حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

نزيف هجرة الكفاءات

في ظل الضجيج الذي تُحدثه الهجرة السرية، وما يرافقها من نقاش عام وخلافات وصراعات سياسية، هناك نزيف من نوع آخر لا يلتفت إليه أحد، وهو هجرة الكفاءات والطاقات التي يصرف عليها المغرب مليارات الدراهم من المال العام، ثم يجد نفسه يُهديها، بشكل غير مباشر، إلى دول الاستقبال التي تستثمرها في تحقيق التنمية الشاملة، وتطوير القطاعات الحيوية، وتجويد الخدمات العمومية ودعم الابتكار والبحث العلمي.

إن هجرة الكفاءات المغربية إلى الخارج تسائلنا جميعاً، لأنها تمثل نزيفا حقيقيا يدفع الاقتصاد الوطني ثمنه، من خلال إهدار فرص تطوير البحث العلمي، وتعميق الخصاص في قطاع الصحة العمومية، والتعليم الجامعي، والهندسة، ومشاريع الطاقة النظيفة، وصناعة الطيران والسيارات والتقنيات الفلاحية الحديثة، فضلاً عن خسارة مقاولات ناشئة كان بإمكانها المساهمة في الاستثمار وخلق فرص الشغل وإنتاج الثروة.

فبدون كفاءات حقيقية وليست «قليشية» لا يمكن الخروج من أزمة البطالة، ولا رفع نسبة النمو ولا بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. والدليل أن الطاقات المغربية الشابة، بمجرد هجرتها، تثبت علو كعبها في مختلف التخصصات، وتنجح في تأسيس المقاولات وتطويرها الدائم، وفتح المشاريع، وتسجيل براءات الاختراع، والمساهمة في خلق مناصب الشغل، وأداء الضرائب ودعم الصناديق الاجتماعية في بلدان الاستقبال ما يؤهلها لتمويل خدمات اجتماعية تنال رضا المواطنين واعتزازهم ببلدهم.

هذا بالضبط ما يجعل الكثير من الشباب يفكرون في الهجرة، لأنهم يجدون في الخارج فرصاً أكبر للنجاح، وبيئة تقوم على تكافؤ الفرص، والشفافية، والنزاهة، واحترام الكفاءة، وتقديس الاستثمار، وتجريم كل من يعرقل المبادرات الاقتصادية أو يحارب النجاح، لأن الدول التي تقدر الاستثمار تجعل الكل في خدمته وليس ابتزازه والتضييق عليه بطرق ملتوية.

إن المغرب في أمسّ الحاجة إلى كل كفاءاته وشبابه لبناء مستقبل أكثر ازدهارا وتنافسية. لذلك، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالدعوات إلى الحد من الهجرة، بل توفير الظروف نفسها التي تدفع الشباب إلى النجاح في الخارج داخل الوطن، والقطع مع مظاهر الفساد، والبيروقراطية، والمحسوبية وإفلاس المقاولات، مع دعم حقيقي للمبادرات الشبابية وفق معايير الجدارة والاستحقاق، لا وفق منطق الولاءات الشخصية والحزبية والمصالح المالية والشعارات الفارغة. فالشباب اليوم لا يقيس نجاح الإصلاح بالخطب أو التقارير الحزبية، وإنما بما يلمسه من مؤشرات واقعية في حياته اليومية.

إن أكبر استثمار يمكن أن تقوم به الدولة ليس في تشييد البنيات التحتية فقط، بل في الحفاظ على الإنسان الكفء واستثماره. فالكفاءة التي تغادر اليوم قد يستغرق تعويضها سنوات طويلة، وقد تكلف هجرتها خزينة الدولة أضعاف ما أُنفق على تكوينها لأنها تهدر فرص التنمية وتؤخرها. لذلك فإن وقف نزيف هجرة العقول لم يعد ترفا سياسيا، بل أصبح خيارا استراتيجيا يختبر قدرة المغرب على كسب رهانات المستقبل. فالدول تُبنى بعقول أبنائها قبل مواردها الطبيعية، ومن يخسر كفاءاته كل يوم يخسر جزءاً من سيادته الاقتصادية والعلمية، بينما من ينجح في الاحتفاظ بها يضمن لنفسه مستقبلاً أكثر قوة واستقرارا وازدهارا ومواجهة التحديات بثبات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى