الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

 من التاريخ إلى التاريخ الثقافي

اتّخذ التاريخ الثقافي لنفسه، باعتباره فرعا من فروع التاريخ، مسارا مختلفا بجعله للثقافة موضوعا له مركّزا اهتمامه على ظواهر معينة ومراحل فاصلة في دراسته وتحليله مبتعدا قدر الإمكان عن الاستغراق في التفاصيل خشية الوقوع في التشتت والبعثرة، أو على حدّ قول أحد مؤسسي التاريخ الثقافي الهولندي يوهان هويزنغا: «الارتفاع فوق الصغائر إلى الإمساك بالخيوط الرئيسية والخطوط العريضة للظواهر الثقافية المتتابعة، أو النظر إليها نظرة كلية، تشبه نظرة الطائر إلى الغابة». وبالتوازي مع ذلك، انخرط المهتمون بالتاريخ الثقافي في معالجة شتى القضايا والظواهر المدروسة اعتمادا على مناهج مرتبطة بعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي وأساليب البحث الأنثربولوجي.

مقالات ذات صلة

 إعداد وتقديم: سعيد الباز

ألبرتو مانغويل.. تاريخ القراءة

اهتمّ الكاتب الأرجنتيني الكندي ألبرتو مانغويل Alberto Manguel بتاريخ القراءة وخصص له كتبا كثيرة، من أهمها كتاب «تاريخ القراءة» الذي تضمن لوحات فنية وصورا تدور كلها حول موضوع القراءة مع تعليقات للكاتب. إضافة إلى ذلك يورد الكاتب حكايات ونوادر وطرائف عن القراءة عبر التاريخ لأكثر الأدباء والفلاسفة المشهورين بحبهم للقراءة والكتب، دون أن يغفل تجاربه الشخصية، كما هو الحال حكايته، لما كان طالبا مع الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس: «… في عصر أحد الأيام جاء إلى المكتبة خورخي لويس بورخيس بصحبة والدته البالغة من العمر ستا وثمانين سنة. وعلى الرغم من أنّه كان مشهورا، إلّا أنني لم أكن قد قرأت إلّا القليل من أشعاره وقصصه التي لم تنل إعجابي بصورة خاصة. وعلى الرغم من أنّه كان قد فقد نظره تماما، فإنّه كان يرفض استخدام عصا يرتكز عليها، بل كان يتلمس ظهر الكتب الموجودة على الرفوف كما لو أنّه يستطيع قراءة العناوين بأنامله. كان بورخيس يبحث عن كتب تعينه على تعلم اللغة الأنغلوسكسونية، آخر ما كان يتشوق إلى تعلمه. وكنا قد طلبنا له (قاموس أصل الكلمات) لمؤلفه «سكيت» ونسخة مزودة بشروح وتعليقات من كتاب (معركة مالدون). فجأة نفد صبر والدته: «خورخه»، قالت «لا أفهم لماذا تهدر وقتك بتعلم الإنكليزية القديمة، بدل تعلّم ما يفيدك مثل اللاتينية أو اليونانية».

في نهاية الجولة توجّه إليّ يسألني عن مختلف الكتب التي كان يريدها. وكان أن عثرت على بعضها وسجلتُ الكتب الأخرى التي كان يريدها. وعندما كان يهمّ بالمغادرة سألني إن كنتُ مشغولا في المساء، لأنّه كان يبحثُ عمّن يقرأ عليه (قال ذلك بشعور كبير بالذنب) نظرا لأنّ والدته كانت في الآونة الأخيرة تُصاب من جراء القراءة بالإعياء بسرعة. وعدته بتلبية طلبه.

خلال العامين التاليين لتلك الزيارة كنتُ أقرأ على بورخيس، مثل العديد من معارفه الذين لازمهم الحظ أو نالوا بالصدفة هذه المحظية. غالبا كنتُ أقرأ عليه في المساء، عندما كان الدوام المدرسي يسمح بذلك، وأحيانا في الصباح أيضا. كان كل شيء يجري وفق طقوس وعادات: كنتُ أبغض المصعد الكهربائي فأرتقي السلم صعودا إلى الشقة (نفس السلم الذي ارتقاه بورخيس في إحدى المرات وبيده نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة كان قد اشتراها لتوه، حيث غفل عن إحدى النوافذ المفتوحة وأُصيب بجرح بالغ سرعان ما التهب تلاه هذيان الحمّى فظنّ أنّه سيُصاب بالجنون). وبمجرد وصولي إلى الشقة كنتُ أقرع الجرس، فتفتح لي الخادمة وترافقني عبر ستارة إلى داخل غرفة الجلوس الصغيرة. كان بورخيس يطلّ عليّ ويحييني ويناولني يده الناعمة. ودون أيّة مقدمات أخرى كان يجلس منتظرا على الأريكة، أمّا أنا فكنتُ أجلس على الكرسي ذي المسندين، حيث كان يقترح عليّ بصوت متهدج يشير إلى الإصابة قليلا بالربو، مادة القراءة لذلك المساء. «هل نختار كيبلينغ هذا المساء؟». بالطبع لم يكن ينتظر منّي أيّ جواب».

