حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مليلية الرحمة والملاذ

يسرا طارق

 

كانت إسبانيا، بالنسبة لي كطفلة من الريف، هي الألعاب والحلويات، وتلك الحرية النسبية التي يتعامل معنا بها الأهل حين نكون في مليلية، وذلك التفهم والتعامل اللبق، كأنهم، هم أيضاً، وبحدس ثاقب، يعرفون بأنهم خرجوا من ثقافة لا صوت للأطفال فيها، ولا رأي ولا اختيار، إلى ثقافة أخرى يدلل فيها الأطفال، ويحترمون، وتسمع فيها آراؤهم ويستجاب فيها لرغباتهم. كنت أريد الذهاب رفقة أمي إلى مليلية لأنها تكون أكثر فرحا ورحمة وانفتاحا، بل كنت أرى، وقد أتيح لها أن تتنزه بكل حرية، ضحكتها الرائقة. حين كبرت وعرفت الطريق إلى دار الشباب في أزغنغان، وفتح لي ولأقراني باب الموسيقى وورشات التمثيل والمسرح والتعبير الجسدي، وصرت أحضر لقاءات ثقافية، في إطار التبادل الثقافي، مع طلبة إسبان يدرسون الأدب أو الفنون أو السوسيولوجيا، بدأت أتعرف، شيئا فشيئا، على الثقافة الإسبانية، ويمكنني أن أقول، رغم أنني لست مختصة، إن عظمة إسبانيا تكمن في ثقافتها واحترامها للفن، واعتباره شأنا وجوديا يؤثر في جودة العيش والإقبال على الحياة.

الفن في إسبانيا ليس ترفا، ولا شأنا نخبويا، ولا صناعة يستأثر بها البعض ويحرم منها العموم، بل هو قضية وطنية، والشعب الإسباني شعب يبجل الفرح، يغني ويرقص في الشوارع، ولكل  قرية، تقريبا، كرنفال يشارك  فيه الجميع، وأينما ذهبت هناك مسارح ومتاحف. ارتكزت الجاذبية السياحية التي بنتها إسبانيا، بالأساس، على السياحة الثقافية، فحين تبين، مثلا، للمسؤولين، بأن إقليم الباسك ميت من حيث الإقبال السياحي، أنشؤوا متحف بلباو الكبير الذي صار يجذب ملايين السياح.

ثمنت إسبانيا مآثرها التاريخية، وصانت تراثها واحتفت بأعلامها، فحيثما ذهبت تجد متاحف وتماثيل تذكر بهم، إسبانيا هذه كان يصلنا في أزغنغان بعض النسيم من حدائقها الثقافية، بل إنها شكلت لنا الملاذ لنقدم إبداعاتنا. كنا نتدرب على التعبير الجسدي، من خلال لوحات فنية تمزج بين الرقص الريفي والإسباني. ولم نكن نجد أين نعرض لوحاتنا إلا في سينما الريف بالناظور أو في مسارح الهواء الطلق بمليلية، كساحة الثقافات الأربع.

بقي أن أشير إلى أن الاستعمار الإسباني ترك بعض دور السينما بطرازات معمارية فريدة، غير أنها هدمت تدريجيا، تركت خرابا أو حولت إلى عمارات أو محلات تجارية. لم تنشئ إسبانيا مراكز ثقافية في الريف، كما فعلت فرنسا في المدن الكبرى المغربية، لكنها، وبحكم القرب من مليلية المحتلة، بقيت فاعلة في النسيج الثقافي المحلي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى