
لدى عودتنا من الولايات المتحدة، استقبل جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، وزير الخارجية الراحل عبد اللطيف الفيلالي، ووزير الداخلية الراحل إدريس البصري، وأنا بصفتي مديرا عاما للأمن الوطني، في القصر الملكي بالصخيرات، لتقديم تقرير عن مجريات الاجتماعات.
طلب مني الملك الحسن الثاني التدخل لإبداء رأيي في لقاء هيوستن، اغتنمت الفرصة لأشير إلى تباين ردود الفعل بين قطاعات واسعة من الشعب، متأثرة فقط بالخطابات الإعلامية والضجة المثارة حول تحالف الجزائر والبوليساريو، واعتبرت أن الإعلام المساند للانفصاليين اعتبر لقاء هيوستن نصرا لهم.
سألني جلالة الملك عما يمكن أن يبدد مخاوف الشعب المغربي. فشددت على أن صوت جلالة الملك وحده، دون سواه، قادر على طمأنة المواطنين وتهدئة مخاوفهم. وأضفت أن مقابلة ملكية، منحت لممثلي الأقاليم الجنوبية، ستكون فرصة لتوجيه رسالة بهذا الشأن إلى الشعب المغربي.
وعلى إثر ذلك، أمر جلالة الملك الحسن الثاني وزير الداخلية بإدريس البصري، استدعاء وفد يمثل سكان الأقاليم الجنوبية (يتراوح عدده بين 200 و250 شخصا) لعقد لقاء موسع مع ساكنة الصحراء. ورغم أن الوفد وصل بالفعل إلى الرباط، إلا أنه لم يعرض على جلالة الملك بسبب تقاعس وزارة الداخلية وعدم اتخاذها الإجراءات اللازمة. وهكذا، دفنت “الخطة الأولى” سيئة السمعة لجيمس بيكر بفضل تدخلات جلالة الملك الحكيمة، وإصراره على تصحيح بعض الاختلالات الذي ارتبطت برحلة هيوستن.
فشلت خطة بيكر بسبب ضبابية مخرجاتها المختلفة وغياب التوافق، مما أدى إلى استقالة المبعوث الأممي جيمس بيكر لاحقا. وتمثلت أبرز محطات هذا الفشل في تعثر خطط التسوية واختلاف الرؤى حول مستقبل المنطقة.
كانت مهمة هيوستن المرحلة الأخيرة من مشاركتي “الرسمية” في قضية الصحراء المغربية. ويعود ذلك إلى مغادرتي لمنصبي من وزارة الداخلية لتولي منصب المدير العام للأمن الوطني، فضلا عن الثمن الذي دفعته مقابل شهادتي الصريحة والصادقة أمام جلالة الملك الحسن الثاني في القصر الملكي بالصخيرات، بخصوص لقاء هيوستن. وبرفضي لتصريحات وزير الداخلية، كنت أدرك تماما أن جرأتي لن تمر دون رد فعل. في الواقع، توقعت إقالة حتمية من وزير شاركت معه ثلاثين عاما من خدمة الوطن، لكنني تصرفت بدافع الوطنية، معتبرا أن إخفاء الحقيقة، ونحن في حضرة جلالة الملك، لا يعدو كونه تقصيرا لا يغتفر وانتهاكا للثقة المولوية، فالصمت ليس دوما حكمة خاصة أمام الملك.
قبل أن أختتم هذا الفصل، لا بد لي من العودة إلى علاقتي بالصحراء وجاذبيتها اللامتناهية، وأن أتوقف عند الكثير من الخلاصات والمكاسب التي تحققت.
بفضل التنمية التي عرفتها المنطقة، باتت الصحراء ذات امتدادها وروعة في مناظرها الطبيعية. أصبحت الصحراء الكبرى مألوفة لدي، بعد أن تجولت فيها من أقصاها إلى أقصاها، مكتشفا في كل مرة أعماقها، والتي ما كنت لأعرفها لولا توافر ومساعدة القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، الذين أجدد لهم هنا شكري وتقديري وامتناني لإتاحة الفرصة لي، بفضل سياراتهم الجيب ومروحياتهم، للسفر عبر البلاد برا والتأمل فيها من الجو.
هذه الصحراء، التي لم تكن يوما إلا مغربية، عادت إلى أحضان وطنها الأم، بفضل الله وبفضل الرؤية الثاقبة والإبداع الذي تحلى به الملوك العلويون، بدعم من شعب أبان خلال المسيرة الخضراء عن استعداده لتلبية نداء الوطن مهما كان الثمن.
المغرب اليوم في صحرائه، والصحراء في مغربها، هذا أمر يجب أن يفهمه خصوم وحدة أراضي المملكة، ويجب ألا ينساه رئيس الدولة التونسي، قيس سعيد. لقد أثارت مبادرته غير الموفقة باستقبال إبراهيم غالي، الملقب بابن بطوش، على أرض بلاده، بحفاوة بالغة، استياء عميقا لدى المغاربة وأغلبية التونسيين. يبدو أن الرئيس قيس سعيد يتجاهل أن الهوية المغربية للصحراء ضاربة في القدم، كما تشهد على ذلك الحقائق التاريخية التالية: ألم تنحدر من هذه الصحراء، غربها وشرقها، السلالات المغربية التي حكمت منذ القدم؟ ألم تكن هذه الصحراء هي الرباط الوثيق بين المغرب وإفريقيا؟