 

من الشاي إلى الأتاي.. العادة والتاريخ

تعتبر دراسة «من الشاي إلى الأتاي.. العادة والتاريخ» للمؤلفين عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي من أبرز ما كُتب في التاريخ الثقافي في موضوع الشاي المغربي وتطوره التاريخي وما اكتسبه من عادات وطقوس خاصة به:

«ساهم الشاي في توحيد السوق المغربية عن طريق توحيد الذوق. وشكّل «إدمان» الشاي أحد عوامل التبعية الغذائية، وأحد فصول تاريخ النشوة. ووفّر الشاي للمغاربة، داخل بنية التفاوت والمحاكاة، لغة تواصل رافقت التحولات التي جاء بها مدّ الاستعمار المعاصر. غير أنّه من الواضح أننا تبنينا نظرة تخطيطية تترك المجال مفتوحا أمام ما قد تفيد به دراسات محدودة في الزمان والمكان. فالوظائف التي نسبناها للمشروب الوطني لم تنجز بشكل متزامن، كما أنّ انعكاساتها الملموسة اختلفت بحسب المناطق والفئات الاجتماعية. ويذكرنا التطور العام الذي مرّ به إرساء عادة الشاي بالمغرب، بالتمييز الذي وضعته الأبحاث في تاريخ المنبهات، بين مرحلتين: مرحلة «بطولية» تتميز بالدعوة إلى الجديد وخرق الأعراف، ومرحلة «اعتيادية» ينتقل فيها المنبه الجديد إلى مستوى العادة المألوفة التي تقبلها الجميع. ففي أوروبا غالبا ما اقترنت المرحلة الأولى بالفضاء العمومي، والثانية بالفضاء العائلي. فقد دام استهلاك القهوة في ألمانيا، مثلا، زهاء قرن كامل في فضاء المقهى قبل أن ينتقل هذا المشروب الجديد إلى فضاء البيت.

وفي جنوب حوض البحر المتوسط، ابتكر الشرق العربي ظاهرة المقهى كفضاء عمومي ارتبط في البداية باستهلاك القهوة. وتنتمي ظاهرة المقهى إلى الحياة اليومية، وتكتسي في آن واحد أبعادا اجتماعية وسياسية. فالمقهى مجال للتواصل الاجتماعي، يرتاده البعض لمجرد إمضاء وقت الفراغ، ولعب الورق، والثرثرة والهذر، ويرتاده أيضا الفنانون والشعراء الجدد. وقد احتفظت المصادر بأصداء مضايقة الحاكمين للمقاهي وإغلاقها أحيانا بسبب ما تتيحه من تداول الأخبار وتبادل الرأي.

وهكذا اكتملت وظائف المقهى في المجال العربي العثماني قبل أن تنتقل إلى المجال الأوروبي. ففي إنكلترا فتح اليهودي اللبناني يعقوب أوّل مقهى في أكسفورد سنة 1650، ثم أعقبه آخر بكامبريدج، وغزا الطلاب هذا المجال الجديد للثرثرة وقراءة الصحف. وبعد سنوات قليلة، فُتح أول مقهى بلندن، وفي باريس أسس إيطالي سنة 1686 مقهى «بروكوب» الذي حافظ منذئذ على سمعة راسخة. وكان الرواد يتناولون في هذه المقاهي القهوة والشاي والشوكولاط، وكلها مشروبات جديدة، وهي أيضا غير مسكرة في مجتمعات لم تكن تعرف آنذاك سوى الحانات. وقد تبنت الطبقة الراقية استهلاك تلك المشروبات في فضاء عمومي، وهو ما أتاح للنساء «المحترمات»، ولأول مرة أن يختلطن بمجتمع الرجال دون حرج. ثم كان ظهور «قاعات الشاي» في وقت لاحق.

تبنت أوروبا ظاهرة المقهى، بعدما تبناها المجال العربي العثماني، بينما توقف انتشار المقهى عند حدود المغرب الأقصى. والملاحظ أنّ هذا البلد تميز عبر تاريخه برفض اتّخاذ فضاء المعاشرة القائم على تناول الشراب، بحيث ظلت مجالات اللقاء منحصرة في السوق والحمام والمسجد والزاوية… وبعدما تسرب الشاي إلى المجتمع المغربي، فإنه عاش كلتا المرحلتين، «البطولية» و«الاعتيادية» داخل الفضاء الخصوصي، دون أن يكون البيت في البداية مرادفا للبيئة العائلية. وهكذا فإنّ اقتران «الأتاي» بقيم العائلة والضيافة هو في الواقع ثمرة لتطورات معقدة داخل حيز زمني قصير».

امتدادات ص50

 

توم لوتز.. تاريخ البكاء

 

تفرّد الكاتب والناقد الأدبي الأمريكي توم لوتز Tom Lutz بكتابه «تاريخ البكاء.. تاريخ الدموع الطبيعي الثقافي»، حيث تطرق إلى هذا الموضوع الغريب من وجهة نظر أنثربولوجية وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي محللا التاريخ الثقافي لظاهرة البكاء:

«… في محادثة حول رواية ألبير كامو «الغريب»، أخبرتني طالبة أنّها لم تبك، ولا أخوها أيضا. قالت: «حسنا، ربّما بكينا عندما كنّا صغيرين جدا»، لكن لم يتذكر أيّ منهما أنّه بكى في الأعوام الخمسة عشر الماضية، وكانا لهذا السبب قلقين من حضور جنازة جدتهما، وخائفين من أنّهما إذا لم يبكيا هناك فسيوصفان بالقسوة واللامبالاة. وعلى الرغم من أنهما كانا يشعران بالحرج معا طوال الوقت بسبب عدم بكائهما، إلّا أن المرأة استُهجنت بسبب ذلك، ووُصفت بأنّها «باردة الدم» و«متحجرة القلب»، بينما هُنّئ أخوها على قدرته على «ضبط النفس»، وما بعث على ارتياحها أنّها تمكنت في نهاية المطاف من البكاء في الجنازة، ولكنّها ظلت تشعر بأنّها مُزدراة بشكل ظالم من ثقافة لم تتردّد في انتقادها بسبب افتقارها إلى دموع جاهزة حسب الطلب.

إنّ المعاني التي تُضفى على الدموع، في كلّ مجتمع وفي كلّ عصر، تعتمد دائما على عمر وجنس الذين يبكون. في تجربة شهيرة قام بها جون وساندرا كوندري، عُرض على مجموعتين (تتكون كل منهما من 50 في المائة من الذكور و50 في المائة من الإناث)، شريط فيديو عن رضيع ينفجر بكاء بعد فرقعة مفاجئة، وأُخبرت أولى المجموعتين بأنّ الطفل في الفيديو كان بنتا، وأُخبرت الأخرى بأنه ولد، وقد افترض معظم المشاركين (من كلا الجنسين) أنّ البنت بكت خوفا، وأنّ الولد بكى غضبا، وهناك تجارب مماثلة تكررت فيها هذه النتائج، إذ يعني البكاء نفسه شيئا إذا صدر عن أنثى، ويعني شيئا آخر إذا صدر عن ذكر.

لقد درس علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيون جميعا حالات مشابهة من مثل هذه الاختلافات، ولاحظوا أنّها تختلف باختلاف الزمان والمكان، كما أدركوا أن الدموع تبدو كأنّها ناجمة عن طقوس محددة، إذ بدلا من أن تكون الجنائز وحفلات الزفاف أمكنة يكون فيها المشاركون عرضة للبكاء، نظرا لانفعالاتهم الشديدة، بدا كأنّ الطقوس نفسها هي التي تؤدي إلى إفراز الدموع فعليا. وفي هذا الصدد ذكرت ماري إديث دورهام، وهي عالمة أنثروبولوجيا درست ثقافة «الجبل الأسود» في الجزء الأول من القرن العشرين، أنّ من بين الذين يأتون إلى الجنازات كان الرجال هم الذين يبكون أساسا، وأنّه كان من المتوقع أن يبكوا حتى إذا لم يكونوا على صلة بالمتوفى: «لم يكن الرجال يعرفون اسم الولد المسكين، وكان لابد من إخبارهم بالتفاصيل قبل أن يبدؤوا العويل، وفي غضون دقيقة أو دقيقتين صاروا ينتحبون بمرارة. وعندما قفل الناس عائدين من الجنازة صاروا يقارنون بينهم ويتحدثون عمّن بكى بشكل أفضل».

… عند النظر إلى مثل هذه التقارير الأنثربولوجية تظهر عدة أشياء. أحدها أنّ الدموع لا يمكن فهمها دون مراعاة متطلبات الانهمام الانفعالي الملقاة على عاتق الرجال والنساء، ذلك أنّ رجال الجبل الأسود يبكون عند وفاة قرويّ لا يعرفونه لا لأنّهم حسّاسون بشكل خاص، بل لأنّ مسؤوليتهم الاجتماعية تتطلب القيام بذلك. والسبب الآخر هو الافتراضات الثقافية المسبقة التي يأخذ بها الباحثون يمكن أن تقيّد فهمهم، وهي عادة ما تقيدهم».

 

غريتشن هندرسن.. التاريخ الثقافي للقباحة

 

تطرح الكاتبة والأكاديمية الأمريكية غريتشن. إي. هندرسن Gretchen E. Henderson، التي تكتب في مجال التاريخ الاجتماعي والثقافي وأهم تمثلاته في الأدب والإبداع الفني، خلال الفصول الثلاثة للكتاب، أسئلة قوية مثل هل القبح ضد الجمال؟ وهل القبيح ليس جميلا؟ وكيف يتأتى لنا تمييز القبيح عن الجميل؟ وكيف تعاملت المجتمعات مع ظاهرة القبح؟:

«… «التاريخ الثقافي للقباحة» ينطلق لإعادة إحياء لحظات ثقافية مختلفة تكشف عن تغيّر مفاهيم «القباحة». عوضا عن حشر مضامين المفردة في تعريف وحيد فضفاض، أهدفُ إلى التنقيب عن مترادفات «القبيح» عبر التاريخ لإحياء وإغناء الجذور الإيتمولوجية للكلمة: ما نخافه أو نخشاه. بما أنّ الكثير من المخاوف تعكس ما يدور في أعماقنا مثل كوابيس الأطفال وتبدو خطيرة بسبب ما نجهله أو ما نفهمه بشكل خاطئ، هذه الفرصة المتاحة للقباحة تأخذ بحسبانها الجينالوجيا الطويلة لمترادفات الكلمة، وكذلك «جماليات الشكّ» الحديثة تجاه كلّ من القباحة والجمال. «لا يمكننا أن نعتبر الجمال بريئا»، تكتب الفيلسوفة كاثلين ماري هيغنز، عندما «يترافق بهاء السحابة النوويّة الرهيب مع الشرّ الأخلاقيّ، وعندما تدفع الملابس المبهرجة الجميلة والمجوهرات المراهقين إلى ارتكاب جريمة قتل». الاستحواذات الحديثة تدفع القباحة إلى حقول جديدة، وتتعامل مع موضوعها بمصطلحات إيجابية أكثر منها سلبية، وحيادية، بل وحتّى هامشية. «غاليريهات» الفنون من لندن إلى نيويورك تستضيف معارض للقباحة، الأطفال يحتضنون الدمى القبيحة، ويقام في إيطاليا مهرجان سنويّ يحتفي بالقباحة من خلال (حفلة القباحة). ما يزال المفهوم مشتقا من جذوره المخيفة، لكن تلك الاستحواذات تساعدنا على إعادة استعراض العالم من خلال وجهات نظر متبدّلة، بما في ذلك مفهوم الأشياء القبيحة، وبالتالي يتوضّح وجود واحتمال كلّ ممّا نخافه وما يجب ألّا نخافه على الإطلاق.

إن اتّبعنا رأي أرسطو أو ألبيرتي بأنّ الجميل يتضمّن التجانس في مجمله (إحساس بالشكل المثاليّ مع حدود واضحة قطعية تفصل بينه وبين العالم)، عندها ستحمل القباحة ومرادفاتها شيئا ما أكثر غموضا وأقلّ تجانسا، زائدا أو في حالة خراب. المشوّه، الغروتسكيّ Grotesoue، الوحشيّ، المنحط، غير المتناظر، الأعوج، البهيمي، المسخ، الناشز، غير المتناسق، المعاق، الهجين: قائمة طويلة من المفردات المترابطة التي رافقت تطور «القبيح»، انبثقت وازدهرت في مصطلحات وحقب وثقافات مختلفة وتُركت لعين من يراها. المبتذل، السوقي، المتداعي، الخسيس، التالف، عديم الشكل… أين يجب أن تنتهي القائمة؟

… «لم أسمع أبدا بالتقبيح !» صرخ «الغريفن» في مغامرات «أليس في بلاد العجائب»، «لكنّك تعرفين ما هو التجميل، كما أفترض؟» هذا السؤال جدليّ شائن. «اسأل علجوما ما هو الجمال» كتب فولتير «وسيجيبك بأنّه أنثاه، بعينيها المدوّرتين الكبيرتين الجاحظتين من رأسها الصغير». أومبرطو إيكو، الذي لم يستطع توصيف القباحة كمّيا، كتب: «الجمال، على نحو ما، مملّ. رغم أنّ مفهومه يتبدّل عبر العصور، لكن على الشيء الجميل دائما أن يتبع قواعد معيّنة… القباحة غير متوقعة وتقدّم مجالا لا نهائيا من الاحتمالات. الجمال محدود، أمّا القباحة فلا نهائية».

 

 

محمد موفاكو الأرناؤوط..

من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي

 

 

محمد موفاكو أرناؤوط، مؤرخ سوري ذو أصول من كوسوفو، اهتم بتاريخ بلاد الشام والبلقان خلال الحكم العثماني والعلاقات العربية- البلقانية، من أبرز كتاباته «التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي»:

«يمكن القول إنّ وصول القهوة البنية إلى جنوب بلاد الشام، وبروز المقاهي لأول مرة، كان من الأحداث المهمة في التاريخ الحضاري للمنطقة. فقد أدّى انقسام الفقهاء والشعراء حول القهوة إلى بروز نتاج مثير فقهيّ وشعريّ يمثّل الطرفين المختلفين، أي الطرف الذي يحلّل القهوة ويمتدحها والطرف الآخر الذي يحرّم القهوة ويحمل عليها. ومن ناحية أخرى فقد أدى انتشار القهوة في هذه المنطقة إلى بروز «بيوت القهوة»، أو «المقاهي» كما ستُعرف لاحقا، التي تحوّلت مع الزمن إلى مراكز ثقافية واجتماعية بعد أن أصبحت تشدّ الأفراد لتقضية أوقات الفراغ وممارسة بعض الألعاب (النرد والشطرنج)، وتجذب الفقهاء والشعراء، وتجمع هواة الغناء والموسيقى والمسرح أيضا. ويهدف هنا هذا البحث إلى التعرف على البدايات الأولى لانتشار القهوة والمقاهي في بلاد الشام الجنوبية خلال القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر.

لقد تصادف وصول القهوة البنيّة إلى جنوب بلاد الشام من الحجاز واليمن مع التغيّر السياسي الذي حصل في المنطقة (سقوط الدولة المملوكية وبروز الدولة العثمانية)، ولم تلبث أن أثارت مواجهة عنيفة استمرت حوالي قرن من الزمن بين المؤيدين والمعارضين لهذا المشروب الجديد وما نشأ عنه من تقاليد في المجتمع (ارتياد المقاهي). وربما كان من سوء حظ هذا المشروب الجديد أن أطلق عليه اسم «القهوة» التي كانت من أسماء الخمر عند العرب، ولأجل ذلك كان يحدث التباس بين القهوتين لدى الباحثين في التاريخ الحضاري للمنطقة حين يذكرون أنّ القهوة معروفة في بلاد الشام منذ العصر الأموي أو العباسي. وفي الحقيقة لقد حرص المؤرخون المعاصرون في بلاد الشام على التمييز بين القهوتين إذ أطلقوا على الجديدة «قهوة البن» أو «القهوة البنية» أو «القهوة المتخذة من البن» لتمييزها عن القهوة القديمة (الخمرة).

وفي ما يتعلق بوصول وانتشار القهوة في المنطقة نجد أنّ الروايات المختلفة تربط ذلك بعدة أشخاص… ويلاحظ هنا على الرغم من اختلاف الأشخاص أنّ ما يجمع بينهم وجودهم في وقت متقارب وانتسابهم إلى إحدى الطرق الصوفية، وبالتحديد إلى الطريقة الشاذلية. وفي الحقيقة لم يعد هناك من شك في أنّ انتشار القهوة سواء في مصر أو الشام، حسب هذه الرواية أو تلك، قد جرى في وقت متقارب (نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر) بواسطة الصوفيين. وفي الحقيقة إنّ الصلة بين القهوة ورجال التصوف تبرز سواء حين يتعلق الأمر ببلد المنشأ (أثيوبيا أو اليمن) أو في البلدان التي انتشرت فيها (مصر والشام)، إذ أن القهوة كانت مناسبة للصوفيين للقيام بشعائرهم المختلفة. وهذه الصلة بين القهوة والطرق الصوفية، وخاصة الطريقة الشاذلية، أصبحت وطيدة إلى حدّ أنّ اسم القهوة أو شرب القهوة أصبح يرتبط بشكل وثيق بالشاذلي نفسه.

… وفي ما يتعلق ببلاد الشام نجد أن المؤرخ الدمشقي المعاصر لانتشار القهوة نجم الدين الغزي. .. يعزز الرواية القائلة بدور أبي بكر الشاذلي في اكتشاف القهوة ببلاد اليمن قائلا: (مرّ في سياحته بشجر البن على عادة الصالحين فاقتات من ثمره حين رآه متروكا مع كثرته فوجد فيه تخفيفا للدماغ واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة فاتخذه قوتا وطعاما وشرابا وأرشد أتباعه إلى ذلك. ثم انتشرت القهوة في اليمن ثم إلى بلاد الحجاز ثم إلى الشام ومصر)».

 

جاك كيلي..

البارود.. تاريخ المادة المتفجّرة

 

 

 

يستعرض المؤرخ الأمريكي جاك كيلي Jack Kelly، في كتابه «البارود.. تاريخ المادة المتفجّرة التي غيّرت العالم»، مراحل تطور مادة البارود من سلاح فتّاك غيّر وجه التاريخ إلى أداة للاحتفال والتعبير عن الفرحة والبهجة:

«. .. المادة التي أصبحت تُعرف بالبارود لم يتم اختراعها من أجل المدفع، وقبل بدايته لم يكن أحد قد تصور وجود آلة تطلق المقذوفات بدفعٍ من طاقة كيميائية. وقد أنتج أناس أدوات لاستخدام هذه المادة الجديدة فقط بعد أن برزت من خلال تأمل الكيميائيين المذهل. ولم يسفر البارود عن خصائصه وإمكاناته إلّا بعد قرون من التجربة والخطأ. ولم تكن هناك نظرية معقولة ترشد مخترعي البارود، والأكثر من ذلك أنّه خلال التسعمائة عام، عندما شاع استخدام البارود، أي خلال القرن منذ بطل استعماله في معظم المجالات، لم توجد أية تركيبة من عناصر طبيعية يمكن أن تحدث آثارا مطابقة له. لقد كان البارود شيئا متفردا.

وفي وقت مبكر من تاريخ البارود وصف بأنّه «قُطارة الشيطان» ذلك لأن مشاهديه كان يصيبهم الفزع من وميضه وهديره، وكان صنّاعه مبالغين في الكتمان ويعلو السواد أجسادهم. كما كانوا متهورين ويعتبر عملهم الغامض عرضة لحوادث كارثية. وكان حجر كبريت العمود الحارق، وهو أحد مكونات البارود، ينسب دائما إلى إبليس. واعتبر البارود لغزا شيطانيا يتوهّج توهجا وحشيا وجهنميا بمجرد إشعاله، تاركا وراءه رائحة الكبريت النفاذة وغيمة من الدخان.

وقد ظل البارود لمعظم حقبة ألف عام متفجرة الجنس البشري الوحيد، وكان واحدة من التقنيات الكيميائية القليلة التي برزت من العصور الوسطى وكانت آثاره خطيرة. وفي القرن السابع عشر تحدث فرانسيس بيكون عن تلك «الأشياء الثلاثة التي لم تكن معروفة للقدماء، والتي رغم حداثتها، ظل أصلها غامضا ومغمورا وهي الطباعة والبارود والمغناطيس، وهذه الأمور الثلاثة غيّرت تماما وجه الأشياء وحالتها في جميع أنحاء العالم». وفي الحقيقة كان أصل البارود من دون شك حافزا للعالم الحديث باعتباره الاختراع الذي أحدث شقا فاضت بعده أنهار التاريخ في اتجاه جديد.

واليوم يعتبر البارود مفارقة تاريخية، إذ إن صنّاعه الذين يقومون بتشغيل العدد القليل المتبقي من الطواحين، ما زالوا يستخدمون الطرق القديمة التي تعود إلى عدة قرون، ولم يكن أسلوبهم في عمل البارود سرا بالنسبة لحرفيي الأعوام الثلاثمائة من الألفية الثانية. والجدير بالملاحظة أنّ التقنية التي وصلت إلى الغرب في زمن (دانتي) كانت لا تزال تؤدي خدمة ثمينة في زمن هنري فورد، كما أن المادة التي كانت تزوّد السهام النارية والمفرقعات النارية في عصر جنكيزخان قُدّر لها أن تفعل نفس الشيء خلال العصر الحاسب الكمّي.

ويتناول هذا الكتاب التقنية الأصلية عن البارود، الذي نتج عن المزج الميكانيكي للمكونات الموجودة بشكل طبيعي. وخلال الجزء الأخير من عام 1800، أُلغيت هذه المادة القديمة بواسطة أنواع من الوقود الدافع والمتفجرات الاصطناعية المستخرجة في المختبر الكيميائي. وأصبح البارود الأصلي معروفا باسم «المسحوق الأسود»… وظلّ الاستخدام الأساسي للبارود هو صناعة الألعاب النارية. إنّ عبوة من البارود تدفع قذائف من الصواريخ النارية إلى أعلى، كما أن فتيل المفرقعة يصدر هسيسا نحو الغلاف الخارجي أثناء طيرانه. وتفجر عبوة أخرى القنبلة لكي تطلق شذرات مشتعلة يخلق وهجها الغني بالألوان تلك الأشكال الرائعة، أمّا الدخان الذي ينساق نحو الجمهور، فإنّ رائحته هي نفسها رائحة الدخان الذي كان ينطلق عبر الصين القديمة، والذي أشبع أعدادا لا حصر لها من ميادين القتال، والذي تسرب من مناجم الفحم، ذلك هو دخان التاريخ الموجع والمثير للذكريات. إنّ الوظيفة التي انتهى إليها البارود هي نفس الوظيفة التي بدأ بها. وقبل قاذفات اللهب والقنابل والمدافع، التي ملأت العالم بما تحتويه من رعب، كان البارود أداة البهجة وباعث الروعة».

 

ميشيل فوكو..

تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي

 

 

… وسفينة الحمقى، من بين الأساطيل الروائية أو الهجائية، هي التي كان لها وجود حقيقي. فالسفن التي كانت تنقل حمولتها الجنونية من مدينة إلى أخرى وجدت حقا. ولهذا، فإنّ الحمقى كانوا يعيشون حياة التيه. لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلتحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم، هذا في الحالة التي لا يشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة خاصة في ألمانيا. فقد تمّ في نورينبورغ، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، إحصاء 62 مجنونا، 31 منهم تمّ طردهم من المدينة. وفي النصف الثاني من هذا القرن، تمّ تسجيل 21 حالة رحيل قسري، والأمر لا يتعلّق سوى بالمجانين الذين تمّ إحصاؤهم من طرف السلطات البلدية. وقد يحدث أن يُعهد بهم إلى بعض العاملين في السفن: ففي فرانكفورت في 1399 كان يُكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عاريا في شوارعها. وفي السنوات الأولى في القرن الخامس عشر تمّ التخلّص من أحمق مجرم بنفس الطريقة، وأرسل إلى مايانس. وأحيانا كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول، والشاهد على ذلك حالة الحدّاد المنحدر من فرانكفورت الذي ذهب مرتين وعاد مرتين قبل أن يُطرد نهائيا من المدينة إلى كريزناش. وكثيرا ما شهدت أوروبا تلك السفن وهي تعبر الأنهار، وعلى ظهرها عدد كبير من الحمقى.

وليس من السهل تحديد المعنى الدقيق لهذا الإجراء. قد يعتقد البعض أنّ الأمر يتعلّق بإجراء عام للطرد تقوم به السلطات البلدية تجاه هؤلاء الحمقى المتشردين. ولكنّها فرضية لا يمكن أن تفسّر وحدها مجمل الوقائع المرتبطة بهذه الظاهرة، ذلك أنّه حدث لبعض الحمقى أن أُدخلوا المستشفيات وعُولجوا قبل أن يُشرع في بناء المنازل الخاصة بهم. ففي مستشفى ديو في باريس كان لهم فراشهم وعنبر خاص بهم. زد على ذلك أنّ المجانين في أوروبا بأكملها كان لهم في القرون الوسطى وعصر النهضة مكان للحجز خاص بالذين يشكون من خلل في العقل، وكمثال على ذلك شالي مولون Chalet de Melun أو البرج الشهير الخاص بالحمقى في مدينة كان. وهي أيضا ما تمثله «بوابات الحمقى» المنتشرة في ألمانيا مثل بوابة لوبيك أو جانغفر هامبورغ.

والخلاصة أنّ الحمقى لم يكونوا يطردون باستمرار. ونفترض أن الطرد يطال فقط المجانين الغرباء عن المدينة، فكلّ مدينة كانت لا تعتني سوى بحمقاها، ألم يكن هناك في حسابات بعض المدن إشارة إلى دعم وهبات خاصة بالحمقى؟ والواقع أنّ المشكل ليس بهذه البساطة: لقد كانت هناك تجمعات لم يكن الحمقى، وعددهم كثير، من أهل المدينة… وقد تكون سفينة الحمقى التي سكنت مخيلة الناس في المراحل الأولى من عصر النهضة سفنا خاصة بالحجيج، سفنا بالغة الرمزية لحمقى يبحثون عن عقولهم: البعض يهبط أنهار ريناني في اتجاه بلجيكا وغيل، والبعض يصعد في اتجاه جورا وبيزونسون.

(ميشيل فوكو.. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي/ ص30-31)

ترجمة: سعيد بنكراد

 

يوهان هويزنغا..

نظرات في التاريخ الثقافي

 

 

 

 

يعتبر المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا Huizinga Johan(1872-1945) أحد مؤسسي منهج التاريخ الثقافي في رصده للحركية الثقافية، متتبعا خطا رابطا يتجاوز فيه الإغراق في التفاصيل الصغيرة حرصا على عدم الوقوع في التشتت والبعثرة، أو كما يقول في كتابه «… نظرات في التاريخ الثقافي»: الارتفاع فوق الصغائر إلى الإمساك بالخيوط الرئيسية والخطوط العريضة للظواهر الثقافية المتتابعة، أو النظر إليها نظرة كلية، تشبه نظرة الطائر إلى الغابة، إذ لن تقوم لدراسة التاريخ الثقافي قائمة إلا حين يتجه العلماء والنقاد إلى تحديد أنماط الحياة والفن والفكر مجتمعة». فهو، على سبيل المثال، يتناول علاقة عصر النهضة والمذهب الواقعي بقوله: «إذا نحن شئنا أن نظل قانعين بالعبارة التي وضعها بركهارت وجعلها أساسا لفهم «عصر النهضة». أصبحت العلاقة بين الفكرتين: «عصر النهضة» و«المذهب الواقعي»، من الشؤون الثابتة المقررة مقدما. وهي لا تزال تبدو كذلك في عين كثير من الناس. فإنّ فهم المرء المذهب الواقعي على أنّه الحاجة والمهارة في تقريب الحقيقة الطبيعية للأشياء إلى أدنى حدّ ممكن بواسطة الكلمة أو الصورة. وإذا كان معنى «عصر النهضة» هو استكشاف العالم والإنسان، أي قيام نظرة وتصور للحقيقة شخصيين ومباشرين، فسيترتب على ذلك في ما يبدو أنّ المذهب الواقعي لن يكون إلّا قرينا مصاحبا للنهضة. فالإنسان يغدو متنبها إلى علاقته الطبيعية بالعالم من حوله، ويكتسب القدرة على التعبير عن تلك العلاقة ببساطة ووضوح. وهنا يصبح المذهب الواقعي بوصفه محاولة للمطابقة الصادقة مع الطبيعة، وإنتاج النسب الطبيعية بالضبط، خاصية وميسما لعصر النهضة لا سبيل إلى فصلهما). أما بخصوص تناول مسألة القومية في العصور الوسطى في أوروبا يحللها على النحو التالي: (لم يكن من العسير إظهار تهافت الفكرة القائلة بأنّ التناقضات القومية غريبة كلّ الغرابة على العصور الوسطى، وأنّ الوعي القومي إنّما هو ثمرة العصر الحديث. ومهما يكن مدى امتداد نظرة المرء منّا خلفه في صميم العصور الوسطى، فإنّه واجد بعض البيّنات التي تدلّ على إحساس مرهف بالجنسية (أي نوع القومية) بل حتّى بالقومية التامة من جميع الأوجه: يتمثل في الوجدانيات التي انبثقت من تربة أواصر الدم وحب الأرض الأم، مسقط الرأس، ومجتمع اللغة، والمشترك من الأخلاق والعرف، ثم وهو ليس أقلّ هذه الأواصر بأية حال، الولاء لأمير مشترك. وفي البداية، لم تكن لهذه المشاعر علاقة كبيرة بالدولة وإدارة شؤون الدول. وفضلا عن ذلك لم يكن للأهداف والمشكلات السياسية أدنى تأثير على تطور الروابط القومية. والروابط كانت منذ البداية على نوعين، فمنها الأضيق حدودا ومنها الأوسع حدودا، فالإحساس بالمجتمع يبلغ بطبيعة الحال أقصى قوته في الجماعات الأضيق حدودا، غير أنّ تناقضا أرحب مجالا كتضاد الفرنسي الإيطالي والجرماني مع الروماني، ربما تمكن من التسلط على الموقف في أية لحظة من اللحظات. وكانت الطريقة الوحيدة التي يعبّر بها تنوع القوميات عن نفسه هي الاتصال المشوب بالعداء. ومع ذلك، فقلما تمخضت تلك العداوة في حدّ ذاتها عمّا حدث بين الدول في صراعات كبرى. إذ لا يستطيع إنسان أن يقول عن الحروب المتمادية في الطول بين فرنسا وإنكلترا أنّها إنّما نجمت عن فروق قومية، على أنّه يمكن القول بأن الفوارق القومية نمت أثناء تلك الحرب وكنتيجة مترتبة عليها. والكفاح القومي الوحيد الذي تمكن تسميته بذلك الاسم هو الذي شبّ في العصور الوسطى ودارت رحاه بين الجرمان والتشيكيين في الحروب الدينية…)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى