حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةحوارسياسية

«نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» تعبر عن ميلاد هوية مغربية رقمية جديدة

من الهوية إلى الذكاء الاصطناعي.. سعيد بنيس يقرأ تحولات «تمغربيت»

حاوره: النعمان اليعلاوي

أفرزت الثورة الرقمية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ولم يعد الفضاء الافتراضي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحول إلى مجال جديد لإعادة تشكيل الهويات وإنتاج المعاني وصناعة الرأي العام والتأثير في القرارات والسلوكيات الفردية والجماعية. وفي المغرب، برزت هذه التحولات بشكل لافت مع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي وتزايد حضور التكنولوجيا الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

في هذا السياق، أصدر الباحث السوسيولوجي، سعيد بنيس، مؤلفه الجديد الموسوم بـ«نْيُوتَمَغْرِبِيتْ… من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية»، الذي يحاول من خلاله تفكيك التحولات التي طرأت على مفهوم المواطنة والهوية المغربية في العصر الرقمي، ورصد الكيفية التي أعادت بها المنصات الرقمية تشكيل أنماط الانتماء والتفاعل الاجتماعي داخل المجتمع المغربي.

ويقدم الكتاب، الذي يقع في 237 صفحة، قراءة سوسيولوجية للتحولات التي أفرزها المجتمع الافتراضي، من خلال تحليل العلاقات الجديدة التي نشأت بين الأفراد والجماعات داخل الفضاء الرقمي، والوقوف عند أشكال التعبير الجديدة عن الهوية الوطنية، وما رافقها من صعود لخطابات الانتصار الهوياتي، وتنامي تأثير المؤثرين وصناع المحتوى، فضلا عن التحولات التي مست الممارسة السياسية والإعلامية في ظل هيمنة المنصات الرقمية.

كما يثير المؤلف أسئلة جوهرية حول مستقبل المواطنة في زمن الذكاء الاصطناعي، وحول قدرة المؤسسات التقليدية، من أسرة ومدرسة وأحزاب وإعلام، على مواكبة هذه التحولات المتسارعة، في ظل بروز فاعلين جدد أصبحوا قادرين على التأثير في النقاش العمومي وصناعة المواقف والاتجاهات.

في هذا الحوار مع جريدة «الأخبار»، يتحدث سعيد بنيس عن خلفيات تأليف هذا الكتاب، ويشرح دلالات مفهوم «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ»، كما يتوقف عند أبرز التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي داخل الفضاء الرقمي، وتأثير الذكاء الاصطناعي على الوعي الجماعي وصناعة الحقيقة والرأي العام. كما يناقش مستقبل الهوية المغربية في عالم افتراضي متغير، ورهانات بناء مواطنة رقمية متوازنة قادرة على التوفيق بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية الثقافية والوطنية للمغرب.

 

  1. ما الدوافع العلمية والفكرية التي قادتكم إلى تأليف كتاب «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» في هذا التوقيت بالذات؟

من الدوافع العلمية والفكرية الأساسية التي قادتني إلى تأليف كتاب «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» هو اشتغالي من داخل حقل «الأنثروبولوجيا الديجيتالية» على الانتقال من مجتمع التواصل الواقعي إلى مجتمع الاتصال الافتراضي، وكذلك في خضم تعميق مشروعي الفكري الذي شرعت فيه منذ التسعينيات حول التعدد اللغوي والتنوع الثقافي بكتاب حول المجالات الترابية والجهات واللغات بالمغرب سنة 2011، ليليه بعد ذلك كتاب «تَمَغْرِبِيتْ.. محاولة لفهم اليقينيات المحلية» سنة 2022 كتجل لتمفصلات هوية مزيجة كرستها مقتضيات دستور 2011، وتعكس شخصية وهوية منفتحة على محيطها القاري والكوني، بعيدة عن كل أشكال القومية والشوفينية المتشنجة. وهذا الانفتاح تم تجسيده من خلال كتاب «من التعدد إلى التعددية.. محاولة لفهم السياسة اللغوية بالمغرب» سنة 2023، الذي يؤسس لمبدأ أن الاعتراف بالتعددية اللغوية والتنوع الثقافي هما أساس المواطنة الهادئة. لكن مع تحول المغاربة من المجتمع الواقعي إلى المجتمع الافتراضي، صار لزاما إعادة النظر في طبيعة هذه المواطنة التي أضحت مواطنة متجذرة في بيئة مغايرة هي البيئة الرقمية، فكان مشروع كتاب «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» سنة 2026 الذي يعكس مرور الرابط الاجتماعي إلى رباط رقمي، وتباعا تغير المواطنة من مواطنة واقعية إلى مواطنة افتراضية.

 

  1. اخترتم مصطلح «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» عنوانا للكتاب، كيف يمكن تعريف هذا المفهوم؟ وما الذي يميزه عن مفهوم «تمغربيت» التقليدي؟

ينبع اختيار مصطلح «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» من منطلق أن المواطنة الافتراضية استمرار نوعي للمواطنة الواقعية «تَمَغْرِبِيتْ»، لهذا تم توظيف اللاصقة اللغوية «نْيُو» في صيغتها الإنجليزية التي تحيل على خاصية ما هو جديد، مع لازمة الاستمرارية والتغير. فنْيُوتمغرِبيت هي استمرارية لتمغرِبيت الواقعية في صيغة جديدة ذات طبيعة افتراضية. فالانتقال من تَمَغْرِبِيتْ كوعاء هوياتي يحتضن جميع عناصر الشخصية المغربية، بما فيها العناصر الثقافية والتاريخية والحضارية والإنسانية واللغوية والدينية إلى «نْيُوتَمَغْرِبِيتْ» كحاضنة رقمية لجميع تمظهرات الشخصية المغربية، أفضى إلى مواطنة افتراضية جديدة بتجليات ديجيتالية لمثيلاتها في الحياة الواقعية.

 

  1. تتحدثون عن الانتقال من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية، ما أبرز المؤشرات التي تدل على حدوث هذا التحول داخل المجتمع المغربي؟

تم الانتقال من مواطنة واقعية إلى مواطنة افتراضية من خلال آلية نقل جميع مناحي وإشكالات الحياة العامة، والتفاوض حولها من داخل بيئة جديدة ذات طبيعة مغايرة وهي البيئة الافتراضية. ومع تصريف قضايا الشأن العام عبر التفاعلات الديجيتالية، إضافة إلى هامش الحرية الذي أتاحه الفضاء الرقمي، انكشفت جميع عناصر المواطنة الواقعية حتى تلك التي كانت علاماتها محتشمة على المستوى الواقعي، حيث صارت هذه المواطنة منقسمة إلى شقين. يتكون الشق الأول من قيم إيجابية مُمَكِّنَة تنحو منحى ترسيخ ممارسات التضامن والتعايش والانسجام والتعبئة، والإسهام في بناء فضاء مواز للتداول المتنوع والترافع المتكامل حول قضايا الشأن العام المغربي، وإعادة توهج النبوغ المغربي واكتشاف حضارة وتاريخ الأمة المغربية من بوابة الفضاء الافتراضي. أما الشق الثاني من هذه المواطنة الافتراضية فيحيل على قيم سلبية وسالبة غايتها خلق بيئة هجينة وغرائبية، تنتج عنها حالة من الاحتباس والتشنج القيمي مرتبط بتفشي وصم افتراضي يبنى على نعوت من قبيل «هَرْكَاوَة» و«زْلاَيْجِيَّة» و«لْحَايْسِيَّة» و«لَحْنَانْ» و«مَدَاوِيخْ» و«طَبَّالَة»… يمكن أن يؤدي إلى تقويض ركائز العيش المشترك والرابط الاجتماعي، بل يكاد يكون خطرا على السلم المجتمعي واستمرارية مكونات التعايش. وتباعا لا تعدو أن تكون القيم السالبة الصاعدة من البيئة الافتراضية المغربية سوى انزلاقات ديجيتالية، قد تهيمن تداعياتها على مستقبل الأجيال الصاعدة، ليصير المجتمع الافتراضي المغربي مجتمعا يعج بغرائبية هوياتية وقيم وممارسات عمياء تضرب في عمق مقولة المواطنة الافتراضية المرتبطة بنْيُوتَمَغْرِبِيتْ، وحيث يصبح الريع الديجيتالي هو أسمى مراتب الحظوة المجتمعية.

 

  1. إلى أي حد نجحت المنصات الرقمية في إعادة تشكيل الهوية المغربية وتمثلات الانتماء لدى الأجيال الجديدة؟

يبدو في هذا الصدد أن المنصات الرقمية قد ساهمت في إعادة تشكيل الهوية المغربية وتمثلات الانتماء لدى الأجيال الجديدة، من خلال فعل التفاعل والتشارك والتقاسم عبر آلية «تبارطجيت».

في هذا الباب، ترتبط القيم الإيجابية بسلوكات الانضباط المواطناتي، بمعنى أن الأنا الفردي ينضبط للنحن الجمعي (حالة كورونا)، والانتقال من التواصل العمومي إلى الاتصال العمومي في شكل تعاقد جديد يربط الدولة بالمواطنين (رقمنة الخدمات العمومية) وتوازي المواطن الافتراضي مع المواطن الواقعي، والتحول من الفردانية إلى الفردية وتمجيد الجسد (سيلفي..) «أنا أسلفي إذن أنا موجود»، مع الانكشاف للآخر (تشارك الأفراح والأحزان …)، وجذوة قيم الانتصار الهوياتي والحضاري والإنساني. من هذه الزاوية يبدو أن البيئة الافتراضية التي أتاحت نوعا من الانسجام الكوني الذي يفترض الانتماء المفتوح على إفريقيا والمغرب الكبير والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمتوسط والأطلسي، فتحت كذلك مسارا في اتجاه الانتصار الترابي للمملكة المغربية، الذي يكرس لنبوغ الشخصية المغربية ولمواطنة افتراضية في صيغة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ كأفق إنساني. كما أن البيئة الافتراضية كبيئة للتداول والتفاوض لا يمكن أن تسلم من التوظيف الممنهج لخدمة أهداف معينة، قد تكون نبيلة أو على عكسها ذميمة، وهذا يتوقف على طبيعة المواطنة التي يرغب المتفاعلون الافتراضيون في بثها والتأسيس لها. ففي بعض الحالات تصبح المعلومة ذات قيمة ولو بعد اكتشاف أنها مزورة، فالهدف هو بناء الحدث و«البوز» وتوجيه الرأي العام من خلال صناعة اتصالية. ترضخ هذه الصناعة الاتصالية لجدلية العرض والطلب في سوق رمزية، تعتمد على التدبير الملائم والتوقيت الجيد لتنزيل المعلومة. فأضحت هذه الأخيرة آلية وأداة ناجعة للوصول إلى الأهداف المنشودة، وضبط إيقاعات المواطنة الافتراضية إلى حد الإخلال بالأمن القيمي.

 

  1. تذهبون إلى أن الفضاء الافتراضي خلق أشكالا جديدة من الانتصار الهوياتي والترابي، كيف يتجلى ذلك في الممارسة اليومية لمستعملي الشبكات الاجتماعية؟

من القيم الإيجابية التي تنميها البيئة الافتراضية هناك قيم المبادرة والانخراط المدني واللمة الأسرية للأبناء الذين يدرسون في مدن بعيدة أو في الخارج، وإعادة تسييس اليافعين والشباب، والانتقال من الجمعية إلى الفردانية إلى الاستقلالية. وكتجسيد لهذه القيم يمكن الإحالة على مبادرة «نْتَعَاوْنُو»، وهي مبادرة أطلقها مجموعة من الشباب الطلبة والباحثين هدفها تنسيق العمليات الإحسانية، التي يقوم بها المتطوعون لفائدة المناطق المتضررة من الزلزال الذي أصاب إقليم الحوز. كما مكن الفضاء الافتراضي من إحياء الرابط الوطني (الطفل ريان– زلزال الحوز – «لا غالب إلا الله» – رمزية العلم المغربي – خريطة المملكة المغربية- التضامن مع غزة –…)، وبزوغ قيمة «الفاعلية الجماعية»، من خلال قيم التعاطف الإنسي اللامشروط مع الضحايا عبر إطلاق عدة هاشتاغات («كلنا إكرام» – «كلنا ريان» – «كلنا غزة» – «المَغْرِبْ كُلُّو مْعَاكْ أَ رَيَانْ»- «مَنْهَرْبُوشْ»…). وتمت كذلك ملاحظة انتعاش الانتصار الهوياتي والترابي من خلال قيم التفاوض والتداول حول القضايا الجوهرية والحياتية مثل التعليم والصحة، مع بروز ديمقراطية افتراضية تشجع على مواطنة إيجابية مثل ما تعكسه ردة الفعل ضد مشروع القانون 22.20، وحملة المقاطعة، ورفض بعض أسماء الأزقة بمدينة تمارة، والتضامن مع ضحايا زلزال الحوز. وعلى نفس المنوال تم إطلاق «نداء من أجل استراتيجية وطنية لقيم المواطنة» لـ«فتح نقاش وطني وجهوي ومحلي يتحمل فيه كافة الفاعلين والفاعلات مسؤولياتهم ومسؤولياتهن السياسية والمدنية حول منظومة القيم ببلادنا». كما حقق هاشتاغ «خلوني ندوز» سنة 2017 انتشارا واسعا على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بعد فيديو فتاة الطوبيس، ومضمون الهشتاغ التضامني هو «زعموا أنها مختلة عقليا.. لكنها لخصت محنة الوطن في كلمتين. #خلوني_ندوز». وعلى صعيد آخر، لقيت عريضة مواطنة ضد الإفلات من العقاب في حالة التحرش وجهت إلى والي الدار البيضاء ورئيس الحكومة تجاوبا سريعا، حيث ناهزت التوقيعات 20000 توقيع خلال اليومين الأولين، والعريضة توجد على موقع Avaaz.org.

 

  1. هل ترون أن العالم الرقمي عزز الشعور بالانتماء الوطني، أم أنه ساهم في تفتيت الهويات الجماعية لصالح انتماءات جزئية ومتعددة؟

من البديهي أن العالم الرقمي قد شجع على بناء فضاء افتراضي متعدد ومتنوع، يمكنه من خلال الحق في المعلومة من صقل نقاش وتداول يفضي إلى «نحن افتراضية» منفتحة ومتسامحة، عوض «نحن افتراضية» ضيقة ومتشنجة، لتفادي الانزلاق إلى الانهزامية الهوياتية، والعمل على تكريس الانتصار الهوياتي للوحدة الوطنية عبر جسر مواطنة افتراضية مغربية كأفق سياسي، في ظل تلاشي العولمة الكونية وانتعاش المحليات الافتراضية. لا يمكن أيضا الجدال في كون التحول الذي طرأ على الهوية الثقافية للمجتمع المغربي وقيمه، تحول يرتبط ارتباطا وثيقا بالطفرة الافتراضية التي خلقت هامشا من «الحرية» في صيغة مواطنة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ، تَمَغْرِبِيتْ افتراضية. شكلت هذه المواطنة الافتراضية فضاء جديدا للتعبير عن تمظهرات التنوع المجتمعي، خصوصا مع حالات الظهور العلني لبعض الفئات والمجموعات، التي لم يكن بمقدورها الوجود والتعايش في الفضاء الواقعي، والكشف عن هويتها منها لا للحصر الطوائف الدينية (المسيحيون والبهائيون…) والجنسية (المثليون…) والإيديولوجية (القوميون…)… ومن التبعات المباشرة لهذه الوضعية بروز ثقافة جديدة وهويات صاعدة دينية وجنسية وإثنية وقومية وأخرى ترابية من خلال بوابة الافتراضي، تنبني نسبيا على نسق يمزج بين قيم التضامن والتسامح والمعايير المعترف بها داخل المجتمع المغربي من جهة، وممارسات الكراهية والعنف والإكزينوفبيا والسلوكات الغرائبية من جهة أخرى. لهذا يبدو أن المواطنة الافتراضية تتجه إلى أن تصبح معبرا لتمثلات هجينة، تجمع بين توجهات متفائلة تكرس لتفرد إنساني حضاري وتميز أمة واستثناء ثقافي في زمن اللايقين داخل محيطها الإقليمي والعالمي، وأخرى متشائمة تمثل وعاء للميولات اليائسة ومحضنا للاصطفافات السلبية وتكريسا لسمات الانهزامية الهوياتية وترسيخا للاحتباس المواطناتي.

 

  1. كيف يمكن تفسير انتشار الأخبار الزائفة وصناعة «البوز» داخل الفضاء الرقمي المغربي من منظور سوسيولوجي؟

يمكن اعتبار أن تأجيج الأخبار الزائفة وانتشارها مرده كذلك حاجة الأفراد الديجيتاليين إلى تعويض نفسي على بعض الخيبات الفردية والمجتمعية، سيما أن هذه الأخبار تنبني على الذاتية والخدعة والافتراء والإشاعة والتشهير، حيث الخبر الكاذب هو تقاسم معلومة خاطئة تنشرها بوتيرة وبائية منصات، أو أشخاص مختصون في الميديا. وهي كذلك أخبار مفبركة، لأن أصحابها يعمدون إلى توضيبها في شكل رسمي وإداري ولغوي وثقافي وهوياتي، أو إعطائها صبغة معقدة توحي بصدقها من خلال جداول ورسوم وإحصائيات. وهي كذلك محاولة للاستغباء، من خلال خلق «البوز» والحصول على أكبر عدد من المشاهدات. ومن هنا تأتي قوتها ويصبح مفعولها فيروسيا ووبائيا، مع قوة بعض «الخواريزمات» التي تساعد على انتشارها السريع والصاروخي. لهذا فتجذرها في المجتمع الافتراضي يحيل على طبيعة المستفيدين منها. أفضى هذا التجذر إلى ظهور فئتين متباينتين: أغلبية ذات أهداف مزدوجة منها التأثير السلبي وخلق بيئة مجتمعية محبطة، مع الحصول على عائدات ربحية، وأقلية من مختلقي الأخبار الزائفة يمكن أن توصف بـ«المرضى المجتمعيين» هدفها ودوافعها ليست ربحية، بل غرضها بث الفوضى في المجتمع من خلال منطق انهزامي وتشاؤمي. يمكن كذلك الإقرار أن المحدد الأساسي في استفادة مروجي الأخبار الزائفة (ماديا وتأثيرا) هو هيمنة السلوك والممارسة الطقوسية لتشارك الخبر والمعلومة، سيما أن زمن المجتمع الافتراضي هو زمن التشارك وثقافة «بَارْطَجِي» و«لُوحْ» مع سطوة وجذوة، بل واشتعال كل ما هو نفسي وانفعالي تجاه كل ما هو سلبي وزائف، والتعاطي العاطفي وغير العقلاني معه في أوقات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والكوارث والمحن والحروب والأوبئة.

وتفاقم الأمر مع فترة الحجر الصحي، حيث تزايد الاتصال الرقمي وانضافت إليها إشكالات العزلة الرقمية، مما دفع بالبعض إلى إبراز فاعليته ووجوده داخل الشبكة، من خلال ترويج أخبار كاذبة. انطلاقا من هذه الحيثيات تمكن الأخبار الزائفة المجتمع الافتراضي من تحقيق بعض الحاجيات النفسية كالانتقام ونشر الكراهية ومواجهة الخوف، حيث أضحت البيئة الافتراضية الوعاء الأمثل لتفريخ المكبوتات النفسية والتيه الوجودي وتمرير بعض الإيديولوجيات، … أو المس بمنافس سياسي أواقتصادي أو ثقافي،… أو افتعال نزوعات وصدامات جديدة. لهذا يمكن اعتبار المنخرطين في ترويج الأخبار الزائفة تجار حرب، يتاجرون في سذاجة وعفوية الأفراد في زمن الحرب على الجائحة. كما أن هذا الصنف من الأخبار يساهم في تفشي الهلع والتخمة الخبرية بين أفراد المجتمع الافتراضي. فمن الضروري التذكير أنه لا علاقة لهذه التخمة بهامش حرية التعبير، سيما أن هناك بونا شاسعا بين حرية التعبير والخبر الزائف. ولأن الخبر الزائف يمس بالعيش المشترك وكذلك بالمصير المشترك ويهوي بالنقاش العمومي إلى مستويات بئيسة، تجعل المجتمع الافتراضي حبيس مسكنات وجهل وتيه، يصبح معه التطهير والتعقيم ضد هذه الأخبار ضرورة ملحة، لضبط ملامح المجتمع الافتراضي المغربي.

 

  1. ما تأثير الخوارزميات والمنصات الرقمية على تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاش العمومي في المغرب؟

يمكن مقاربة تأثير الخوارزميات والمنصات الرقمية على تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاش العمومي في المغرب، من خلال التعريف بالمتن الديجيتالي الذي تضبطه آليات التداول الافتراضي والسيولة الرقمية. لهذا تتجلى ضرورة الإلمام ببنية المنظومة الرقمية التي تتحكم في الاستعمالات التعبيرية وحقولها، من خلال جسر الخوارزميات والتطبيقات والمواقع والخدمات الممنوحة لتسهيل وتيسير التواصل والاتصال الديجيتالي. فالسوق الديجيتالية ترتبط ارتباطا وثيقا بمنطق هذه البنية، الذي يتأرجح بين التحكم التقني في الصيغ التعبيرية، والهامش الفردي للإبداع اللغوي والخطابي والمعجمي.

يمكن لهذا التأرجح أن يمس بعناصر الرابط الاجتماعي ومقومات العيش المشترك. لهذا يلاحظ جليا ظهور انعزالية فردية تبعتها «ميوعة» على مستوى الذوق العام حولته إلى ذوق «فاست فود» بالنظر إلى تحكم الخوارزميات في تطوره وانسيابيته، فضلا عن انتشار مضامين «بْرِي أ بُورْطِي»، و«الجُطَّابْلْ»، وانتفاء الفكر النقدي و«مشاعية» المتمنيات والأدعية والهدايا والمجاملات «الجاهزة»، في خضم «تعويم» قيم التفاعل والتقاسم. كما أن التقنيات الرقمية مثل «البودكاست والفيب التدوينة الومضة» و«البوسط»  و«الريلز» و«التويت» و«الشورط» و«البْرَنْك» و«الترول» و«البراندينغ» و«الهاشتاك» و«الميدجورني» و«الستوري» أدت إلى التحكم في طبيعة الرأي العام، وانتشاره الواسع بين رواد العالم الافتراضي، بواسطة نظام الخوارزميات والمحركات الرقمية. وتلعب الخوارزميات الموجهة لحاجيات ورغبات وميولات، وكذلك انتظارات وتطلعات الرواد والأفراد على اختلاف أطيافهم ومشاربهم، دورا هاما في انتشار «التراند»، حيث يتم استهداف الأشخاص المعنيين والمهتمين مباشرة. فالخبر الزائف يحتفظ به لإعادة تكييفه وتصريفه في قضايا أو أحداث مغايرة، فهو قابل للتدوير. ذلك لأنها معلومات تتم صناعتها غالبا من داخل نسق عالم افتراضي يتيح هامشا من التقنية الرقمية المعتمدة على الخوارزميات للإبداع الديجيتالي والاتصالي.

من الضروري التذكير بأن النقاش العمومي صار يخضع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لتقنية ومنطق الخوارزميات، التي تعتمد غالبا مسارات بعينها ترتكز على مدخل ومخرج، وتأسس هذا البناء على قواعد محددة يتم من خلالها ضبط مسار المعطى من المدخل إلى المخرج. من هذا المنطلق، يمكن التحكم في المعلومة من بدء نشرها إلى تلقيها، فالمعلومات الأكثر تقاسما ترتهن بسلسلة من العمليات التقنية المؤدى عنها، ليصير ارتفاع المشاهدات والحصول على متابعين وكسب المستشهرين عنصرا من العناصر المكونة للثقافة الافتراضية، يتحول فيها الفرد من «الإنسان العاقل» إلى «الإنسان المتصل».

فعوضت تعابير واستراتيجيات رقمية مثل «التراند» («كلنا فتاة تيفلت»، « كلنا ريان»…) الخطاب الإيديولوجي، فتم تصريف أوجه البلاغة النضالية بمنطق يرتكز على الصورة والدعامات المرئية، ما يمكن تسميته بـ«الإيماجيولوجيا»، التي تبنى على «تقنوغرافيا» تستمد قوتها من الخوارزميات الرقمية. حتى أن هذه «الإيماجيولوجيا» صارت تتحكم في الاحتجاج والنضالات الواقعية، سيما أن التعبئة أضحت رقمية والاستمرارية والمتابعة ديجيتالية. مما نتج عنه أن الفعل السياسي والنضال الميداني والاحتجاج الواقعي صارا دون جدوى إن لم يكن مسنودا بدعامات رقمية ومواكبة افتراضية، تحولت معه «الصورة» والفيديو إلى سلاح للإقناع والعرض وكذلك التلاعب والفبركة. ويظل التحدي القائم بالنسبة إلى منظومة المواطنة الافتراضية هو الطبيعة الجديدة التي اكتساها النقاش العمومي كنتيجة لرقمنته، وهيمنة التلقي عبر الاتصال العابر لما وراء الترابي والمحلي والوطني. فأصبح النقاش العمومي المغربي جزءا من النقاش الكوني، بل نقاشا يعيد طرح بعض المضامين الدولية على الساحة المغربية، خاصة بالنظر إلى الإحصائيات التي تؤكد على أن نسبة استخدام المغاربة للإنترنت تفوق المعدل العالمي (تقرير هوتسويت لسنة 2019).

 

  1. كيف تفسرون بروز أشكال جديدة من الكراهية والعنف الرقمي والإكزينوفبيا، في الوقت الذي يفترض أن يساهم الإنترنت في تعزيز قيم الانفتاح والتسامح؟

يبدو أن المواطنة الافتراضية تتجه إلى أن تصبح معبرا لتمثلات هجينة، تجمع بين توجهات متفائلة تكرس لتفرد إنساني حضاري وتميز أمة واستثناء ثقافي في زمن اللايقين داخل محيطها الإقليمي والعالمي، وأخرى متشائمة تمثل وعاء للميولات اليائسة ومحضنا للاصطفافات السلبية وتكريسا لسمات الانهزامية الهوياتية وترسيخا للاحتباس المواطناتي. مما يجعل من هذه المساحات بيئة مشحونة بخطابات عنيفة وثقافة تنهل من الكراهية، أفضت إلى بيئة غير ملائمة، سيما أن الأثر المغناطيسي قد كشف عن انتقال إجرائي، حيث تم الانتقال في الزمن الافتراضي من ثقافة وخطاب الكراهية إلى سلوكات وممارسات الكراهية. مما يمس مباشرة شخصية الفرد الديجيتالي، ويدفعه إلى قيم الانزواء والانعزالية وتسطيح الذوق العام للفرد والجماعة، الذي صارت تحدده الخوارزميات الرقمية، مما أدى إلى سذاجة وتمييع قيمة التقاسم الفوري والعفوي للأخبار والمعلومات. والتي قد تخل بالعيش المشترك واستقرار البلد وتجدر التبعية وانتفاء الفكر النقدي وتفشي «تَبَارْطَاجِيتْ». وفي هذا الخضم، تم تحريف قيم التعبير عن التعدد اللغوي والتنوع الثقافي، حيث صارت انعكاسا للإثنية المركزية وأفرزت قيما تتغذى على العنصرية والكراهية وازدراء الآخر. مما أفضى إلى استفحال وتجذر وتنامي قيم «موبوءة» وغير مؤطرة تشجع على التنافر وتلغي التآلف والتعايش. تتشكل تمظهرات ومحددات خطاب الكراهية في المجتمع الافتراضي المغربي، من خلال ثقافة العنف والتعميم كآلية للاستقطاب وإعادة انتشار وتأجيج العنف وتوغل مقولات الكراهية، وشحن الفئات الهشة والفقيرة عبر اعتماد نماذج المظلومية، فضلا عن النزعة الشوفينية الاختزالية للهوية التي تزرع الحقد والإقصاء، وتعتبر الآخر الخصم بمثابة «حيوان»، خاصة من طرف بعض المجموعات الافتراضية، مثل مجموعات الألتراس والمجموعات الرجالية والنسوية والمجموعات الثقافية واللغوية والمجموعات الترابية والفصائل الجامعية…

كما يمكن لخطاب الكراهية الافتراضي أن ينتقل إلى عنف مادي وإلى إنتاج ثقافة وممارسات مضادة (مهاجمة صحفي، أو مقتل مشجع…) وإلى أخطار مجتمعية تؤثر على العيش المشترك والرابط الاجتماعي. وهي الممارسات التي تتغذى من انزلاقات دلالية تصل حد العنصرية والإكزينوفوبيا والإقصاء والعدوانية والفاشية (كحلوش – لعروبي- الكربوز – لقرودة – البوعارة – الهيطاكة – الجراد – الفيران – كانطاري – بوحمرون…)، وتمتد إلى العداءات الجيوسياسية (الترجي / الوداد، الأهلي / الجيش الملكي…)، وتصادم يفضي إلى التهديد بالطرد من الأرض والتهجير وإسقاط الجنسية والاتهام بالعمالة والانفصال والتخوين، خصوصا في خضم الحزازات الثقافية واللغوية بين المدافعين عن الأمازيغية أو المدافعين عن العربية أو الفرنسية («فرنسة» التعليم)… كل هذه التمظهرات الافتراضية تنتعش في بيئة جديدة حاضنة لثقافة الكراهية، خصوصا مع انتقال المغرب من بلد للعبور إلى بلد للاستقرار، وظهور مواطنين جدد ومواطنة جديدة ترتبط بدول جنوب الصحراء، علاوة على تفريخ عدد من الشخوصات الديجيتالية من قبيل «قومجي» – «عروبي» – «عنصري» – «وطنجي» – «طبال» «مرايقي» – «حر» – «كوفي» – «عزي»…

يمكن في هذا الصدد مصادرة هذا التوجه من خلال اقتراح بعض الاستشرافات والمخرجات لمحاربة خطاب الكراهية، مثل انخراط والتزام المجتمع الافتراضي لبناء رأي عام مناهض للغلو والتطرف بصوره المختلفة، بواسطة حظر نشر صور نمطية سلبية للأفراد أو الجماعات، واعتماد آلية التجارب الاجتماعية وإبداع مقاربات ميدانية، لتبيان مخاطر ثقافة الكراهية التي تنتشر من خلال خطاب مكتسب ينفي التداول حول الاختلاف والتعدد والانفتاح على الآخر ومحيطه. ومن البديهي أيضا خلق مرصد رقمي لمراقبة وتتبع خطاب الكراهية والاستعانة بدليل إلكتروني لتحديد المصطلحات والتعابير والأشكال الخطابية، التي تتصل بفعل الكراهية والتحريض عليه، ونشر قاموس محين سنوي للمصطلحات والمعجم الذي يعكس خطاب الكراهية في السياق المغربي، لتمكين الفاعلين الرسميين والنشطاء المؤسساتيين والمدنيين من تحيين المضامين وضبط المعجم ومراجعة الإضافات وتصويبها. لهذا أضحى من الضروري التفكير في ميثاق للمواطنة الافتراضية لتأطير هوامش المجتمع الافتراضي المغربي، في أفق بناء معايير تنبني على الأخلاق الإيجابية والمبادئ المواطنة والقيم الكونية.

 

  1. هل تعكس هذه الظواهر أزمة في مؤسسات التنشئة التقليدية، كالأحزاب والأسرة والمدرسة والإعلام؟

للإجابة عن هذا التساؤل من الضروري التذكير بمعطى تراجع واستقالة بعض محاضن التنشئة التقليدية، التي تولدت عنها تنشئة مجتمعية من داخل وسائط التواصل الاجتماعي، تعتمد فعل التضامن كمبدأ وفلسفة لا ترتبط بالجغرافيا، بل بتشبيك رقمي يرتكز أساسا على يقظة وتفاعل وتعبئة وفاعلية المجتمع الافتراضي. لهذا تم ترصيد سردية نْيُوتَمَغْرِبِيتْ من خلال ربطها بالمواطنة الافتراضية والعيش المشترك والرباط الافتراضي، واعتماد مبدأ التنوع المتكامل. ومن الملامح المباشرة لهذا الترصيد يمكن أن نحيل على النشاط السياسي الديجيتالي في علاقته بالمواطنة الافتراضية، ومجتمع الشبكات الذي يتمحور حول تفاني الناشط الديجيتالي، وجذوة الخطاب النضالي الجديد، وتدفق التفاعلات الديجيتالية، وسلاسة التعبيرات والتقنيات الرقمية المتنوعة التي تمت الإشارة إليها في الفصل الثاني (الهاشتاك – الفيديو- الفلوك – التويت – البوست – الستاتو- التدوينة –…).

على هذا الأساس يمكن طرح التساؤلات التالية: ماهي القيم الثقافية التي يحملها هذا النزوح الافتراضي؟ ما هي الفرص التي يقدمها لتعزيز قيم المواطنة والحرية والديمقراطية؟ ما هي التحديات التي يطرحها على مستوى محاضن التنشئة (الأسرة، المدرسة، جمعيات المجتمع المدني، الأحزاب، الدولة…)؟ وهذا ما يعكس خللا في ملامح تَمَغْرِبِيتْ أو المواطنة الواقعية في شكل احتباس قيمي يتطور من الأزمة إلى الكارثة، سيما أن الفضاء الواقعي أضحى مستباحا، ولم تعد مؤسسات ومحاضن التنشئة تقوم بأدوارها، من الأسرة إلى الحزب، مرورا بالمدرسة ودور الشباب، والإعلام العمومي وغيره. لذلك حتى في ظل انهيار هذه المؤسسات والبنيات لا بد من استدامة مقولة المواطنة من خلال يقظة قيمية تراعي الواجبات والحقوق، تحتضنها منظومة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ كمواطنة افتراضية لا محيد عنها.

لهذا فالاستنتاج العام هو أنه مع تراجع محاضن التنشئة التقليدية، بل واستقالتها تولدت تنشئة مجتمعية عفوية ومشخصنة تمت عبر جسر الشق الديجيتالي لوسائط التواصل الاجتماعي. ما نتج عنه تسونامي قيم افتراضية متموجة تتماهى وتحاكي وتعاكس وتعارض في الآن نفسه القيم الواقعية، كأننا أمام عالمين متوازيين وأن الفرد فردان وله هويتان، هوية واقعية وهوية افتراضية. كما أن مفارقات واقع الفضاء الافتراضي يجعل منه عالما تختلط فيه عدة هوامش منها كونه واقعا يعكس في الآن نفسه تجسيدا للمتنفس والحرية والمواطنة والتضامن والتداول والتعبئة والإدمان والتعويض والعنف والكراهية والعنصرية والتسول والانعزالية والتفاهة والقذارة والعمى القيمي،…

من المحمود إذن في إطار تصويب مكونات المواطنة الافتراضية أن تنخرط وتنكب المنظومة التعليمية بجميع أسلاكها على اعتماد محترفات ومواد «التربية على الميديا». فالمحترفات ستمكن من تحسيس التلاميذ بخطر الخبر الزائف، وتحفيزهم على خلق محتويات مواطنة، والتشجيع على موضوعية التلقي وإذكاء الفكر النقدي. لكن لا يمكن للمنظومة المجتمعية والتعليمية أن تنجح في وظيفتها وحربها على الأخبار الزائفة، إلا إذا ما تمت توعية وتكوين الكبار وأولياء الأمور والمشتغلين في محاضن التربية والتنشئة بمخاطر وآفات هذا النوع من الأخبار.

لقد أدى التحول الديموغرافي وتراجع دور محاضن التنشئة وهيمنة «الرباط الافتراضي» والانزلاق من الهوموسبيانس (الإنسان العاقل) إلى «الهوموشارجور» (الإنسان المرتبط بالشاحن الكهربائي) إلى تغير بارز في دلالة الاستحقاق والعمل والجهد والنجاح والحظوة المجتمعية. فيما قبل كان النشر الورقي هو أساس الحظوة والوجود والتفاعل، أما في الأزمنة الحديثة صارت وتيرة اتصال الفرد وصفته كمتصل ومتفاعل هما أساسا الحظوة والاستحقاق. فأصبحت «القدوة» تبنى على قيم الإثارة و«البوز» والصدامية والعدوانية والربح السريع، بل «الربح الأُسِّي»، والتي لها انعكاساتها المجتمعية حول قيمة العمل والجهد، حيث تم استبدال قيمة الجهد والعمل الواقعي بقيمة الريع الديجيتالي، بالنظر إلى الأرباح التي يمكن جنيها عبر جسر الافتراضي.

من الضروري التذكير بأن لفظة «القدوة» تحيل عامة على دور النموذج المثالي أو المرجعي في التمثلات حول مقولة النجاح والتميز، من خلال تقليده ومحاكاته والمشي على خطاه من خلال حمولة مجتمعية مفادها التحفيز والمثابرة من أجل النجاح والتميز. فباتت القدوة ترتبط عند اليافعين والشباب بما يطلق عليه حديثا بـ«قصص النجاح»، أو «القصص الناجحة»، عوض ما كان يطلق عليه كـ«دور النموذج». لهذا أضحت مقولة القدوة تجنح إلى ما هو افتراضي، فتوارت القدوات الواقعية، سيما مع التحول الذي مس منظومة المواطنة وهوية الأفراد (هوية مزدوجة واقعية وافتراضية)، مما نتج عنه تيه وتشتت في ما يتعلق بالنموذج القدوة.

 

  1. في رأيكم، لماذا فقدت المؤسسات الوسيطة جزءا من قدرتها على التأثير لصالح الفاعلين الرقميين والمؤثرين؟

من هذه الزاوية، يتوجب على محاضن التربية والتنشئة، من الأسرة والمدرسة، مرورا بالجامعة والحزب والنقابة والجمعية والنادي… أن تسترجع أدوارها المركزية، وأن يتم الانزياح عن منطق سوق الشغل ومنطق القيم المادية إلى منطق سوق القيم غير المادية ونسقها، مثل النبل والصدق والتضامن والمواطنة، علاوة على مصفوفة من الممارسات الإيجابية التي تحتضنها تَمَغْرِبِيتْ، والتي تحدد بروفايل القدوة المشترك لدى جميع المغاربة (ولد الناس / معقول / …). لهذا يبدو من الجدير بناء بيئة افتراضية تحتضن مقولات الجهد الواقعي وقيم العمل، وكذلك التفاوض والتنوع المتكامل. هناك إذن خطر داهم وغير متوقع يجسده تغير التمثلات الشبابية حول مقولة العمل، بحيث تم الالتفاف عن العمل الواقعي المرتكز على المثابرة والكفاءة والشهادات والالتزام، والتوجه نحو «العمل الافتراضي» في صيغته التفاعلية من خلال «مهن» اليوتبرز والستريمر والتكتوكر والبودكاستر والبلوغر … الذي يرتكز على مهارات الإثارة

و«القفوزية» والتلقائية والبوز و«كَبَّسْ» وعدد المشاهدات والمتابعين، وبالتالي التحول من «الاستحقاق الواقعي» إلى «الاستحقاق الديجيتالي». مع تطور آليات وأدوات واستراتيجيات التدوين على منصات الشبكات الاجتماعية، تمكن بعض الأفراد أن «يبدعوا» في تفاعلاتهم وتدويناتهم، مما جعل منهم شبه نجوم لهم متابعين ومحبين، وبالتالي تم إضفاء صفة «المؤثر» عليهم. هذه الصفة كانت تطلق في ما قبل في الفضاء الواقعي ومن داخل الدينامية المجتمعية على ما سمي «قائد رأي»، لهذا وجب استنتاج أن المرور من الواقعي إلى الافتراضي رافقه المرور من صفة «قائد رأي» إلى صفة «مؤثر افتراضي». من هذه الوجهة يلعب المؤثر الافتراضي دور الوسيط الذي يمرر المعلومة بطريقته وبكاريزما شخصية لمتابعيه، فهو وسيط بين «المصدر» و«المتلقي». وتشمل هذه الوساطة التأثير وخلق «انطباعات إيجابية» حول جميع مناحي الحياة، منها ما يتعلق بالألعاب أو الموضة أو الرياضة أو السفر أو التجميل أو علاقة الرجل بالمرأة أو قضايا دينية أو سياسية أو ثقافية أو إشكالات تتعلق بتربية الأبناء أو الحمية أو الطبخ أو تكوين الشخصية… ويمكن قياس مكانة المؤثر من خلال مساحة أو دائرة الثقة التي يخلقها لدى متابعيه، وكذلك عبر نسب المتابعات والتعاليق والمشاركات. في هذا الصدد، يمكن التمييز بين عدة أنواع من المؤثرين فهناك مشاهير مؤثرون، وهناك نجوم الويب، وهناك المتابع المؤثر، وهناك المؤثر المتخصص في حقل أو منتوج ما أو بضاعة ما، وهناك المؤثر الترابي الذي يهتم بقضايا وإشكالات منطقة أو تراب ما…

 

 

  1. تتحدثون عن «البلعمة» الرقمية للمجتمعات، ما المقصود بهذا المفهوم؟ وما أبرز تجلياته داخل المجتمع المغربي؟

أضحى الرقمي ظاهرة بلعمة تنخر المجتمعات من الداخل لتسيطر عليها كليا، لهذا يمكن لتفعيل نْيُوتَمَغْرِبِيتْ من بناء عقد مواطناتي دون تراتبية ولا إقصاء، يفضي الى المرور «من جميعنا معا» إلى «جميعنا متساوون». من هذا المنطلق يمكن أن تشكل مواطنة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ مقولة للعيش المشترك ووعاء للتعدد والتنوع يحيلان على الوحدة والفرادة المغربيتين. من هذا الباب يبدو أن تثبيت نْيُوتَمَغْرِبِيتْ يمر لزاما عبر تربية متوازنة على الميديا، لتفادي إنتاج جيل مغترب ترابيا وتائه هوياتيا ومغبون قيميا.

لهذا صار ضروريا التحول من رؤية سياسية تعتمد الحماية كآلية رئيسية إلى رؤية سياسية ترتكز على الحمائية، كما هو الحال في بعض البلدان، مثل فرنسا وأستراليا وماليزيا وإندونيسيا، ومستقبلا النرويج والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي… التي قررت رفع «سن الرشد الرقمي»، وفرض قيود تقنية للتحقق من العمر، بهدف منع اليافعين والأطفال والمراهقين، والفئة الأقل من 16 سنة من الإنترنت، وكذلك حظر الهواتف المحمولة في المدارس والثانويات، وأيضا تعطيل الحسابات التي لا تتوافق مع الحد الأدنى للسن المسموح بها للإبحار في مواقع التواصل الاجتماعي والولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي. ومن نتائج هذه السياسة الحمائية أن تطبيق «تيكتوك» أعلن عن تغييرات، امتثالا لقواعد أوروبية جديدة صارمة. تضاف إلى الحالات السالفة حالة دولة الأردن التي قررت الحجب النهائي لتطبيق «تيكتوك»، لتداعياته على السلم الاجتماعي، وتحريض مرتاديه على العنف وثقافة الكراهية.

في هذا السياق، تصبح البنيات المجتمعية، مثل الأسرة والمدرسة والحزب متجاوزة ولا تستجيب لطبيعة التنشئة الافتراضية التي نهل منها جيل الأطفال واليافعين والمراهقين والشباب، بل صارت بمثابة «تحف» و«آثار» و«بقايا» تحيل على فترة تاريخية خلت، ومرجعياتها تشكل بالنسبة إلى جيل الشبكات الاجتماعية بنيات «أناكرونية»، توجد خارج العهد الافتراضي. من هذه الزاوية يمكن استنتاج أن الفضاء الافتراضي تحول جراء هذه المفارقة إلى مساحة تتيح لفئات الشباب والأطفال واليافعين مواطنة تجعل من مرتكزات الحقوق والواجبات مرتكزات تتأرجح بين الانفتاح والتسامح والتداول الديجيتالي، وضدها أي الانغلاق والإقصاء والتنافر الافتراضي.

 

كما أن وتيرة الإدمان والتتبع واليقظة التي تمخضت عن التقنية الرقمية، قد تسببت في تصريف جميع أدوار الفضاء العمومي الواقعي المغربي، ومقايضتها بهوامش ومساحات «الحرية»، التي توفرها البيئة الافتراضية، والتي تعكس حمولتين متناقضتين وبفاعلين جدد على شكل «أسراب» دون قيادات. تخط وتسلك هذه «الأسراب» طريقها لوحدها في محاولة لتصنيع البحث عن الحقيقة في أفق استخدام مفرط للذكاء الاصطناعي، حيث صارت الحقيقة المتداولة ضمن نْيُوتَمَغْرِبِيتْ هي الحقيقة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وهي حقيقة تبنى فيها مقومات المواطنة الافتراضية على حقيقة بالتفويض.

لهذا يظهر أن الريبرتوار الافتراضي المغربي يمر من مرحلة متاهات التفاهة الديجيتالية والأخبار الزائفة إلى زمن تراكمات الذكاء الاصطناعي. يثير هذا التحول تساؤلات نقدية حول فقدان العمق الإنساني في العلاقات، إذ قد تكتسي التفاعلات الافتراضية طابعا سطحيا يفتقر للتواصل المباشر. كما يكشف الاعتماد المتزايد على الوسائط الرقمية عن مخاطر تتعلق بتجزئة الروابط الاجتماعية والتحكم في تدفق المعلومات، مما يستدعي إعادة تقييم مستمرة لإيجاد توازن بين الاستفادة من إمكانيات البيئة الافتراضية، والحفاظ على القيم الاجتماعية الأصيلة المغربية.

 

 

  1. ورد في الكتاب مفهوم «الحقيقة بالتفويض»، هل أصبح المواطن يستهلك حقائق جاهزة تنتجها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي بدل البحث والتحقق بنفسه؟

في هذا السياق، تصبح البنيات المجتمعية مثل الأسرة والمدرسة والحزب متجاوزة ولا تستجيب لطبيعة التنشئة الافتراضية، التي نهل منها جيل الأطفال واليافعين والمراهقين والشباب، بل صارت بمثابة «تحف» و«آثار» و«بقايا» تحيل على فترة تاريخية خلت، ومرجعياتها تشكل بالنسبة إلى جيل الشبكات الاجتماعية بنيات «أناكرونية»، توجد خارج العهد الافتراضي. من هذه الزاوية يمكن استنتاج أن الفضاء الافتراضي تحول جراء هذه المفارقة إلى مساحة تتيح لفئات الشباب والأطفال واليافعين مواطنة تجعل من مرتكزات الحقوق والواجبات مرتكزات تتأرجح بين الانفتاح والتسامح والتداول الديجيتالي، وضدها أي الانغلاق والإقصاء والتنافر الافتراضي.

كما أن وتيرة الإدمان والتتبع واليقظة التي تمخضت عن التقنية الرقمية، قد تسببت في تصريف جميع أدوار الفضاء العمومي الواقعي المغربي ومقايضتها بهوامش ومساحات «الحرية»، التي توفرها البيئة الافتراضية، والتي تعكس حمولتين متناقضتين وبفاعلين جدد على شكل «أسراب» دون قيادات. تخط وتسلك هذه «الأسراب» طريقها لوحدها في محاولة لتصنيع البحث عن الحقيقة في أفق استخدام مفرط للذكاء الاصطناعي، حيث صارت الحقيقة المتداولة ضمن نْيُوتَمَغْرِبِيتْ هي الحقيقة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وهي حقيقة تبنى فيها مقومات المواطنة الافتراضية على حقيقة بالتفويض.

ومن التبعات المباشرة لهذه الوضعية الافتراضية يمكن الإشارة إلى بروز ممارسة سياسية جديدة، تتمثل في رغبة الأفراد الديجيتاليين والمجموعات الافتراضية تجاوز وساطة جميع البنيات السياسية والمدنية والنقابية والمؤسساتية المنظمة، والتحرك تلقائيا دون مواجهات مباشرة مع السلطة بالارتكاز على ممارسات رقمية تنهل من الذكاء الاصطناعي وبعض التقنيات الإلكترونية. تعتمد هذه الممارسات على تقنيات وخاصيات من قبيل «بارطجي » و«لوح» و«شارك» و«فضح»… (في «الفايسبوك» أو في «الإنستغرام» أو «الواتساب» أو في «إكس»…) كأداة للإخبار والفاعلية والإقناع والتوافق والانخراط الجماعي في جميع الإشكالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والحقوقية والتنموية، التي تندرج تحت منطق نْيُوتَمَغْرِبِيتْ واستحقاقات المواطنة الافتراضية.

في هذا المضمار صار التواصل الأفقي والعمودي حول سؤال التنمية من داخل منظومة مواطنة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ مرتهنا بأدوات تفاوضية وآليات تداولية واستراتيجيات ترافعية نوعية، تنصت لاقتراحات ومشاريع الساكنة الواقعية والافتراضية، وتؤسس لها إطارا للانخراط التدبيري. يتطلب لزاما هذا النوع من الانخراط تفعيل نموذج وطني مغربي متجذر، يحتضن نماذج ترابية جهوية ومحلية تتماهى مع قيم «مُوَاطَنَة جديدة» في صيغة نْيُوتَمَغْرِبِيتْ، أنتجتها ثنائية المواطنة الواقعية والمواطنة الافتراضية.

 

 

 

 

سعيد بنيس

 

كاتب وأستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، مدير مركز الأبحاث والدراسات الإنسان والمجال والمجتمع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، أستاذ زائر بكوريا الجنوبية وفرنسا وعضو في لجان علمية لمراكز ومجلات وطنية وأجنبية، يعرف على الخصوص باشتغاله على القيم المجتمعية والديناميات الهوياتية والممارسات الافتراضية. له عدة مؤلفات منها:

 

 Territoire, Région et Langues au Maroc (2011)

  • تَمَغْرِبِيتْ.. محاولة لفهم اليقينيات المحلية (2022)
  • من التعدد إلى التعددية. محاولة لفهم رهانات السياسة اللغوية بالمغرب (2023)
  • نْيُوتَمَغْرِبِيتْ.. من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية (2026).

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى