
النعمان اليعلاوي
خلص تقرير استراتيجي، حول «المشهد الحزبي والانتخابي في المغرب»، إلى أن أكبر قوة انتخابية في البلاد لم تعد تحمل اسم أي حزب، وإنما تتمثل في ما سماه التقرير «الفئة الصامتة»، أي المواطنين في سن التصويت الذين لا يشاركون في العملية الانتخابية، سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح أو بسبب عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع.
ويرى التقرير، الصادر في يونيو 2026 عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن اتساع دائرة العزوف الانتخابي لا ينبغي اختزاله في ضعف التعبئة خلال الحملات الانتخابية، وإنما يعكس أزمة أعمق مرتبطة بقدرة الأحزاب على أداء وظيفة الوساطة بين المواطن والمؤسسات.
وتقدم الوثيقة أرقاما لافتة من انتخابات 2021، إذ بلغ عدد المواطنين في سن التصويت 25.23 مليون شخص، مقابل 17.51 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، فيما لم يتجاوز عدد المصوتين فعليا 8.8 ملايين. وبحسب التقرير، فإن نحو 16.4 مليون مواطن، أي ما يقارب 65.1 في المائة من مجموع المواطنين المحتملين للتصويت، ظلوا خارج العملية الانتخابية.
ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالا يتجاوز مسألة نسب المشاركة، ليصل إلى شرعية التمثيلية السياسية، خاصة عندما تصبح نتائج الانتخابات معبرة عن أقلية منظمة، في حين تظل الأغلبية خارج صناديق الاقتراع.
ويستند التقرير إلى مسار تاريخي للمشاركة الانتخابية سجل تراجعا كبيرا منذ بداية السبعينيات، بعدما بلغت نسبا مرتفعة، قبل أن تنخفض إلى 67.4 في المائة سنة 1984، ثم 58.3 في المائة سنة 1997 و51.6 في المائة سنة 2002، وصولا إلى أدنى مستوى تاريخي في 2007 بنسبة 37 في المائة. وبعد ذلك ارتفعت المشاركة إلى 45.4 في المائة سنة 2011، و43 في المائة سنة 2016 ثم 50.35 في المائة خلال انتخابات 2021.
أزمة ثقة
لا يعزل التقرير ظاهرة العزوف عن أزمة الثقة في الأحزاب، معتبرا أن ضعف الوساطة الحزبية يمثل جوهر الأزمة. ويشير التقرير إلى أن الأحزاب أصبحت، في جزء من ممارستها، أكثر انشغالا بالحسابات التنظيمية والتحالفات وتدبير المواقع، مقابل ضعف الهوية البرامجية والديمقراطية الداخلية، وهو ما يجعل الناخب أمام أسماء ولوائح أكثر مما يجعله أمام مشاريع سياسية واضحة.
وتعزز أرقام الثقة هذه الخلاصة، إذ ينقل التقرير عن الموجة الثامنة من Arab Barometer ، خلال 2023-2024، أن مستوى الثقة في الأحزاب السياسية لا يتجاوز 18 في المائة، مقابل 38 في المائة بالنسبة إلى البرلمان و33 في المائة بالنسبة إلى الحكومة. وفي المقابل يظل دعم النظام البرلماني التعددي مرتفعا، بما يقارب 68 في المائة، وهو ما يدفع معدي التقرير إلى اعتبار أن الأزمة ترتبط أساسا بالثقة في الفاعل الحزبي، وليس برفض الديمقراطية في حد ذاتها.
ويتوقف التقرير، كذلك، عند التقلب الكبير في الخريطة الانتخابية بين 2016 و2021، حيث انتقل أحد الأحزاب من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا، بينما ارتفع رصيد حزب آخر من 37 إلى 102 مقعد. لكن التقرير ينبه، في الوقت نفسه، إلى أن هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بتغير اختيارات الناخبين، بالنظر إلى تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي سنة 2021، وهو ما ساهم في إعادة توزيع المقاعد.
ويرى التقرير أن استمرار هذه «الضبابية» في الاختيارات الحزبية يغذي التصويت العقابي الظرفي، ويضعف بناء ولاءات سياسية قائمة على البرامج والأفكار.
البطالة والشباب والرقمنة..
يربط التقرير بين الأزمة السياسية والأوضاع الاقتصادية، معتبرا أن البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، تمثل عاملا إضافيا في الابتعاد عن المشاركة السياسية. ويورد التقرير معدل بطالة وطنيا في حدود 13 في المائة، مقابل 37.2 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، و19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات.
وفي المقابل يسجل التقرير تطورا إيجابيا في تمثيلية النساء داخل البرلمان، التي انتقلت من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021، معتبرا أن هذا التطور يؤكد إمكانية تحقيق نتائج ملموسة عندما يتم اعتماد آليات مؤسساتية واضحة، لكنه يشدد على ضرورة الانتقال من الحضور العددي إلى التأثير الفعلي في مواقع القرار.
أما الشباب، فلا يرى التقرير أنهم غادروا السياسة، وإنما غادروا قنواتها التقليدية، وانتقل جزء كبير من تفاعلهم السياسي إلى الفضاء الرقمي، حيث تتصدر قضايا التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية والبيئة النقاشات الشبابية.
وبناء على ذلك، يقترح التقرير، في أفق 2035، إعادة بناء الوساطة الحزبية من الداخل، وإقرار حد أدنى من الديمقراطية الداخلية، وإلزام الأحزاب بتقديم برامج قابلة للقياس والتقييم وتسهيل التسجيل في اللوائح الانتخابية، إلى جانب تطوير آليات المشاركة الرقمية والمحلية.
ويضع التقرير أهدافا طموحة إلى غاية 2035، من بينها رفع المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة، وتقليص حجم «الفئة الصامتة» إلى 40 في المائة، وخفض البطالة الوطنية إلى 5 في المائة ورفع النمو الاقتصادي إلى 6 في المائة. ويؤكد التقرير أن بلوغ هذه الأهداف لا يمر عبر حملات انتخابية ظرفية، وإنما عبر إعادة بناء الثقة وربط التصويت بأثر ملموس على حياة المواطنين.





