
إعداد وتقديم: سعيد الباز
لم تعد كرة القدم شأنا رياضيا محدودا في محيطها الأساسي بين الحواري في السابق والملاعب حاليا، بل أصبحت اليوم تحظى بمكانة هامة في حياتنا بما تحمله من أبعاد اجتماعية ونفسية وإعلامية واقتصادية. الأمر الذي دفع الكتاب والأدباء في أمريكا اللاتينية، على الخصوص، إلى الدعوة إلى أدب لكرة القدم، يستمدّ روحه ومادته الإبداعية من صلب هذه اللعبة.
روبرتو فونتانا روسا.. حكاية عامل غرف
يمكن اعتبار الكاتب ورسام الكاريكاتير الأرجنتيني روبرتو فونتانا روسا Roberto Fontanarrossa أشهر كاتب لأدب كرة القدم، حيث اشتهر بقصصه حول عالم الكرة المليئة بمواقفها الساخرة المتميّزة بغرائبية طقوسها وأجوائها في أمريكا اللاتينية. في «حكاية عامل غرف، مختارات من أدب كرة القدم الأرجنتيني»، لا يتحدث الكاتب عن كرة القدم من زاوية اللاعبين والمدربين، ولكن من خلال شخصية عامل غرف في الملعب ليلتقط لنا صورا ساخرة ومعبرة عن واقع كرة القدم، خاصة في الأرجنتين: «يقول البعض إن أفضل مركز في كرة القدم هو رأس الحربة، فيما يرى آخرون أنه صانع الألعاب، أتحدث عن صانع الألعاب بصورته القديمة، حينما كان مسؤولا عن قيادة الفريق اللاعب الأكثر مهارة وصاحب أكبر موهبة، لكن أقول دائما إن الأفضل هو مركزي، مركز عامل الغرف، بكل ما تتضمنه المسألة من قمصان وسراويل قصيرة وأحذية، لأن العمل مديرا فنيا مصيبة، وصدقني في ما أقوله لأنني أعلم هذا. رأيت عددًا لا نهائيا من المدربين هنا، بعضهم بقوا لفترة وآخرون لم يستمروا، لكن كلهم كانوا يعيشون بقرحة ضخمة من ضغط النتائج وحماقات الجمهور ومطالب الإداريين. شاهدت مدربين يبكون في غرفة المغسلة عقب خسارة مباراة مثل المسكين استیبان توربيو، الذي وصل للنادي رجلا سمينا كثير المزاح بوجه نابض بالحياة، لكنه رحل بركلة في مؤخرته عقب ثلاثة شهور، بعدما فقد ثمانية كيلوغرامات – وأقسم لك- بشحوب مؤسف يرتسم على وجهه.
على النقيض، فإن عامل الغرف، كما هي حالتي، دائما ما يتواجد هناك صامتا ومجهولا. يجهز شراب الماني للفتية ويرتب القمصان ويعد أزواج الجوارب ويرى إذا كان هناك سروال قصير ضائع. يتواجد مختبئا أسفل القاعدة الإسمنتية للمدرجات، كأنه في خندق أتعرف؟ أحد هذه الخنادق المصنوعة بالكامل من الإسمنت التي تبرز بالكاد من الأرض وقد يراها المرء في الأفلام. تبقى هناك طوال اليوم، ليلا ونهارا، تحت الأضواء الصناعية دائما، مدفونا وأنت على قيد الحياة، لكن في الوقت نفسه مطمئنا. تستمع إلى الهدير العالي القادم من المدرجات الموجودة فوقك والصراخ والصافرات، بل وأحيانا – أقسم لك أن الأمر مذهل – اهتزاز الطبقة الإسمنتية، رعشتها، كأنها زلزال، أو كأن تلك الكتلة الخرسانية المكونة من الطوب والإسمنت ستسقط وتنهار ومعها آلاف وآلاف الأشخاص، فوق رأسك.
أعترف بأنه عمل مجهول، بل وربما مجهول للغاية. أحلم دائما بأن الاتحاد الأرجنتيني سيقرر يومًا ما إدراج أسماء عمال الغرف حينما يعلن تشكيل الفرق، أو عرضها فحسب بأحرف صغيرة على اللوحة الإلكترونية، حسنا بأحرف أصغر من تلك التي تعرض بها أسماء اللاعبين والمدربين والبدلاء. كل ما يهم أن تعرض فحسب… دعني أخبرك حتى لو لم تصدقني – بأن هذا العمل روحاني للغاية، حتى ولو لم يبد الأمر كذلك… بدأت عامل غرف بصورة مؤقتة وها أنا هنا بعد خمسة وعشرين عاما أعيش من هذه الوظيفة، لأنه.. من ناحية أخرى… ما الذي قد يفعله عامل غرف ليتعرض للطرد؟ إنه أمر صعب للغاية، لا يمكنهم تحميله أي ذنب إذا كان مستوى الفريق صعبا، لا يمكنهم تحميله مسؤولية وجود الفريق في مركز سيئ بجدول الترتيب».
أليكس بيلوس
كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية
يقدّم لنا الكاتب والصحافي البريطاني أليكس بيلوس، في كتابه الشهير «كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية»، تاريخ كرة القدم في البرازيل ومكانة هذه اللعبة لدى الشعب البرازيلي وأهم ميزاتها ودورها في تكوين الشخصية البرازيلية: «… يلعب البرازيليون كرة القدم بطريقة مختلفة أو على الأقل هذا ما كانوا يفعلونه، وحتّى لو لم يفعلوا ذلك مجددا، فإنّ طريقتهم السابقة في اللعب أصبحت علامة تجارية خاصة بهم، إنّها السامبا البرازيلية! فهم يلعبون كما يرقصون، إذ يعتمد الفريق البرازيلي على المهارات الفردية للاعبين والركلات الفنية، والضربات المبتكرة، كما يختار الفريق الهجوم السريع دائما وليس الدفاع، ممّا يوفر متعة فائقة للمشاهد وتوترا في أثناء متابعة المباراة. وهكذا فالبرازيليون ليسوا رياضيين فقط، وإنّما فنانون أيضا، يقدمون لوحات جميلة داخل الملعب تلهب حماس الجمهور وتثير إعجابه. يبدو أنّ البرازيليين كانوا يلعبون بهذه الطريقة منذ البداية، ومع أنّ المنافسات الحقيقية لم تكن موجودة، إذ كانت المقابلات الرياضية نادرة، وليست هناك بطولات محددة تلتقي فيها الفرق، وبحلول عام 1919 تمّ تنظيم كاس أمريكا الجنوبية، فبدأ الأسلوب البرازيلي يُظهر تميّزا عن الأساليب الكروية الأخرى.
وفي مقال كتبه الصحافي أمريكو نيتو بعنوان «المبادرة البرازيلية» يظهر مميّز السامبا البرازيلية مبكرا، فيقول الكاتب: «خلافا للمدرسة الإنجليزية في كرة القدم التي تعتمد التقاط الكرات في خط الوسط، ثم التمرير حتّى تصل الكرة إلى أقرب نقطة من مرمى الخصم ليتم التسديد، فإنّ المدرسة البرازيلية تعتمد على التسديد من أيّ نقطة في الملعب ومن أيّ مسافة، ذلك أنّ دقّة التسديد تأتي في المقام الأول، لا المسافة التي يتم التسديد منها، وهكذا فليس بالضرورة أن يتقدم خط الهجوم كاملا نحو مرمى الخصم، بل يكفي أن يستحوذ لاعب أو اثنان على الكرة، ثم يسددها من أيّ مكان لتتولى سرعة التسديد وعنصر المفاجأة إرباك خط الدفاع لدى الخصم والوصول إلى الهدف».
يعود الفضل في أسلوب اللعب هذا لأنّ معظم اللاعبين البرازيليين تعلّموا لعب كرة القدم بطريقة غير رسمية في الشوارع والحارات، حيث الهدف الأساسي الحصول على الكرة بأي طريقة ثم التهديف من أي مسافة، ولم يعتادوا القوانين والحسابات في الملعب، وإنّما كان الهدف إظهار المهارات الفنية الفردية والموهبة الفذة، وقد يرجع ذلك أيضا إلى سمات الشخصية البرازيلية ذاتها، فالبرازيل هي بلد الكرنفالات وكلّ يسعى لإظهار أفضل ما لديه… يُرجع بعض المؤرخين اعتماد اللاعب البرازيلي على المناورات الفردية والتسديد عن بعد إلى بدايات اللعبة في البرازيل، عندما كان اللاعبون السود يعانون من التمييز العنصري ضدّهم، لذلك كانوا يتجنبون ايّ احتكاك جسدي مع اللاعبين البيض في الملعب، حتّى لا يُطردوا من المباراة، وهكذا أخذوا يطورون مهاراتهم الخاصة في الاحتفاظ بالكرة والدوران حول دفاع الخصم، والتسديد من مسافات بعيدة، وأصبح هذا أسلوبهم المميّز.
وصلت كرة القدم إلى البرازيل بالتزامن مع الصحوة القومية للبلاد التي تحولت إلى النظام الجمهوري عام 1889، وكانت في طور البحث عن سمات هويتها الخاصة، وهكذا أصبحت هذه اللعبة أحد الرموز التي تبناها أبناء هذا الشعب في أثناء بحثهم عن هويتهم، أمّا السياسيون فلم يدخروا الفرصة لاستغلال شعبية هذه اللعبة وتأثيرها على الناس، كما فعل الرئيس جيتالو فارغاس الذي استلم السلطة عام 1930، واستغل اللعبة لتعزيز أفكاره القومية وترسيخ مبدأ التجانس الاجتماعي بين الأعراق المختلفة التي تكوّن المجتمع البرازيلي».
إدواردو غاليانو.. كرة القدم في الشمس والظل
خص الكاتب والروائي الأوروغوياني، إدواردو غاليانو، كرة القدم بكتاب كامل يتطرق فيه إلى عدة أوجه لكرة القدم ومكوناتها الأساسية سمّاه «كرة القدم في الشمس والظل». الكتاب، الذي ترجمه صالح علماني، عبارة عن تاريخ مفصل لهذه اللعبة متوقفا عند رمزيتها لدى الكثير من الشعوب في العالم.. لكنّه تحدث عن علاقته الشخصية بكرة القدم: «لقد رغبت مثل جميع الأروغوانيين في أن أصبح لاعب كرة قدم. وقد كنت ألعب جيّدا، كنت رائعا، ولكن في الليل فقط، في أثناء نومي: أمّا في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي. لقد مرّت سنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي: فأنا مجرّد متسوّل أطلب كرة قدم جيّدة. أمضي عبر العالم حاملا قبعتي، وأتسوّل في الملاعب: «لعبة جميلة حبّا في الربّ». وعندما أرى كرة قدم جيّدة، أحمد هذه المعجزة دون أن يهمّني… من هو النادي أو البلد الذي قدّم ذلك اللعب الجيّد». لكن الكاتب يقدم، أيضا، قراءة نقدية لواقع كرة القدم الاحترافية: «تاريخ كرة لقدم رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب. فكلما تحولت ھذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب. وفـي عالم نھاية قرننا ھذا، تستنكر كرة القدم الاحترافـية ما ھو غير مفـيد، وما ھو غير مفـيد فـي عرفھا ھو كل ما لا يعود بالربح. وليست ھناك أية أرباح تجنى حين يتحول الرجل، لبرھة، إلى طفل، يلعب بالكرة مثلما يلعب الطفل بالبالون ومثلما تلعب القطة بكبة خيوط صوفـية: يصبح راقصا يرقص بكرة خفـيفة مثل البالون الذي يطير فـي الھواء أو مثل كبة الصوف التي تتدحرج، لاعبا دون أن يدري أنه يلعب، ودون أن يكون ھناك سبب أو توقيت حكم. لقد تحول اللعب إلى استعراض، فـيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنّها كرة قدم للنظر. وتحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحا فـي العالم، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب. لقد راحت تكنوقراطية الرياضة الاحترافـية تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة والقوة الكبيرة، وتستبعد الفرح، وتستأصل المخيلة وتمنع الجسارة. ومن حسن الحظ أنه مازال يظھر فـي الملاعب، حتى وإن كان ذلك، فـي أحيان متباعدة، وقح مستھتر يخرج على النص ويقترف حماقة القفز عن كل الفريق الخصم وعن الحكم وجمھور المنصة، لمجرد متعة الجسد المنطلق إلى مغامرة الحرية المحرمة». وفي وصف رائع للحكم يقول الكاتب: «الحكم ھو متحكم فـي التعريف. إنه الطاغية البغيض الذي يمارس دكتاتوريته دون معارضة ممكنة، والجلاد المتكبر الذي يمارس سلطته المطلقة بإيماءات أوبرا. الصفارة فـي فمه، ينفخ الحكم رياح القدر المحتوم ويمنح الأھداف أو يلغيھا. البطاقة فـي يده، يرفع ألوان الإدانة: الأصفر لمعاقبة المذنب وإجباره على الندم، والأحمر يلقي به إلى المنفى. حكام التماس الذين يساعدون، لكنھم لا يأمرون، ينظرون من الخارج. الحكم وحده ھو من يدخل ميدان اللعب؛ وھو محق تماما حين يرسم إشارة الصليب لدى دخوله، فور أن يطل أمام الحشود المزمجرة. فعمله يتلخص فـي جعل الآخرين يكرھونه: الجميع على الدوام، ولا يصفقون له مطلقا يكرھونه. يصفرون له. لا أحد يركض أكثر منه. فھو الوحيد المضطر إلى أن يجري، مقصوم الظھر كالحصان، طوال الوقت».
أشرف عبد الشافي.. المثقفون وكرة القدم
يتناول الكاتب الروائي والصحافي المصري أشرف عبد الشافي، في كتابه «المثقفون وكرة القدم»، أبرز الشخصيات الأدبية العالمية والعربية وارتباطها الوثيق بكرة القدم ممارسة وتعلقا بها، من نجيب محفوظ إلى ألبير كامو وغيرهم من الكتاب والمفكرين البارزين: «… كثيرون يجهلون مرحلة حراسة المرمى في حياة ألبير كامو، وكثيرون يجهلون بداية عظماء الأدب والفلسفة، وهذا ما انتبهت إليه ألمانيا قبل تنظيم كأس العالم 2006، وكان مفاجئا للعالم كلّه أن تجعل الأدب جزءا من عملية الترويج الإعلامي لأهمّ بطولة كروية، وتمّ توجيه الدعوة لعدد من أهمّ أدباء العالم لحضور المونديال، ولم يتردد منظمو البطولة في تخصيص قسم خاص للأدب تحت عنوان «أدب الأقدام في المونديال»، وكان الجمهور، قبل دخول الملعب للاستمتاع بالساحرة المستديرة، يشاهد في هذا القسم أهمّ الكتب والروايات التي اهتمت بكرة القدم. وكان الكاتب البرازيلي باولو كويلو والإيطالي أمبرتو إيكو من نجوم المونديال. وكتب أمبرتو إيكو عن اللعبة الأشهر في العالم مقالا أكد فيه أنّ عشق كرة القدم متعة لا تنتهي وأنّ مشاهدة المباراة وحدها لا تكفي، فهناك متعة في متابعة التعليقات وقراءة الصحف ومشاهدة القنوات الفضائية والملصقات الخاصة بالمباريات: «سيكون ذلك بلا ملل، فالكرة ظاهرة اجتماعية تستحق أن تكون متعة الحياة اليومية». وشهدت معظم المدن الألمانية اهتماما كبيرا بالأدب من خلال كرة القدم خلال المونديال، ودخل الشعر الإعلانات والملصقات الدعائية، وتمّ اقتباس مقولات الأدباء والفلاسفة ووضعها في محطات المترو والمقاهي. وكانت المفاجأة الأكبر دعوة الكاتب غونتر غراس، الألماني الحائز على جائزة نوبل، ليقرأ مقاطع من أعماله في الملعب الرئيسي للمونديال. وامتلأت المدرجات بالجمهور، فهذا الكاتب هو أشهر روائي ألماني حي، فهو صاحب الدعوة الشهيرة للألمان كي يتخلصوا من مرحلة النازية كأنّها لم تكن، وظل حريصا على دعوته كي يتقدم المجتمع الألماني دون شعور بالخزي أو العار. وصفق الجمهور لغونتر غراس قبل أن يصفق لنجم الكرة الألماني مايكل بالاك…
ومن إيطاليا حيث الشاعر والكاتب والمخرج السينمائي الشهير بيير باولو بازوليني، الذي كان يرى أنّ كرة القدم تشبه طقسا إغريقيا رائعا مثل الطقوس التي صنعت المسرح الروماني القديم، ومازالت كرة القدم تصلح بديلا عن العروض المسرحية. ويوضح بازوليني: «الملعب ساحة متكاملة فيها صراع ودراما وهزيمة وانتصار وفرحة وانكسار». وكان بازوليني أوّل من قال إنّ كرة القدم «لغة» لأنّها تضمّ مجموعة من الرموز التي يمكن فهمها والتعامل معها دون الحاجة إلى أيّة لغة أخرى… وعندما سألوه عمّا كان يريد أن يكونه لو لم يكن أديبا وسينمائيا قال: «لاعب كرة ماهرا، بعد السينما تعتبر كرة القدم من أعظم المتع بالنسبة لي».
كان الروائي البرازيلي جورجي أمادو يرى أنّ كرة القدم تحدد ثقافة الشعوب، وأنّ عظمة البرازيل تسكن بين أقدام الموهوبين في تلك اللعبة، حيث قال: «إننا شعب مخلوق لتلك اللعبة وهي مخلوقة لنا، هي تسلية الفقراء ومتعتهم». وكان انشغال جورجي أمادو بكرة القدم طبيعيا للغاية ليس فقط لأنّه برازيلي، ولكن لنشأته وسط مجتمع يعاني الفقر ويبحث عن المتعة، ورفض أمادو الكتابة عن أيّ عالم آخر غير هؤلاء البرازيليين البسطاء، وكان دائما يقول: «الفلاحون، لاعبو كرة القدم، عساكر الجيش، المجرمون هم أبطال رواياتي».
كرة القدم.. شهادات عربية
يوثق الشاعر محمود درويش، في كتابه «ذاكرة للنسيان»، لحصار بيروت ولكأس العالم الذي تزامن مع الحصار معلنا عن حبه لكرة القدم: «ونحن أيضا نحب كرة القدم، ونحن أيضا يحقّ لنا أن نحبّ كرة القدم. ويحقّ لنا أن نرى المباراة، لم لا؟… لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟ في أحد الملاجئ استطعنا استيراد الطاقة الكهربائية من بطارية سيارة. وسرعان ما نقلنا «باولو روسي» إلى ما ليس فينا من فرح. رجل لا يرى في الملعب إلّا حيث ينبغي أن يُرى. شيطان نحيل لا تراه إلّا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائرة القاذفة لا ترى إلّا بعد انفجار أهدافها. وحيث يكون باولو روسي يكون «الغوول»، يكون الهتاف، ثمّ يختفي أو يتلاشى ليفتح مسارب الهواء من أجل قدميه المشغولتين بطهو الفرص وإنضاجها وإيصالها إلى أوج الرغبة المحققة. لا تعرف إن كان يلعب الكرة أم يلعب الحب مع الشبكة. الشبكة تتمنع، فيغويها ويغاويها بفروسية إيطالية أنيقة على ملعب إسباني حار. ويغريها بانزلاق القطط الهائجة المائجة على صراخ الشهوة، وعلى مرأى من حراس العرض المصون الذين يعيدون إغلاق بكارة الشبكة بغشاء من عشرة رجال. يتقدم باولو روسي بكامل الشبق، يتقدم لاختراق شبكة قابلة للنيل من عضلة هواء مرتخية عجزت عن المقاومة، فاستسلمت لاغتصاب جميل. كرة القدم، ما هذا الجنون الساحر، القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج! وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الأوّل مع امرأة مجهولة… وكرة القدم هي التي حققت المعجزة، خلف الحصار، حين حركت الحركة في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر».
من جانبه يعود الشاعر الأردني أمجد ناصر إلى طفولته وعلاقته بكرة القدم: «العلاقة بين الشعر وكرة القدم أوثق مما تظنون، مع أنَّ لا علاقة فعلية بينهما!… واسمحوا لي بالبرهنة عليها.
كرة القدم والشعر نشاطان متلازمان في عمر البشر المعاصرين (دعوني أقول الذكور). ولكن، في سنٍّ معينة بعد ذلك، يفترقان، ربما، إلى الأبد. كلّ مراهق لَعِبَ كرة قدم. ليست هناك مدرسة، على الأغلب، ليس فيها فريق كرة قدم. وليست هناك حارة لا تتحول شوارعها، ساحاتها، مناطقها الخلاء، إلى ملاعب كرة قدم. قد لا تكون كرةً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل لفافات قماش. الآن، وفَّر البلاستيك أشكالاً عديدة من الكرات، وبأسعار مقدور عليها.
كنا أبناء حارات شعبية، والتحقنا بالمدارس الحكومية. لا أذكر أحداً من أبناء الحارة لم يلعب «كرة» قدم. لا أتحدث عن المهووسين بهذه اللعبة (وهم كثر)، ولكن، حتى عمّن لم يهتموا بالرياضة والأنشطة البدنية، فإن لم تلعب كرة قدم في حي شعبي، ماذا عساك تفعل بفوران جسدك؟ ففي تلك الحارات التي لم تكن فيها شوارع معبَّدة، لا وجود لـ«مرفق» لتصريف النشاط البدني، هناك «الزعرنة» والعصابات وسكاكين الكبّاس. وهناك كرة القدم، أقصد الكرات القماشية التي كانت مناسبة جداً لأقدامنا الحافية.
كانت هناك نوادٍ رياضية في مركز المدينة، لها فرق «محترفة»، ولكن هذا الطور من العلاقة بكرة القدم يحدث بعد افتراق الكرة عن الشعر، ولنخبة محدودة جداً من الشبان، أولئك الذين كنا نحسدهم على انتمائهم إلى نادٍ له شعاره وقميصه الخاصّان، أولئك الذين سيرتدون شورتات وأحذية رياضية حقيقية، و«يشوطون» كرة قدم حقيقية أيضا».
رف الكتب المغرب.. السمات التاريخية والحضارية
يدخل كتاب «المغرب، السمات التاريخية والحضارية.. أسماء الأماكن، المفكرون والمدن العتيقة» للأكاديمية والكاتبة المغربية ليلى الرهوني، ضمن سلسلة من الدراسات التاريخية التي تمنح امتيازا أكبر للمظاهر السوسيو اقتصادية واهتماما أكثر بالبنيات الاجتماعية وللوسائل وأنماط الانتاج في الكتابة التاريخية واتّخاذ منهج يتبنى نوعا من الدراسة تتوخّى الاستفادة بشكل متكامل من شتى العلوم والأدب في كلّ تعبيراته المتنوعة والفنون والمعمار وأشكال العيش. فكما يلاحظ المقدّم، منذ البداية، أنّ المغرب مرتبط بشكل كليّ بتاريخ إفريقيا الشمالية وبالتالي يتحتّم على الدارس أن يتطرّق إلى تاريخ الأمازيغ والشعوب والأمم التي ارتبط بها قبل دخول العرب المسلمين إلى المشهد التاريخي لهذه المنطقة حيث شكّلوا في ما بعد مكوّنا من المكونات الأخرى لتاريخ شمال إفريقيا. إنّ دراسة المجتمعات المستوطنة لهذه المنطقة الشاسعة -بغضّ النظر عن التسمية التي تشكّل الهدف الأساسي من تأليف الكتاب- اقتضى من المؤلّفة دراسة المظاهر الإنسانية والروحية والقانونية والاقتصادية من خلال الانتاج الفلسفي والعلمي والمعماري سواء منها مجتمعات الترحال أو الاستقرار الحضري، مع مراعاة السياق التاريخي والتحوّلات الكبرى التي شهدتها المنطقة وفي الوقت نفسه أخذ المسافة الضرورية من جهة بالتأريخ الكولونيالي والاستعماري والتوليفات مركبة الإيديولوجيات المعاصرة.
ولعلّ من أهمّ الصعوبات، التي تواجه أيّ بحث أو دراسة في هذا المضمار المتعلّق بتاريخ المغرب، تلاحظ المؤلفة، في فصل «مكر الجغرافية، المغرب واختزال الاسم جغرافيا»، أنّ تسمية المغرب كانت دائما من موقع جغرافي باتّجاه آخر فاليونانيون أطلقوا عليه: الغرب البعيد أو الأقصى، أما العرب فتبنوا تسميتين بحسب الموقع والاتّجاه المغرب الأقصى /المشرق، وفي مرحلة تالية: عدوة المغرب/عدوة الأندلس. إنّ تاريخ المغرب كان دائما إعادة كتابة متواصلة من أجل إضفاء صبغة شرعية على وضع راهن، ومن بينه حاضرنا المعاصر، فمن اللافت للنظر أنّ في حالة المغرب كانت الجغرافية المحدّد الأساسي في تاريخ المغرب وتسميته. لكن الإشكال الذي بالإمكان طرحه في هذا الصدد هو أنّ الجغرافية في كلّ الأحوال لابدّ لها من تاريخ لا يسير في الضرورة بتوازٍ عنها ولا يمكنها أن تحلّ محلّه أو أن تصنع لوحدها تاريخا خاصّا بها. لأنّ تسمية المغرب وعبر مراحل متعدّدة شكّلت هويته التاريخية فمن الفينيقيين والإغريق والرومان والعرب حتّى القرن 17م مع تسمية المغرب بالإمبراطورية الشريفة وأخيرا في القرن 20م مملكة المغرب. وهنا يمكن أن نستعرض، على سبيل المثال، إرجاع سكان شمال إفريقيا إلى أصل طروادي، وسعي المؤرخين العرب الحثيث من جهة إلى محو مرحلة ما قبل الإسلام ومن جهة ثانية إلى تبنّي أطروحة أصل الأمازيغ اليمني أو الكنعاني… فلماذا لا نبدأ بالعكس ونتساءل في قضية الأصول التاريخية هذه بتساؤل غابريال غامب: «لماذا لو أنّ الأمازيغ لم يأتوا من أيّ مكان؟».
إضافة إلى ذلك يتناول الكتاب، في فصله الأوّل، مراحل ما قبل التاريخ في المغرب، ووجود الإنسان في هذه المنطقة والمخلفات واللقى الأثرية التي تمّ الكشف عنها. وفي العموم الفصل ذو صبغة أركيولوجية غايته إلقاء الضوء على هذه المرحلة الموغلة في القدم وإثبات وجود الإنسان في هذه المرحلة القديمة من التاريخ والانتهاء إلى فرضية إنسان قفصة (l’Homme capsien) واعتباره الجد الأعلى للأمازيغ ومنه تفرّعت الشعوب الأولى…
تستعرض الكاتبة الأسماء المختلفة للمغرب عبر التاريخ، متسائلة هل أطلنتيس أسطورة أم تاريخ؟ مشيرة إلى أن اسم أطلنتيس أوّل ما ذكر على لسان الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وحسب روايته يتحدث عن جزيرة أو أرخبيل أو حتى قارة، حيث حدّد موقعها قبالة المحيط وذكر أنّ حجمها يفوق حجم ليبيا وآسيا مجتمعتين، وأنّ البحارة في ذلك العهد كان بإمكانهم الوصول إلى القارة المقابلة في المحيط.
سيتردّد الكلام عن أطلنتيس لدى الكثير من المؤرخين اليونانيين بتفاصيل كثيرة مرتبطة بالأساس الميثولوجي الإغريقي الذي ما زلنا نلمسه في الكثير من أسماء الأماكن والمعالم الجغرافية في المغرب، ويدعو الكثير من الباحثين إلى طرح فرضيات عن صلة ما بين الحضارة المصرية القديمة وحضارة المايا والأزتك في أمريكا اللاتينية الحالية وضرورة وجود رابط قاري قد تكون هي أطلنتيس الجزيرة اللغز.
إصدارات رحلة القاصدين ورغبة الزائرين
صدر، عن مكتبة دار الأمان بالرباط (2026)، كتابٌ جديد يندرجُ ضمن أدب الرحلة، هو «رحلة القاصدين ورغبة الزائرين» للرحالة المغربي عبد الرحمن بن أبي القاسم الشاوي المزمزي الغنامي (1142هـــ/1728م). قام بتحقيق الكتاب الدكتور سليمان القرشي الباحث في الأدب المغربي، الذي تكرّس اسمه خاصة في مجال أدب الرحلة، الذي أغناه بعدد من الدراسات والتحقيقات، لعل أهمها «رحلة ماء الموائد» لعبد الله العياشي و»رحلة من المغرب إلى الحجاز عبر أوربا» لمحمد الغيغائي اللتيْن نال بهما جائزة ابن بطوطة التي يرعاها مركز ارتياد الآفاق بدولة الإمارات العربية المتحدة.
يمثّل الكتاب الجديد للباحث سليمان القرشي «رحلة القاصدين ورغبة الزائرين» إضافة نوعية للرحلات الحجازية كما ترسخت في أدبيات الرحلة إلى بيت الله الحرام مشرقا ومغربا؛ وذلك بانبنائها على المرتكز الديني من خلال احتفائها بالبيت الحرام اعتبارا لرمزيته الكبرى وقدسيته في العقيدة الإسلامية.
الكتاب المذكور يغني سجلات الرحلة ضمن نسيج الثقافة المغربية، من خلال ما تحصّل لدى الغنامي المزمزي في هذه الرحلة من مشاهدات ومطالعات ولقاءات، وما أفاده من البركات وصالح الدعوات بزيارة المشايخ والأولياء والصالحين؛ جامعًا بذلك بين الحج الشرعي الشعائري والحج العُرفيّ. احتفى الغنامي في رحلة القاصدين –كغيرها من الرحلات- بوصف الأمكنة وتسجيل ما تثيره من انفعالات لديه متراوحة بين التفاعل والحياد. إضافة إلى وصفه الآخر باعتباره غير الأنا، المخالف له في الملة والعقيدة والمذهب.
اعتبارا لكل ذلك يمثل تحقيق الدكتور سليمان القرشي لهذه الرحلة وصدورها حدثا أدبيا وثقافيا جديرا بالانتباه، وإضافة مهمة لسجل الرحلات المغربية إلى بيت الله الحرام التي تتجاوز بعدها الديني أو الشعائري لتكشف لنا عن المنظومة الدينية للإنسان المغربي وطبيعة العلاقات بين المشرق والمغرب وصورة كل واحد منهما عن الآخر خلال القرن 18 الميلادي.
متوجون جائزة بوكر الدولية 2026
أعلن، أخيرا، عن فوز رواية «يوميات تايوان» للكاتبة التيوانية يانغ شوانغ تسي بجائزة بوكر الدولية لسنة 2026 مناصفة مع المترجمة التايوانية- الأمريكية لين كينغ.
تدور أحداث الرواية في تايوان، خلال ثلاثينيات القرن الماضي، أثناء خضوع الجزيرة للحكم الاستعماري الياباني. تتابع الرواية شخصية الكاتبة اليابانية أووياما تشيزيكو ومترجمتها التايوانية في تجوالهما في أرجاء الجزيرة.
تقول لجنة التحكيم عن الرواية: «بفضل حواراتها المثيرة والتواءاتها السردية، تشدّ القارئ وتحقق إنجازا مذهلا بين نجاحها كقصة حب، ورواية ما بعد الاستعمار حادّة في آن واحد».
جدير بالذكر أنّ الرواية صدرت سنة 2026 وهي أوّل رواية مكتوبة باللغة الصينية المندرينية حظيت بهذه الجائزة العالمية المرموقة والمخصصة للأعمال الأدبية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، علما أنه سبق لها أن فازت، أيضا، بأهم جائزة أدبية في تايوان.
جائزة المغرب للكتاب جائزة الشعر مناصفة بين الصغير والسرحاني
الرافعي وبندحمان يقتسمان جائزة القصة
أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن أسماء الفائزين بالدورة الـ56 لجائزة المغرب للكتاب برسم سنة 2025، عقب انتهاء أشغال اللجان المكلفة بقراءة وتقييم الكتب والمصنفات المرشحة. وأفاد البلاغ الصادر عن الوزارة بأن جائزة الشعر منحت مناصفة لكل من مخلص الصغير، عن ديوانه «الأرض الموبوءة»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، ومنير السرحاني عن ديوانه «نسيت حذاءك يا أبي»، الصادر عن خطوط وظلال للنشر والتوزيع بعمان. وفاز بجائزة السرد مناصفة كل من أنيس الرافعي عن كتابه «جميعهم يتكلمون من فمي»، الصادر عن خطوط وظلال للنشر والتوزيع بعمان، وجمال بندحمان عن روايته «محنة ابن اللسان»، الصادرة عن إفريقيا الشرق بالدار البيضاء. وفي مجال العلوم الإنسانية، عادت الجائزة مناصفة لعبد القادر ملوك عن كتابه «فلسفة موسى بن ميمون وأثر الفكر الإسلامي فيها.. بحث في الأخلاق والتأويل»، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت، وإبراهيم مجيديلة عن كتابه «النزعة الإنسانية في شخصانية محمد عزيز الحبابي»، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت.
ومنحت جائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية لعبد العالي دمياني عن كتابه «خطاب الغيرية في الرحلة الفرنسية إلى المغرب.. ج1 و2»، الصادر عن شركة النشر والتوزيع المدارس بالدار البيضاء، بينما آلت جائزة الترجمة لجمال أبرنوص عن ترجمته من الفرنسية إلى العربية لكتاب «دراسة في أدب الأمازيغ» لمؤلفه هنري باسي، الصادرة عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
أما جائزة الدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية فتوجت فاطمة شبلي عن كتابها «L’assimilation des coronales dans le parler amazighe des ayt sgougou (Moyen -Atlas)»، الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فيما منحت جائزة الأدب الأمازيغي لصالح أيت صالح عن روايته «ⵙⴰ ⵉⵖⵎⴰⵏ ⵉ ⵎⴰⴹⵏ ⵉⵎⴰⵏ» (سبعة أصباغ للاستياء) الصادرة عن جمعية تيرا، رابطة الكتاب بالأمازيغية.
ومنحت جائزة أدب الأطفال واليافعين مناصفة لكل من عبد اللطيف آيت النيلة عن كتابه «الإبرة الذهبية الكئيبة وقصص أخرى»، الصادر عن مؤسسة آفاق بمراكش، وأحمد السبياع عن كتابه «ألبوم صور فارغ»، الصادر عن دار شأن للنشر والتوزيع بعمان. فيما أعلن البلاغ أنه تقرر حجب جائزة العلوم الاجتماعية.
وترأس لجان الجائزة عبد الله ساعف، فيما ترأس اللجان الفرعية كل من حسن مخافي (صنف الشعر)، وشعيب حليفي (صنف السرد)، وأحمد شوقي بنبين (صنف العلوم الإنسانية)، وإدريس الكراوي (صنف العلوم الاجتماعية)، ونور الدين الزويتني (صنف الترجمة)، وحسن بحراوي (صنف الدراسات الأدبية والفنية واللغوية)، وكريم بن سكاس (صنف الأدب والدراسات الأمازيغية) وعبد السميع بنصابر (صنف أدب الأطفال واليافعين).










