حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

النخبة ومؤلفو التنمية الذاتية


كُتبَ كُتَّاب “كيف تفعل” بالنسبة إلى بقية الكُتَّاب ”كالضفادع بالنسبة إلى الثدييات؛ لا يُولدون، بل يتكاثرون”. هكذا سخر الصحافي البارز في مجلة ”ذا نيويوركر”، دوايت ماكدونالد، عام 1954 في مقال هجومي حاد ضد كتب التنمية الذاتية التي كان يخشى أن تهيمن على المشهد الثقافي. وقد عبر ماكدونالد عن رأي شائعٍ آنذاك مفاده أن عالم الكاتب الأدبي وعالم كاتب الإرشاد الذاتي منفصلان تماما، بل يكادان يكونان نوعين مختلفين. فالأدباء الجادون يبدعون أعمالا فنية، أما كُتَّاب التنمية الذاتية فيتكاثرون وينتجون نسخا متشابهة. غير أن تأثير هذا الأدب العملي في الأعمال الأدبية الرفيعة كان أعمق وأطول أمدا مما أراد أمثال ماكدونالد الإقرار به.

سارة حامد حواس

ترجمة: د. سارة حامد حواس

 

مع مطلع القرن العشرين، وجد الكُتَّاب أنفسهم أمام نوعٍ جديد من الكتب عليهم أن يتعاملوا معه. قد يبدو غريبا اليوم أن نتخيل الشاعر الرمزي الفرنسي شارل بودلير منغمسا في كتب ”كيف تصبح ثريا بسرعة” عام 1864، أو أن نتصور جوستاف فلوبير، أيقونة الذوق الجمالي في أواخر العصر الفيكتوري، يدون ملاحظاته على دليل عملي من نوع ”افعلها بنفسك”، أو أن نتخيل فرجينيا وولف، بروحها الحداثية الرقيقة، وقد أثارها كتاب أرنولد بينيت العملي ”كيف تعيش أربعا وعشرين ساعة في اليوم” (1908) إلى حد أنها كتبت لاحقا روايتيها ”السيدة دالاواي” (1925) و”السنوات”(1937) كرد غير مباشر عليه. لكن ما يجعل هذا مستبعدا في نظرنا هو أن كثيرا من الدارسين – سيما في الحقل الأدبي- انشغلوا طويلا بتجاهل أدب التنمية الذاتية، أو التقليل من شأنه، فلم يعترفوا بتاريخه الممتد ولا بتأثيره الكبير حتى في أكثر الكُتَّاب مكانة وهيبة. صحيح أن هؤلاء الكُتَّاب سخروا من هذا النوع وانتقدوا نزوعه العملي المباشر، لكنهم في الوقت نفسه تعلموا من جاذبيته، واستعاروا بعض أساليبه، وطمعوا في ما حققه من حضور وتأثير ثقافي واسعٍ.

 

أدب التنمية الذاتية

قد يكون بودلير وفلوبير وولف، بوصفهم رموزا أدبية راسخة في سجل الأدب الكلاسيكي، قد كسبوا معارك الثقافة، لكننا اليوم نعيش في عالم تحكمه التنمية الذاتية. فهذا المجال بات قوة هائلة في صناعة النشر؛ إذ قدرت قيمة سوق تطوير الذات في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 13.2 مليار دولار بحلول عام 2022، وفقا لتقارير أبحاث السوق. ورغم صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة، بسبب تعدد التصنيفات التي تُباع تحتها هذه الكتب، فإن أدب التنمية الذاتية، سواء بصيغته الأمريكية أو بأشكاله المحلية، يعد من أكثر الأنواع مبيعا في أمريكا اللاتينية، والصين، وإفريقيا، والجنوب العالمي، والشرق الأوسط؛ أي في مختلف أنحاء العالم.

ويعود الامتداد الدولي لهذه الصناعة إلى أول دليل تطوير ذاتي حقق نجاحا جماهيريا واسعا، هو كتاب ”المساعدة الذاتية” (1859) لصمويل سمايلز، الذي حول المصطلح إلى شعارٍ شائع، وروى فيه قصص عمال وفنانين ومخترعين تمكنوا، بفضل الاجتهاد والمثابرة، من تحسين أوضاعهم. وقد انتقده بعض معاصريه – كما يذكر سمايلز – وعدُّوه تمجيدا للأنانية، لكنه رأى فيه وسيلة لإلهام أبناء الطبقة العاملة والنهوض بهم. وقد ألهم الكتاب أعدادا كبيرة من العصاميين الطموحين في مطلع القرن العشرين في نيجيريا وسوريا وغواتيمالا وترينيداد واليابان (حتى قيل إن ساموراي اليابان في أواخر القرن التاسع عشر اصطفوا طوال الليل لشراء نسخة منه).

وفي مراجعة كتبها عام 1917، سخر الشاعر الأمريكي إزرا باوند من هذا النوع من ”الأدب الإصلاحي”— ”كتاب صمويل سمايلز المساعدة الذاتية وسائر ما شابهه”— وشبَّهه بفيروس. كما كتب الروائي الإنجليزي ه. ج. ويلز قصة تحذيرية بعنوان ”التخلي عن جين”، يروي فيها حكاية شاب يستبد به تأثير كتاب “المساعدة الذاتية”!، فينتفخ غروره ويهجر خطيبته ومبادئه، طمعا في زواج يحقق له مكانة أعلى.

 

بين السخرية والتقدير

في السنوات الأولى من نشأة هذه الصناعة، كان الأدباء يستمتعون بالسخرية من كتب التنمية الذاتية، وأحيانا كانوا يستعيرون بعض أساليب هذا المجال المنافس، لكن من النادر أن يجمع كاتب أدبي بين مسيرة أدبية مرموقة ومسيرة ناجحة في مجال الإرشاد الذاتي، أو العكس باستثناء لافت. فقد كان أرنولد بينيت واحدا من قلة من روائيي العصر الفيكتوري المحترمين الذين حققوا أيضا نجاحا قويا في كتابة كتب التنمية الذاتية. وأثار بينيت آراء منقسمة بين مثقفي عصره، مثل صمويل سمايلز. فقد تعرض لكثير من السخرية بسبب غزارة إنتاجه، وتلعثمه الواضح، وولعه باليخوت (كان يملك يختين). وكان يتوقف أحيانا عن كتابة رواياته الشعبية مثل ”كلايهانجر” (1910) و”هيلدا ليسوايز” (1911) ليؤلف ما سماه ”أدلة فلسفية مبسطة”، وهي كتيبات عملية موجزة تتناول موضوعات مثل ”كيف يتكون الذوق الأدبي” (1909)، و”الذات وإدارة الذات: مقالات عن الوجود”(1918)، و”كيف نستفيد من الحياة” (1923). أما كتابه الأكثر نجاحا تجاريا، ”كيف تعيش أربعا وعشرين ساعة في اليوم”، فقد وعد قارئه بأن يجعله مليونيرا في دقائق، حتى أن هنري فورد اشترى 500 نسخة منه لتوزيعها على موظفيه. ورغم إدراكه أن هذا النوع من الكتابة العملية قد يهدد سمعته كأديب جاد، صرح بينيت بأن كتب التنمية الذاتية التي كتبها ”جلبت لي رسائل تقدير أكثر من جميع كتبي الأخرى مجتمعة”.

وإذا كان كثيرون اليوم لم يعودوا يعرفون بينيت، فقد يكون ذلك لأنه أثار – على نحو قاتل لمسيرته الأدبية – غضب فيرجينيا وولف، أو ”ملكة النخبة” كما كان يسميها، بعد مراجعته القصيرة المتحفظة لروايتها ”غرفة يعقوب”(1922). فقد وصف الرواية بأنها ذكية، لكنه رأى أن ”شخصياتها لا تبقى حية في الذهن”، وأن ”كتبها تفتقر إلى الحيوية على نحوٍ ملحوظ”، وقد أصابت ملاحظاته وترا حساسا لديها. إذ أقرت قائلة: ”ربما كان صحيحا… أنني لا أمتلك موهبة “الواقعية””، وتساءلت: ”هل أملك القدرة على نقل الواقع الحقيقي؟”. لكنها في المقابل رأت أن معالجة بينيت للواقع باهتة بدورها، فقالت إنه يستطيع أن يصوغ كتابا ”محكم البناء، متين الصنعة إلى حد يصعب معه على أدق النقاد أن يجدوا شقا يتسلل منه العطب”. ومع ذلك، ورغم هذا الإتقان المعماري في السرد، خلصت إلى أن ”الحياة تفلت؛ وربما من دون الحياة لا يكون لأي شيء آخر قيمة”.

ولم يكن خلاف بينيت مع وولف مجرد انزعاج عابر؛ بل ألهمها بعد ذلك لكتابة بعض أشهر بياناتها حول تقنيات الرواية ووظيفتها. فقد أصبحت مقالات مثل ”الأدب الحديث”(1921) و”السيد بينيت والسيدة براون” (1924) من أهم النصوص لفهم المشروع الحداثي والطريقة التي ابتعد بها عن أسلافه الفيكتوريين. كما تكشف هذه المقالات كيف سعى الأدباء الجادون آنذاك إلى التمييز بين أنفسهم وبين أدب ”الطبقة الوسطى” الشعبي، الذي كانت كتب التنمية الذاتية تمثل أحد تجلياته. وكما علق الباحث صمويل هاينز ساخرا عام 1967: ”من أجل فقرة واحدة جمعت بين المدح والنقد لرواية ”غرفة يعقوب”، حصد بينيت ست هجمات منشورة ومحاضرة كاملة.

عندما التقى بينيت أخيرا بفيرجينيا وولف وزوجها ليونارد في حفل عشاء، كان جميع أفراد جماعة بلومزبري يترقبون الموقف بقلقٍ. علق بينيت قائلا: ”كلاهما كئيب، هذان الاثنان. لكنني أحببتهما رغم معاملتهما السيئة لي في الصحافة.” أما آل وولف فكانوا أقل ميلا إلى المصالحة؛ إذ سخروا لاحقا من تلعثم بينيت، وذكروا أن مساهمته الوحيدة في الحديث كانت أن ينحني عبر المائدة ويتمتم متلعثما: ”و-وولف لا ت-ت-تُحب رواياتي».

ومع ذلك، بعد وفاة بينيت المفاجئ عام 1931 إثر شربه كأس ماء ملوثا بحمى التيفوئيد وذلك في الفترة نفسها التي كان يتناول فيها العشاء في باريس مع جيمس جويس وزوجته نورا، خفَّت حدة عداء وولف له. وقد وجدت حادثة التيفوئيد طريقها إلى رواية جويس ”يقظة فينيجان” (1939)، التي تشير صراحة، كما يلاحظ الباحث توم هينثورْن، إلى الماء الملوث وإلى رواية بينيت ”فندق بابل الكبير”(1902)، أو كما يسميها جويس بتحويره اللغوي: ”بابل، الفندق العظيم جداا”. وقد هز خبر رحيل بينيت المفاجئ وولف بعمق. فكتبت تقول: ”غريب كيف يأسف المرء لرحيل أي شخص بدا، كما أقول صادقا، له صلة مباشرة بالحياة؛ فقد أساء إليَّ، ومع ذلك كنت أفضل أن يواصل الإساءة إليَّ، وأن أواصل الإساءة إليه”.

والمفارقة أن ”صلته بالحياة”، وهي الصفة التي كانت تؤكد بحماسة أنها تفلت من رواياته المادية، أصبحت الآن ما ترثيه فيه. وظلت وولف تفكر في الحدود الجمالية والإمكانات الفنية لرؤية بينيت العملية للحياة حتى عام 1933، أي بعد عامين من وفاته، حين دونت في ملاحظاتها التحضيرية لروايتها ”السنوات”(وكان عنوانها آنذاك ”آل بارجيتر”) طموحها إلى تقديم ”حجة فكرية في صورة فن: أعني كيف يمكن أن أُعطي حياة أرنولد بينيت اليومية العادية شكلا فنيا؟”.

ولعلنا نغتبط لأن وولف لم تمتلك موهبة الواقعية كما كان يفهمها بينيت، إذ إن اهتمامها الغامض بما لا يُقال وما لا يُرى هو ما يحدد رؤيتها الروائية الخالدة. غير أن ”الحياة اليومية العادية” التي صورها بينيت في كتيباته الإرشادية لم تكن مجرد إهانة أو عائق أمامها، بل تحولت إلى حافز ومحرك أساسي لإبداعها الروائي.

ثمة أمثلة أخرى كثيرة ومثيرة على هذا التراشق المثمر بين الأدب وكتب التنمية الذاتية، على حد تعبير وولف. ففي السنوات نفسها التي كان فيها بينيت يكتب أدلته الشعبية واسعة الانتشار بسرعة لافتة، كان إرنست هيمنغواي على بُعد عالم كامل في كانساس سيتي يطبق نصائح التنمية الذاتية التي قدمها له عمه ألفرد تايلر، في دليل يرجح أنه تلقاه هدية تخرُّج عام 1917.

 

نصائح وإرشادات

كان كتاب ألفرد تي. هيمنغواي ”كيف تنجح، أو كيف تحقق أكبر انتصار لك: أحاديث رجل أعمال عن الكفاءة الشخصية وبناء الشخصية التجارية، الضمانة الوحيدة للنجاح” (1915) يمزج بين المُثل المسيحية القائمة على الشجاعة القتالية والرواقية (وهي قيم كان والد إرنست يشجعها أيضا)، وبين الاستراتيجيات التجارية والعملية التي روجت لها موجة كتب النصائح الجديدة آنذاك. وقد قدم نفسه بوصفه دليلا يساعد الشبان على إثبات جدارتهم في العالم، وجمع بين دفتيه طيفا واسعا من نظريات التنمية الذاتية الرائجة في ذلك الوقت، مستشهدا بنظام المضغ لهوراس فلتشر (وهو نظام غذائي يدعو إلى مضغ الطعام بإفراط)، وبكتاب وليام جيمس عن العادة، وبنظرية ”الإيحاء الذاتي” التي طورها رائد التفكير الإيجابي الفرنسي إميل كويه، الذي طواه النسيان إلى حد كبير، رغم تأثيره الواسع في عصره.

وكما تشير الباحثة ميشيل مور في كتابها ”شيكاغو وصناعة الحداثة الأمريكية” (2018)، فإن النسخة الشخصية التي احتفظ بها إرنست من دليل عمه تحمل إهداء يقول: “إرنست ميلر هيمنغواي. من ألفرد تي. هيمنغواي (العم تايلر)، كانساس سيتي، ميزوري. يونيو 1917”. وعلى الرغم من انتقال إرنست مرارا وتعرض مكتبته الضخمة لكثير من التقلبات، فقد احتفظ بهذا الكتاب طوال حياته. وتصف مور ”تجليده المهترئ”، وتلاحظ أن الكتاب ”لم يكن مجرد تذكار طفولي رمزي أكثر منه مقروءا؛ بل قرأه مرارا، وعلى الأرجح عاد إلى نصائحه واستشارها خلال سنواته المهنية الأولى”.

وكما تساءل بينيت: ”ما جدوى القراءة إن لم يترتب عليها شيء محدد؟”، تبدأ الصفحة الأولى من دليل العم تايلر بتوجيه وحيد: ”اقرأ لغرض.” وتتوالى في داخله النصائح: ”انظر إلى من تحدثه مباشرة في عينيه”. ”إذا كان هناك أمر ينبغي إنجازه، فابدأ به وأنجزه”. ”كن صريحا، ولا تحاول خداع نفسك أو الآخرين”. ”كن أمينا من رأسك إلى أخمص قدميك”. ”كن مرنا، ولا تَخَف الجديد”. ”كن هادئا، ومستمعا جيدا”. ”أظهر المعدن الحقيقي لرجولتك، وكن مستعدا لفعل الأمور الصعبة”. ”ادرس الرجال” لأنك ”كثيرا ما سترى فيهم ما ينبغي أن تتجنبه في نفسك، كما سترى ما ينبغي أن تقتدي به، وكلا الأمرين على القدر نفسه من الأهمية”.

لطالما ناقش النقاد كيف شكل عمل هيمنغواي في صحيفة ”كانساس سيتي ستار”، وهي وظيفة حصل عليها عبر علاقات عمه، فلسفته في الكتابة. غير أن أي قارئ مطلع قليلا على أعماله يلحظ بسهولة أوجه الشبه بين نصائح عمه في التنمية الذاتية وفلسفته الأدبية. فجزء كبير من أعمال هيمنغواي هو دراسة للرجال أو للرجولة، كما أوصى عمه، كما أن مبادئ الانضباط وضبط التعبير التي دعا إليها ألفرد تايلر انعكست في النزعة الاختزالية المميزة لأسلوب هيمنغواي. وإذا كان العم تايلر يحث الشبان على أن يتعلموا ”أن يكونوا مستمعين جيدين”، فإن هيمنغواي يردد: ”أنصت الآن. عندما يتحدث الناس، أنصت بالكامل”. وإذا كان تايلر يؤكد ضرورة الأمانة ”من الرأس إلى القدمين”، فإن إرنست كان ينصح مرارا بـ ”كتابة نثر مستقيم وصادق عن البشر”، وبأن ”تكتب أصدق جملة تعرفها”، مؤكدا أن الصدق – إلى جانب القدرة على الابتكار – هو الشرط الجوهري الآخر للكاتب. وربما وهو يستحضر عنوان كتاب عمه عن ”كيف تثبت جدارتك”، تمتلئ رسائل هيمنغواي بإشارات إلى المعضلة الأدبية المتعلقة بكيف تنجح أو تُثبت نفسك، أحاول أن أفعل ذلك بحيث ينجح من دون أن تشعر به”، و”الشيء الذي ينبغي فعله هو أن تعمل وتتعلم كيف تحقق النجاح”.

إن الكشف عن انخراط إرنست الدقيق في قراءة دليل عمه للتنمية الذاتية يقدم أيضا زاوية جديدة لفهم كليشيه شائع في دراسات هيمنغواي، هو ما يُعرف بـ ”شيفرة بطل هيمنغواي”. ففي خمسينيات القرن الماضي، رأى فيليب يونج، أحد أبرز نقاده، أن أعمال هيمنغواي جميعها تسير وفق شيفرة تقوم على مبدأ ”الرشاقة تحت الضغط” وقيم الشرف والشجاعة وضبط النفس. واعتبر يونج أن هذه الفلسفة الحياتية تتجسد في رواياته من خلال ”بطل شِفري” يتمسك بهذه المبادئ ليكون قدوة للبطل الأصغر سنا في القصة. وقد لاقت نظرية ”بطل هيمنغواي” رواجا واسعا في النقد الأدبي (إلى أن تصاعدت النزعات المناهضة للحرب إبان حرب فيتنام، فظهر مقال واحد على الأقل يدعو إلى ”التخلص من كتاب شيفرة هيمنغواي”). ومع ذلك، لم يُلتفت كثيرا إلى الجذور التنموية الذاتية لهذا المنظور الإرشادي، ولا إلى أصول المثل التي يدافع عنها هيمنغواي بشأن الرجولة والإيجاز وبناء الشخصية.

وبالنظر إلى التأثير الهائل لنصائحه في الكتابة على من جاؤوا بعده فهو، على حد تعبير رالف إليسون، ”أب لكثير من الكُتَّاب الذين يسخرون منه اليوم”، تبدو حالته كاشفة على نحو خاص لتداخل طال إهماله بين أدب النخبة وكتب التنمية الذاتية. فالأثر الذي تركه ألفرد تايلر في فن هيمنغواي يبين أن بعض أكثر تقنيات ”الأدب الرفيع” رسوخا في المتن الأدبي لم تنبثق من مبادئ متعالية أو نخبوية، بل من الالتزام نفسه بقيم حسية بسيطة: الصدق، والمباشرة، والانتباه، والاقتصاد في التعبير، والانضباط، وهي القيم التي نجدها في الأدب العملي. وكما اشتكى هيمنغواي من ف. سكوت فيتزجيرالد قائلا: ”كان سكوت يأخذ الأدب على محمل من الجدية المفرطة. لم يفهم قط أن الأمر يتعلق فقط بأن تكتب بأفضل ما تستطيع وأن تُتم ما تبدأه”.

ولم يقتصر تأثر هيمنغواي بدليل عمه على استعارة مُثل جمالية؛ بل حاكى أيضا، على نحو ساخر، نبرته الإرشادية في بعض مقالاته المبكرة في صحيفة ”تورونتو ستار”، مثل مقال ”شعبي في السلم، متخلف في الحرب”(1920)، الذي وجهه إلى كنديين لم تطأ أقدامهم ساحة المعركة، لكنهم أرادوا الاستفادة من الهيبة المرتبطة بخدمة عسكرية مزعومة. هناك يقدم ”بعض النصائح للكنديين الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة للعمل في مصانع الذخيرة ويتقاضون الآن 15 في المئة فائدة على أموالهم الأمريكية”، من قبيل شراء معطف خنادق من متجر للملابس المستعملة، وتعلم صفير لحن ”مادموازيل من أرمنتيير” في الترام، وأن يجيبوا، إذا سألتهم شابة لطيفة في حفلة رقص عما إذا كانوا قد التقوا الملازم سميثرز من سلاح الجو الملكي في فرنسا، أو صادفوا الرائد ماكسوير من القوات الكندية، بـ ”لا” بنبرة بعيدة متحفظة. هنا تتبدى الذكورية المقتضبة التي اشتهر بها هيمنغواي بوصفها شكلا مما تسميه جوديث باتلر ”أداء جندريا”. كما أن انخراطه في خطاب إدارة السمعة الذي روجت له كتب التنمية الذاتية يدعم الرأي القائل إن ذكوريته كانت دائما تنطوي على مسحة ساخرة، واعية بطابعها المصنوع والوظيفي.

 

ثقافة كيف تفعل..

في واحدة من الاستثناءات النادرة لغفلة الدراسات الأدبية عن أثر التنمية الذاتية، لاحظ إدوارد سعيد وإن بدا غير مطلع على دليل العم تايلر تقاربا بين كتابات هيمنغواي والنزعة التقنية التي تميز كتب الإرشاد. ففي مقاله ”كيف لا تنطحك الثيران” (1985)، كتب سعيد أن هيمنغواي ”حرص على تحويل أسلوب حياته إلى معرفة خبيرة”، واضعا علامته الخاصة من ”الخبرة الأمريكية” في سياق الهوس بثقافة ”كيف تفعل” المتفشية في الولايات المتحدة الأمريكية. وعند مراجعته مجلدا صدر بعد وفاة هيمنغواي، رأى فيه دليلا على أن اهتمام الأدب بالتنمية الذاتية قد استنفد أغراضه، قائلا: ”ما ينكشف هنا هو المشكلة الكبرى للكتابة الأمريكية: أن صدمة التعرف الناجمة عن المعرفة حين تتحول إلى “كيف تفعل” لا يمكن أن تحدث إلا مرة واحدة، ولا يمكن استدامتها”. غير أن اهتمام الكُتَّاب بتحويل المعرفة إلى صيغ إرشادية لم يتراجع، بل ازداد.

ويتجلى هذا الاهتمام المتواصل في عدد كبير من الأعمال السردية، خلال العقد الماضي، التي تتخذ من ”كيف تفعل” – الذي سخر منه ماكدونالد – فرضية بنائية لها، مثل ”كيف ينبغي للمرء أن يكون؟” (2010) لشيلا هيتي، و”كيف تعيش بأمانٍ في كون من الخيال العلمي” (2010) لتشارلز يو، و”كيف تصبح ثريا ثراء فاحشا في آسيا الصاعدة” (2013) لمحسن حامد، و”كيف تكون سعيدا” (2014) لإليانور ديفيس، و”كيف تشعل نارا ولماذا”(2016) لجيسي بول، وغيرها مما يصدر كل أسبوع. وهذه الأعمال، التي يكتبها روائيون من مختلف أنحاء العالم، تشهد على الامتداد العالمي المتزايد والشرعية الثقافية المتنامية لنوع أدبي كان وجوده يعد يوما ما تهديدا لنقاء الفن الجاد وسلامته. فبدلا من التمسك بالتمييز الهرمي الذي وضعه ماكدونالد بين أدب التنمية الذاتية والأدب الجاد، يؤكد كُتَّاب اليوم مناطق التداخل بين العالمين. فبطلة الروائية المكسيكية المرموقة بريندا لوزانو في رواية ”حلقة” (الصادرة بالإنجليزية عام 2019 بترجمة آني ماكديرموت) تعلن بفخر: ”أقرأ كل الأدب بوصفه تنمية ذاتية”، بينما يصرح راوي محسن حامد بأن ”جميع الكتب، كل كتاب كُتب على الإطلاق، يمكن القول إنه يُقدَّم للقارئ بوصفه شكلا من أشكال التنمية الذاتية”.

فلم يعد الروائيون المعاصرون يشعرون بأن عليهم الاختيار بين الالتزام بالجمال والرغبة في تحصيل كلمات نافعة يُهتدى بها في الحياة.

 

 

——–

*بيث بلوم: أكاديمية وباحثة ومؤلفة كتب نقدية وأدبية.

 

++++

 

نافذتان:

 

كثير من الدارسين – سيما في الحقل الأدبي – انشغلوا طويلا بتجاهل أدب التنمية الذاتية أو التقليل من شأنه فلم يعترفوا بتاريخه الممتد ولا بتأثيره الكبير حتى في أكثر الكُتَّاب مكانة وهيبة.

 

 

في واحدة من الاستثناءات النادرة لغفلة الدراسات الأدبية عن أثر التنمية الذاتية لاحظ إدوارد سعيد وإن بدا غير مطلع على دليل العم تايلر تقاربا بين كتابات هيمنغواي والنزعة التقنية التي تميز كتب الإرشاد.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى