«هيلين».. قصة أسيرة أسكتلندية تزوجها المولى محمد الثالث
كانت في طريقها إلى أمريكا بحرا وسقطت في قبضة قراصنة سلا

يونس جنوحي
اسمها «هيلين».. وهي سيدة يعتبرها الأسكتلنديون بطلة قومية يقولون إنها تزوجت سلطان المغرب، وأصروا على أن يمنحوها لقب «إمبراطورة» المغرب، الذي وصلت إليه أسيرة سنة 1769، بعد أن كانت في طريق هجرتها إلى الولايات المتحدة، هربا من الفقر وزوجة الأب القاسية..
هذه العناصر «ملح» ضروري في القصص الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، وتتقاطع في بعض تفاصيلها مع قصص أوروبا الشهيرة التي يمتزج فيها الفقر بالزواج من الملك.. فهل كانت «هيلين» فعلا أسيرة في المغرب وسيدة البلاط المفضلة، أم أن القصة كانت وسيلة لمواجهة سياسة المولى محمد الثالث الذي أحدث ثورة حقوقية دولية عندما دعا إلى إنهاء العبودية سنة 1777؟
«بطلة» الأسكتلنديين التي أطلقوا عليها اسم «إمبراطورة المغرب»
هي في أعين رُواة الحكايات، وأعمدة الرواية الشفهية في اسكتلندا، بطلة قومية ناضلت من أجل حريتها، بعد أن وقعت في الأسر في قصر سلطان المغرب بـ«فاس».
تقول الرواية الشفهية إن «هيلين گلوگ Helen Gloag» ولدت سنة 1750، وأصبحت أسيرة في المغرب عندما كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن لم يقدم الرواة السنة التي تحولت فيها حياتها ذلك التحول الذي قادها إلى المكوث في المغرب. بل إن روايات اسكتلندا تشير إلى تواريخ وصول متفرقة، والأمر نفسه ينطبق على السنة التي يفترض أنها غادرت خلالها المغرب.. علما أن رواية أسكتنلدية أخرى تفيد بأنها لم تغادر البلاد، وأنها بقيت في جناح حريم السلطان المولى محمد الثالث إلى أن توفي هذا الأخير سنة 1790. وهناك رواية أخرى تقول إنها توفيت سنة 1790، أي السنة نفسها التي توفي فيها المولى محمد بن عبد الله!
الروايات المتناقضة تقول إنها وقعت في الأسر سنة 1769، عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها، بعد أن اختارت الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية هربا من والدها.
نشأت «هيلين» في أسرة أسكتلندية فقيرة، ومفككة. فقد تدهور وضعها بعد وفاة والدتها، وقرار والدها، الذي كان يشتغل حدادا، أن يتزوج مرة ثانية، في ظرفية عصيبة تخيم عليها الأمراض والمجاعة.. وهو ما جعل معاناتها تتضاعف مع زوجة الأب، لتقرر الهروب عند بلوغها سن التاسعة عشرة، وقررت أن تهاجر إلى البلاد الجديدة: «الولايات المتحدة الأمريكية».
في الطريق إلى الولايات المتحدة، وقعت «هيلين» في الأسر، على يد القراصنة المغاربة بمجرد دخول السفينة مياه المحيط الأطلسي، ومحاولة عبور واحدة من النقاط التي كان يسيطر عليها قراصنة سلا.
لكن كيف وصلت «هيلين» إلى القصر الملكي؟ ليس كل الأسرى الأجانب الذين يقعون تحت أيدي قراصنة سلا، خصوصا في تلك الفترة، يجدون طريقهم إلى البلاط؟
تقول الرواية التي يتداولها الأسكتلنديون إن «هيلين» بيعت في البداية إلى أحد تجار الرقيق على الحدود مع الدولة العثمانية، ثم استُقدمت مرة أخرى إلى فاس، بعد أن اشتراها تاجر مغربي ثري، وقدمها هدية إلى البلاط.
هذه الرواية تحديدا تفتقر إلى الدقة. إذ إن الأسيرات الأوروبيات الأخريات اللواتي جرى توثيق رحلتهن مع الأسر في المغرب، أشرن إلى طريق آخر يوصل إلى قسم الحريم في القصر السلطاني، ولا يستدعي بالضرورة كل هذه «الدراما».. كما أن إقحام ثري مغربي في القصة، يبقى تكريسا للرواية الغربية التي تجعل التاجر الثري المحاط بالحريم، أيقونة للحكايات العربية من زمن «ألف ليلة وليلة».
تقول الرواية الأسكتلندية أيضا إن «هيلين» عندما وقعت في قبضة القراصنة، كانت تقريبا الناجية الوحيدة لتروي ما وقع.. فقد قرر القراصنة أن يتخلصوا من الجميع، ولم يبقوا إلا على «هيلين» لكي تباع في سوق النخاسة، على اعتبار جمالها الفائق.
بينما رواية أخرى، أقرب إلى التصديق هذه المرة، تؤكد أن «هيلين» لم تكن الناجية الوحيدة، وإنما كانت من جملة مجموعة من النساء الشابات اللواتي كن على متن السفينة، وباعهن القراصنة في سوق الرقيق. بينما تخلص القراصنة من الرجال جميعا، قبل أن تصل السفينة إلى اليابسة.
من أسرة فقيرة في اسكتلندا إلى قلب قصر فاس
بالنسبة إلى الأسكتلنديين الذين أحبوا قصة «هيلين»، فقد أصروا على أن تحمل لقب «إمبراطورة المغرب»، على اعتبار أنها أصبحت فعليا زوجة للسلطان محمد بن عبد الله.
ورغم أنه لا يوجد أي تأكيد على مصداقية هذه الرواية، إلا أن الأسكتلنديين تمسكوا دائما بأن «هيلين» استطاعت فعلا أن تصبح الزوجة الرابعة لسلطان المغرب، وتمسكوا بأحقيتها في حمل اللقب الملكي، رغم أن الرواية الشفهية لا تجيب عن أسئلة كثيرة تتعلق بتفاصيل اعتقالها ووقوعها في الأسر، ومصيرها الحقيقي ومصير الأسرى الآخرين الذين وقعوا معها في الأسر.
أما عن علاقتها بالسلطان، فتقول الرواية المتداولة إنها استقدمت على اعتبار أنها هدية من تاجر ثري في فاس، أراد الحصول على حظوة لدى السلطان محمد الثالث، وما أن ألحقت بجناح الحريم ولمحها السلطان، حتى أصبحت من أكثر الحريم تأثيرا في البلاط، وتزوجها السلطان لتصبح زوجة رابعة له، وأشارت عليه بالكثير من النصائح في ما يتعلق بعلاقة المغرب بدول أوروبا.
تزعم الرواية أيضا أن «هيلين» كان لها دور كبير في إطلاق سراح الأسرى الأجانب الذين وقعوا في الأسر على يد قراصنة سلا.
وهنا، يجب التريث قليلا، إذ إن الاتفاقيات التي أطلق بموجبها السلطان محمد الثالث سراح الأسرى الأجانب، كانت في سياق موثق وفي إطار الاتصالات الدبلوماسية بين السلطان وملوك أوروبا، أبان خلالها المغرب عن حسن نية في ما يتعلق بإطلاق سراح الأسرى، وتوج بمبادرة السلطان لإنهاء الرق حول العالم، وتوحيد قيمة الأسرى أثناء مبادلتهم، حفظا للكرامة الإنسانية.. وهي إشارات دافع عنها المولى محمد بن عبد الله في كتاباته الكثيرة، التي ما زالت اليوم موضوع مخطوطات نادرة في الخزانة الملكية.
ورغم محاولة الرواية الشفهية في اسكتلندا تصوير «هيلين» على أنها مغامرة شجاعة في وسط بدائي، إلا أن افتقارها إلى تفاصيل إضافية يضعها موضوع شكوك..
يكفي مثلا أن نعلم أن توثيق القصة رسميا لم يتم إلا في القرن التاسع عشر، في عز حمى مذكرات المغامرات والسفريات التي غزت أوروبا، والتي كان المغرب موضوعا لها، لتصبح القصة الأكثر طلبا في المملكة المتحدة وفي اسكتلندا..
توثيق القصة بعد أكثر من قرن ونصف القرن على وفاة صاحبتها، يطعن في مصداقية القصة ككل، لكنها تحاكي واقعا مغربيا كان بالفعل يقض مضجع الأوروبيين.. أوروبيات كثيرات مررن من المغرب، إما أسيرات أو مغامرات، وحققت كتاباتهن عن المغرب أرقام مبيعات خيالية خلال القرن التاسع عشر. وليست «هيلين» إلا واحدة من القصص الأكثر إثارة وغموضا في الوقت نفسه.
المولى محمد بن عبد الله والأسرى..
بالنسبة إلينا في المغرب، فإن المولى محمد بن عبد الله ورث خصال جده المولى إسماعيل، السلطان الذي أحاطت الأساطير بكل جوانب شخصيته. وبالنسبة إلى المؤرخين الأجانب، فإن عهد محمد الثالث كان فرصة لتجديد الاتفاقيات التي أبرمها جده مع المغرب، وفترة استقرار سياسي أمكن القوات الأجنبية من إرسال البعثات الدبلوماسية، لإبرام المزيد من الاتفاقيات.
حتى المؤرخون المغاربة يضعون «تجديد الأسطول المغربي» على رأس إنجازات المولى محمد بن عبد الله.
الباحث المغربي أحمد بن شقرون، تخصص في أرشيف فترة حكم المولى محمد بن عبد الله الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1757 و1790، وكتب في بحث معمق عنوانه «المولى محمد بن عبد الله ومآثره الخالدة» يقول:
«فهو الذي جدد تنظيم الجيش، وعاود ترتيب الأسطول المهم، وحصن كثيرا من الثغور، وجدد العلائق التي كانت بين جده إسماعيل وبين الدول وأنشأ روابط أخرى مع غيرها.
فقد كانت له روابط أخوية وعلائق ودادية خاصة مع بعض ملوك الدولة العثمانية، بحيث كان يبعث إليهم الأموال الكثيرة والأعتدة الحربية الممتازة، إعانة منه لدولتهم، عدا ما كان يصرفه في افتكاك ممن أسراهم وإنقاذهم بذلك من ربقة الأسر، ومذلة الاغتراب والقهر، على أن افتكاكه للأسارى لم يكن يخص به الأتراك وحدهم، بل كان يبذل الأموال بغير حساب في افتكاك العديد من الأسرى من مختلف الأقطار الإسلامية الذين كانت القرصنة الأوروبية تهاجمهم وتسترقهم استرقاقا، ومن شدة اهتمامه بافتكاك الأسرى نظم عدة سفارات كانت نتائجها النجاح الكامل».
وبعد أن استعرض هذا الباحث نص الاتفاقيات التي أبرمها السلطان مع إسبانيا، عن طريق إرسال سفرائه إلى مدريد، تطرق إلى علاقته بملوك بريطانيا:
«كما عقد معاهدة مع – إنجلترا – في عهد ملكها جورج الثاني، وقد كانت سفارته التي يوجهها إلى الخارج تقابل في البلاد التي توجه إليها بكل إجلال واحترام، سواء من جانب الدوائر الحكومية أو من جهة الأمم والشعوب التي حلت بين أظهرها، وكانت تجري لها المراسم والقواعد المتبعة – دبلوماسيا – في سفارات الدول بعضها لبعض، فتتلقى بتحيات المدافع وتنزل ضيفا على الحكومة في أفخم دورها وقصورها، وتذهب وتجيء في حراسة الجنود.
أما عن أعماله الدفاعية ومواقفه الطويلة فالتاريخ شاهد عدل، فهو لا ينسى له إنقاذ مدينة (البريجة) الجديدة من يد البرتغال الذي مكان مستوليا عليها سنة 1182 هـ، حيث أتم بذلك عمل جده مولاي إسماعيل في إجلاء المحتلين لمراسي المغرب، وقد جاءت رسل البرتغالي حاملة إلى حضرته الهدايا الفاخرة، طالبة منه الصلح والهدنة».
أمام هذه المعطيات التاريخية الموثقة بالأرشيف، يبقى احتمال إبقاء السلطان على الأسرى داخل أروقة القصر، أمرا غير وارد، خصوصا وأن المولى إسماعيل سبق له إطلاق سراح أفواج من الأسرى الأجانب.. وحتى الأسرى الذين وقعوا في الأسر على يد قراصنة سلا خلال عهد أبناء المولى إسماعيل، في فترة عدم الاستقرار السياسي، بادلهم المولى محمد بن عبد الله بأسرى مغاربة، بناء على مُلتمس رُفع إليه بعد سقوط حجاج مغاربة في الأسر لدى فرنسا، عندما كانوا في طريقهم بحرا عبر البحر المتوسط.
هل زارت «هيلين» المغرب فعلا؟
إذا جردنا أمامنا النص المتداول في الحكايات الشعبية الأسكتلندية، فإن الأمر يتعلق فعلا بسيدة خارقة اسمها «هيلين غلواغ Helen Gloag».
حتى المؤرخون المهتمون بهذه القصة، يقرون أن فيها جانبا أسطوريا، وأن التوثيق لها لم يتم إلا في القرن التاسع عشر، علما أن القصة المزعومة تدور أحداثها ما بين سنتي 1780 و1789.
سلطان المغرب في ذلك التاريخ كان هو السلطان سيدي محمد بن عبد الله. وتقول الحكاية إن هذه السيدة ألحقت بحريم القصر في فاس، وإنها حازت مكانة مرموقة في جناح الحريم، ولدى السلطان شخصيا. على اعتبار أن قراصنة سلا هم من ألقوا القبض على «هيلين» ومجموعة أخرى من الأسرى، وحولوها -كما جرت العادة- إلى فاس، لتصل إلى المكلفين والمكلفات بجناح الحريم.
المعروف أن السلطان محمد بن عبد الله، أو محمد الثالث في أغلب المراجع، كان سباقا إلى إبرام اتفاقيات أشهرها الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1786، واتفاقيات أخرى مع دول أوروبية..
اعتنى السلطان أيضا بمسألة أنشطة الجهاد البحري وألح على ضرورة الحد منها، وكان «الرياس» البحريون تحت إمرته، وامتثلوا فعلا لأوامر السلطان وخفت نشاطهم البحري في اعتراض السفن الأجنبية.
هذه المعطيات التاريخية تضعف فرضية أن تكون الأسيرة «هيلين» قد سقطت في الأسر خلال عهد السلطان محمد الثالث، بحكم أن هذا السلطان قد حد فعلا من أنشطة القرصنة، بل وفي عهده أيضا وقعت معاهدات تبادل الأسرى بين المغرب وعدد من الدول، من بينها بريطانيا العظمى..
كشف المؤرخون الأجانب في عدد من المناسبات عن معطيات غير دقيقة في روايات بعض الرحالة الذين زعموا أنهم زاروا المغرب، وواجههم الدبلوماسيون الذين زاروا المغرب فعليا، وطلبوا منهم تقديم تفاصيل دقيقة عن الأماكن التي زعموا أنهم زاروها، خصوصا القصر الملكي في فاس، أو «ملاح» اليهود.. لكن المثير أن أغلب الذين ظهر تناقض في روايتهم عن زيارتهم إلى المغرب، لم ينتبه إليه المؤرخون إلا بعد مرور سنوات طويلة على رحيلهم. وبالتالي تضيع على المؤرخين فرصة مواجهتهم..
أحد الوزراء البريطانيين سنة 1880، زار القصر الملكي في فاس في إطار زيارة رسمية، اكتشف أن ما رواه طبيب إنجليزي سنة 1750، غير دقيق على الإطلاق، ولا يطابق المواصفات التي رآها الوزير بعينه، وقد أشار إلى الموضوع في رسالة إلى القنصل البريطاني في طنجة الدولية سنة 1880، وأشار إلى أنه اكتشف تناقضا صارخا بين ما قدمه هذا المغامر -لم يسمه في الرسالة- في كتابه وبين ما رآه بعينيه عندما حل ضيفا على السلطان. ونص الرسالة جمعه المؤرخ البريطاني «د. روجرز»، في أرشيفه التوثيقي للعلاقات المغربية البريطانية لقرون متواصلة.
ليس مستبعدا إذن أن يظهر تناقض في روايات أخرى، جاءت بعد هذا التاريخ أو في سياقه، ما دامت «موضة» كتب الرحلات والمغامرات، كانت تلقى شعبية كبيرة جدا في أوروبا خلال تلك الفترة.
هل هي محاولة للطعن في مشروع تحرير العبيد بالمغرب سنة 1777؟
لم يقف المولى محمد الثالث عند حد إبرام اتفاقيات الصداقة مع القوى الأجنبية، وتحرير المغرب من ثقل عرقلة مشاريع تبادل الأسرى.. بل دعا صراحة سنة 1777، من خلال مراسلة دول العالم الكبرى جميعها، توقيع اتفاقية مشتركة تمنع الرق وتنهي العبودية حول العالم.
في يوم 10 شتنبر 1777، انتهى المولى محمد الثالث رسميا من صياغة النص النهائي للرسالة، التي يدعو فيها ملوك ورؤساء العالم جميعا إلى إطلاق قوانين تمنع الرق وتجرم تجارة العبيد، وتفعل الإطلاق الفوري لسراح الأسرى.
اقترح المولى محمد الثالث حلا على رؤساء وملوك العالم، لتحقيق مطلب إطلاق سراح الأسرى.. هذا الحل تمثل في توحيد قيمة الفدية مقابل إطلاق سراح الأسرى، لتسهيل العملية، وأيضا لنفي التفاضل المتعارف عليه تاريخيا.. إذ كانت أوروبا تضع قيمة مواطنيها مضاعفة تماما لقيمة الأسرى من جنسيات أخرى.
المولى محمد الثالث دعا في تلك الرسالة التاريخية إلى منع أسر النساء بشكل نهائي، والأشخاص الذين تجاوزت سنهم سبعين سنة.
هل يعقل أن يكون المولى محمد الثالث قد اتخذ لنفسه إذن زوجة من الأسيرات الأجنبيات؟
المولى محمد الثالث سمح لبريطانيا سنة 1788، ببعث وحدات تبشيرية في إطار ضمانه لحقوق الأسرى البريطانيين الدينية، في انتظار أن يطلق سراحهم بعد إتمام الاتفاق النهائي مع بريطانيا، والقاضي بتبادل إطلاق سراح الأسرى.
بريطانيا كانت من بين أولى الدول التي ضايقها مشروع المولى محمد بن عبد الله، فقد كانت سياسة بريطانيا في آسيا، تناقض ما يدعو إليه سلطان المغرب. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد حقق المنتسبون الأوائل إليها أرباحا، خيالية بفضل تجارة العبيد الذين تم جلبهم من مستعمرات إفريقيا.. وشكل كتاب المولى محمد الثالث إليهم، أزمة حقيقية. فقد كان الأمريكيون يخشون أن يفسد المشروع أجواء الود والصداقة التي كانت تجمعهم بالمغرب في عهد المولى محمد الثالث، وفي الوقت نفسه لم يكن هناك أي استعداد سياسي أو اقتصادي في أمريكا الجديدة، لإنهاء الرق والعبودية.
كانت اسكتلندا تتوفر على تمثيلية دبلوماسية في طنجة الدولية، وشأنها شأن المفوضية البريطانية، فقد كان هناك إحراج كبير بشأن مساعي المولى محمد الثالث لاسترجاع سبتة ومليلية من قبضة الإسبان..
فقد سبق لجده المولى إسماعيل أن طلب صراحة من الملكة إليزابيث مساعدته عسكريا لتطويق الإسبان، مقابل امتيازات لبريطانيا لدى المغرب.. وهو ما لم تغامر الملكة إليزابيث بتشجيعه.
حاول المولى محمد الثالث إحياء مشروع تحرير المدينتين المغربيتين، وهو ما شكل إحراجا لمصالح بريطانيا بحكم علاقتها مع مملكة إسبانيا.
اهتمام اسكتلندا بقصة الأسيرة «هيلين» جعل من قصتها «ملحمة» تناقلتها الألسن، قبل أن توثق لدى المؤرخين، وتبقى محاطة بالكثير من الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة التي لم يعد ممكنا التحقق من مدى مصداقيتها.. لكن بدا واضحا أن الوهج الذي حققه المولى محمد الثالث، الذي لقبه المغاربة بـ«العالِم المصلح»، شكل مصدر ضيق للدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا، سيما عندما دعا إلى إنهاء الرق والعبودية حول العالم، وترافع من أجل هذا المشروع الإنساني.
قراصنة سلا.. سيدات أوروبيات في قبضة «المغاربة»
ليست «هيلين» هي القصة الأوروبية الأولى لوقوع سيدة أجنبية في الأسر على يد القراصنة المغاربة.
القرن الثامن عشر، وحتى القرن الذي قبله، حافلان بأحداث مثيرة من هذا النوع.
في سنة 1743 غادرت أسيرة هولندية المغرب صوب بلادها، وركز عليها الهولنديون الضوء، وشهدت قصتها إقبالا منقطع النظير، ما جعل مذكراتها الشخصية عن يوميات الأسر في المغرب الأكثر طلبا في مملكة هولندا، حتى بعد مرور قرنين على وفاتها!
مذكراتها: «اثنتا عشرة سنة من الاستعباد. رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب 1731-1743». والتي ترجمها إلى العربية د. بوشعيب الساوري، كشفت جوانب من الحياة العامة للأسرى في المغرب، قبل قرابة أربعة قرون، ووثقت لمشاعر متناقضة أحست بها الأسيرة «ماريا» خلال فترة وجودها في المغرب، علما أنها انتقلت من كونها مجرد أسيرة في سلا، إلى واحدة من أكثر النساء المطلوبات في جناح الحريم في القصر السلطاني بفاس، إذ إن زوجها الهولندي كان أسيرا معها بدوره، وكان خبيرا في مجال الخيول، وتقرر أن يستفيد القصر من تجربته، بينما أصبحت زوجته «ماريا» صديقة لنساء القصر.
وهنا نورد مقتطفا من مذكراتها: «استولى المغاربة على تلك الأشياء كلها. لذلك صعدتُ إلى الجسر، حيث وجدت زوجي والقبطان وواحدا من الركاب كان يعمل طباخا لملك إسبانيا، وكانت الدموع تنهمر على خدود الثلاثة. ظلوا هناك مثل مجرمين محكومين بالإعدام، بملابسهم التي مزقها المغاربة. بعد ذلك اقترب مني المغاربة، كي يلقوا نظرة. كنت أشاهد تلك الكتلة كلها من الرجال بنظرة خاطفة، ثم تراجعتُ إلى الوراء قرب سائق الدفة.
كان يوجد هناك كيس كبير يحتوي على الخزف الصيني، أتى به القبطان من إسبانيا، كما وضعت به ملابسي الشتوية وألبسة داخلية وسكريات، لم أستطع وضعها بصناديق الأمتعة. كان واحد من المغاربة قد اتخذه -أي الكيس- مقعدا بعدما استولى عليه. أوقفته وأخرجتُ منه ما كنت في حاجة إليه، ثم تركته يجلس عليه مجددا، وكلفته بحراسته ووعدته حينها بأن أعطيه شيئا هاما. أخرجت حلوى مُعدة بالفواكه المسكرة، وقدمت له قطعة منها، وعدت حينها نحو رفاقي، محاولة التخفيف عنهم ما استطعت».
وفي مقطع تصف فيه ظروف الأسر: «كنا بخير نسبيا، ولم نكن محرومين من أي شيء تقريبا. وظللنا هناك إلى غاية 10 غشت1731، حين ذهبتُ في صباحه إلى القبطان الذي أعطاني كيسا ضخما من الملابس وفراشا صوفيا وغطاء قطنيا وحاضن ربع من النبيذ الأحمر، وزوجا من الأقراط، وصليبا من حجر مزيف وحليا أخرى رخيصة».
أما عن لقائها بالسلطان المولى عبد الله، والد السلطان محمد الثالث، فقد أشارت إليه:
«كنتُ في ريعان شبابي، ولم أكن قبيحة، وكنتُ أبدو أصغر من سني، وهو ما دفع رئيس معشر الأسرى الهولنديين إلى الاعتقاد بأنني فتاة تبلغ من العمر 14 سنة، بينما كان عمري حينها 27 سنة. لأنه قال لزوجي:
- من هذه الفتاة الصغيرة؟
وحين أجابه زوجي بأنني زوجته، وجد الأمر باعثا على الاستغراب».
تقول ماريا إن السلطان عندما رآها هي وزوجها، وأمعن النظر فيهما، أمر بأن يعادا إلى منزل المرأة الإسبانية، وأوصى بأن يتم الاعتناء بهما. وكلفت بمهمة جرد ما ضُبط مع الأسرى في السفينة.
قصة الأسيرة «ماريا» كانت موثقة، وتقدم معطيات وجزئيات دقيقة يستحيل تخيلها، كما أنم معلوماتها عن القصر الملكي وشخصيات المخزن وشخصية السلطان تحديدا، يستحيل أن تكون مختلقة، ولا يمكن معرفتها إلا بالعيش فعلا داخل قصر السلطان.. أما قصة «هيلين»، فمليئة فعلا بالثقوب، أو هكذا يصف الإنجليز، القصص المشكوك فيها.





