقل جثث المصابين والشهداء إلى حدود الخامسة صباحا. تصور أن أغلب الشبان لم يناموا نهائيا في تلك الليلة، فقد كانت الأوامر لرجال البوليس تقضي بإطلاق النار وقتل كل من يتحرك في الشوارع والأزقة.

المهم أن تلك الليلة كانت تاريخية بكل المقاييس، وعاشها سكان الكاريان بكثير من الترقب. إذ كان داخل الكاريان مسجد تحول إلى مكان لإبعاد جثث الموتى عن الأنظار. قضينا نحن الشباب الليلة في نقل الجثث».

مئات الأبرياء سقطوا في ذلك اليوم بالرصاص، وحسب وثائق أرشيف البوليس الفرنسي في «كوميسارية» المعاريف، فإن عدد الضحايا غير معروف، لأن المواطنين أخفوا جثامين بعض الضحايا، مخافة أن يطال العقاب عائلاتهم، بالإضافة إلى أن عملية الدفن ومراسيم الإعداد للجنازة الكبيرة لفتها السرية، مخافة أن يتدخل البوليس الفرنسي من جديد لقمع المشاركين.

 

 

عندما أمر المستعمر بعدم دفن جثامين محاربي جبال الأطلس سنة 1914

عسكريون فرنسيون كتبوا أسماءهم بفخر كبير في تاريخ المؤسسة العسكرية الفرنسية، أبرز هؤلاء هم الجنرال داماد الذي قاد أكبر عملية عسكرية في الجنوب المغربي، وكانت مهمته إخضاع الأطلس لسلطة فرنسا، وإيصال العلم الفرنسي إلى حدود ورزازات. وهي المهمة التي كانت عسيرة للغاية، سيما أمام المقاومة المسلحة التي قادتها قبائل الأطلس المعروفة لدى الجيش الفرنسي، من خلال وثائق المخابرات والاستطلاعات التي أعدت سابقا عن المغرب قبل الحماية. إذ إن الجنرال «داماد» جاء إلى المغرب مشحونا بمضامين تلك التقارير السوداء، التي تصور سكان منطقة الأطلس على أنهم متوحشون. لذلك كانت تعليمات هذا الجنرال لضباطه ورؤساء الوحدات، تقتضي أن يتدخلوا بقوة، وأن يستعملوا كافة القوات من المشاة وحتى الطائرات الصغيرة لقصف القرى، وهو ما خلف خسائر كبيرة في الأرواح، رغم أن سكان الأطلس ومحاربي القبائل نواحي ورزازات استطاعوا بشجاعة كبيرة مواجهة جيش فرنسا بكل إمكاناته.

أحد الصحافيين الفرنسيين الذين وثقوا لهذه الأحداث، هو الصحافي «غوستاف بابين» والذي تعتبر مقالاته وتغطيته الصحافية، ثم كتابه عن الأطلس لاحقا، أحد أهم المراجع الفرنسية التي وثقت لجرائم الجيش، وكواليس تحالفات الجنرال داماد مع بعض القبائل ضد أخرى. وتحدث هذا الصحافي عن جنرال آخر اسمه الجنرال دوغان، قاد عمليات دموية بأوامر من الجنرال «داماد»، الذي كان يتقلد مسؤوليات حساسة جدا في الجيش الفرنسي داخل المغرب سنة 1914.

أول عملية أراد الجنرال دوغان تنفيذها، كانت هي مهاجمة قبائل تقع في الجهة الأخرى للأطلس. بينما كان التهامي الكلاوي يركز على كسر شوكة منافسيه، مرت عائلة «كلاوة» بامتحانات كثيرة، أولها الحرب الفرنسية ضد القبائل في الجنوب، واستعانت فيها بثلاث عائلات. إلى جانب عائلة الكلاوي، كانت هناك عائلتا «المتوكي» و«الكندافي»، وكلها تحالفت مع فرنسا لضرب قبائل الجنوب وتأديب الرافضين لإقامة ثكنات عسكرية فرنسية في الجنوب. كان هذا سنة 1912، وكان وقتها التهامي الكلاوي في ريعان شبابه، لكنه لم يكن قائدا للعمليات، ولم يكن الحليف الأول لفرنسا.

أما في سنة 1918، فقد كان هو رأس العائلة بعد أن فقدت ربانها السابق «المدني الكلاوي»، لذلك كان مستأثرا بالمشهد في علاقته بالجنرال دوغان. فقد كان مهما جدا الإحاطة بتفصيل مثير مضمونه أن التهامي الكلاوي أزال كل حلفاء فرنسا من طريقه، وحارب العائلات الكبيرة، حتى لا يكون هناك أي زعيم قبيلة في مستوى سلطات «الباشا التهامي» وتطلعاته.

كانت لدى التهامي الكلاوي مشكلة كبيرة، لكنها تبقى عائلية. فبعد وفاة سي المدني الكلاوي سنة 1918، برز ابن آخر في العائلة، نافس التهامي على القيادة. يتعلق الأمر هنا بحمو الكلاوي، هذا الأخير الذي ورث جينات سي المدني، وصلابة التهامي ذاته، أعلن نفسه في السنة ذاتها، عدوا لفرنسا واستعمل سلطاته بحكم أنه كان يترأس مجموعة من القبائل التابعة للعائلة، ليعلن الحرب ضد فرنسا، ويقود القبائل الموالية له في الجنوب، لشن ضربات على الجيش الفرنسي.

بعد التصعيد الذي وقع، جرت مواجهات في الجبال وعلى مشارف قرى الأطلس القريبة من «تولوات»، بين الجيش الفرنسي وحلفائه وبين القبائل الرافضة للاستعمار، والتي كان يقودها محاربون راكموا سنوات خبرة في المعارك، منذ أيام «السيبة»، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام جيش حديث لديه تجربة كبيرة، سيما بعد الحرب العالمية الأولى، وهكذا مُني مقاتلو الأطلس ببعض الهزائم، وخسروا آلاف الرجال. ولكي ينتقم منهم الجنرال داماد و«دوغان»، فقد أمرا الضباط الكبار بالسهر على ألا يُدفن المحاربون الذين سقطوا برصاص الجيش الفرنسي، حتى يكونوا عبرة لمقاتلي القبائل الأخرى التي كانت تناصب العداء لفرنسا. وبقيت جثامينهم ممددة لأيام، رغم حرارة الصيف، إلى أن جاءت التعليمات بالسماح للقبائل المهزومة بدفن المتوفين منهم في المعركة.

 

 

بوليس فرنسا انتقم لمقتل فرنسي في مراكش بإعدام المئات رميا بالرصاص

في الربع الأول من سنة 1955، أي ما بين يناير ومارس، سجل البوليس الفرنسي في الدار البيضاء وجود حالات تدافع ووفيات، أثناء توزيع المعونات على القرويين في نواحي مدينتي بني ملال وأزيلال، نجم عنه وفاة العشرات، قام الجنود الفرنسيون بدفنهم في حفرة، وهو ما خلف استياء في صفوف المقاومين فور علمهم بالحادث. وهكذا كان الرد من طرف خلية سرية في مدينة مراكش، قامت بقتل ثري فرنسي داخل سيارته، وهو ما خلق حالة من الهلع في الحي الذي كان يقطنه الفرنسيون.

وصل تقرير البوليس من مراكش إلى الدار البيضاء، في الساعة الخامسة مساء، وبدأت أولى التحريات لتلحق بتحريات أخرى بدون نتيجة. إذ كان صعبا الوصول إلى الفاعل الحقيقي، في وقت كانت خلايا سرية كثيرة تسعى إلى البطولة.

مصدر هذا الكلام، هو أرشيف المحاضر الفرنسية التي تعود إلى مؤسسة البوليس الفرنسي المركزية في الدار البيضاء. تُرجمت هذه المحاضر إلى العربية، ونشرتها المندوبية السامية لقدماء المقاومة لاحقا لتعميم الفائدة، إكراما لذكرى الشهداء المغاربة الذين راحوا في تلك الأحداث.

كان الشخص الذي قُتل في مراكش خلال شهر فبراير مسؤولا إداريا مرموقا، وكان مقتله ضربة للإدارة الفرنسية، خصوصا وأن التقارير تفيد بأن الحادث سُجل ضد مجهول، رغم مجهودات البوليس الفرنسي التي لم تكشف عن الفاعلين الحقيقيين.

فقد أدت التحريات وتشريح الجثة إلى التوصل للطريقة التي تمت بها تصفية رئيس الإدارات الحضرية في الإقامة العامة الفرنسية، وقال التقرير إنه تعرض لإطلاق رصاص كثيف وعشوائي من ناحية قريبة جدا، ومن عدة مسدسات مختلفة، وهو ما يكشف أن الفاعلين كانوا مجموعة، وليس فردا واحدا فقط.

كما أن سياسة اغتيال باعة الجرائد والسجائر والعاملين في الحانات، بقيت مستمرة. بل وتجاوزت الدار البيضاء لتصل إلى مدينة أكادير، ومراكش، والجديدة. وتقول تقارير الأمن الفرنسي إن الشهود أفادوا بأن الوطنيين المنتمين لحزب الاستقلال هم الذين كانوا يشجعون على قتل باعة السجائر، ويتهمونهم بأنهم يبيعون الدخان فقط للتغطية على نشاطهم الرئيسي، وهو نقل الأخبار والوشايات عن الوطنيين إلى رجال البوليس. وهو الأمر الذي لم يكن صحيحا دائما.

ما وقع أن فرنسا أرادت بتنسيق مع مصالحها في بني ملال ومراكش الانتقام، فكانت عملية اعتقال عشوائية في مراكش لعدد من المشتبه فيهم فاق عددهم 120 مغربيا، أعمارهم تتراوح بين العشرين والخمسين. ووجهت إليهم تهمة قتل المواطن الفرنسي في مراكش، والتربص بآخرين، لكن لم يجر اقتيادهم إلى أية «كوميسارية» تابعة للبوليس، بل بقوا معتقلين لساعات في الشارع، إلى أن حلت وحدة من الجيش، ونفذت فيهم بدون سابق إنذار حكما بالإعدام في واضحة النهار، وتركت جثامينهم ملقاة في الشارع، في مشهد مأساوي نتج عنه لاحقا تصعيد من طرف الخلايا السرية للمقاومة التي اغتالت بدورها فرنسيين في الدار البيضاء، ورجال أعمال فرنسيين في الرباط، وبعض المغاربة الذين اتهموا بالخيانة، ردا على ما بدر عن وحدة الجيش الفرنسي بمراكش.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى