
نعيمة لحروري
بعض الأمكنة ندخلها بأقدامنا ونغادرها بقلوبنا.
هكذا غادرت المريجة، بعد أن لبيت دعوة كريمة لحضور «وعدة أولاد سيدي علي بوشنافة». ذهبت إلى هناك ضيفة، وعدت وأنا أحمل معي ذلك الشعور النادر الذي تتركه في النفس الأماكن حين تفتح لك، إلى جانب أبوابها، شيئا من ذاكرتها وروحها.
كان يوما جميلا، لكن جماله لم يكن في المشهد وحده.
كان في الناس.
وفود قدمت من قبائل مختلفة، تقطع المسافات لتصل إلى الموعد، فتستقبل بما توارثه أهل هذه الربوع من كرم لا يحتاج إلى إعلان، ومن حفاوة تجعل القادم يشعر، منذ اللحظة الأولى، أنه بين أهله.
هناك، بدا لي أن «الوعدة» أكبر من مجرد موسم.
فالاسم نفسه يحمل معناه: موعد يتجدد، وعهد لا يريد الناس له أن ينقطع.
يتواعدون كي لا تفرقهم الأيام، ويتلاقون كي لا تنتصر المسافات، ويجلس بعضهم إلى بعض حتى تذوب تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنعها الحياة بين البشر. توصل الأرحام، وتتجدد الصلات، وتتصافى النفوس، وتعود للسلام والمصافحة والكلمة الطيبة قيمتها القديمة.
ثم يأتي الفرس..
بجماله وكبريائه وذاكرته الممتدة في هذه الأرض.
وتنطلق التبوريدة، فيهتز المكان على وقع حوافر الخيل ودوي البارود، ولا تعود أمام مشهد كهذا ترى فرسانا فقط، بل ترى صفحات من تاريخ كامل تنهض للحظات أمام عينيك. لباس وأهازيج وحركات حفظها الأبناء عن الآباء، وحفظها هؤلاء بدورهم عن أجداد رحلوا، لكن شيئا منهم ما زال حاضرا في السروج والخيول والوجوه.
وفي زاوية أخرى من المشهد، كان للروح موعدها.
مديح وذكر وصلاة على النبي، وأصوات ترتفع ثم تتداخل، فتمنح المكان سكينة لا تشبه ضجيج الاحتفالات.
وللتصوف الشعبي في ربوعنا سر لا تدركه بالكلمات وحدها.
إنه ذلك الميل الفطري نحو المحبة؛ نحو أن يخف الإنسان قليلا من أثقال الدنيا، وأن يتذكر وسط خصوماتها ومشاغلها أن العمر أقصر من أن نحمله بالحقد، وأن القلوب خلقت لتتعارف قبل أن تختلف.
ولعل أجمل ما في مثل هذه الوعدات أن الجميع يجد فيها مكانا.
الكبير يستعيد زمنا يعرفه، والشاب يكتشف جزءا من ذاكرته، والطفل يحدق في الخيل والفرسان بعينين مندهشتين، دون أن يعرف أنه في تلك اللحظة يتسلم، بصمت، أمانة جيل كامل.
ذلك الطفل ربما لن يتذكر بعد سنوات تفاصيل ذلك اليوم، لكنه سيتذكر أن أباه أخذه إلى مكان اجتمعت فيه القبائل، وأن الغرباء كانوا يكرمون، وأن الأبواب كانت مفتوحة، وأن الطعام كان يتقاسم، وأن الرجال كانوا يتصافحون، وأن الأصوات كانت ترتفع بالصلاة على النبي.
وهكذا تنتقل الهوية. ليس بالكتب وحدها، ولا بالخطب والشعارات، وإنما بالمشهد والذاكرة والإحساس.
ووعدة أولاد سيدي علي بوشنافة ليست استثناء في جهة الشرق. في هذه الجهة مواسم ووعدات كثيرة، لكل منها اسمها وحكايتها وأولياؤها وقبائلها وطقوسها، لكنها جميعا تلتقي عند معنى واحد: ألا تنقطع الخيوط التي تربط الإنسان بأرضه وبأهله وبذاكرته.
نحن نعيش زمنا سريعا جدا.. تتغير المدن، وتتغير أنماط العيش، ويغادر الأبناء القرى، وتصبح العلاقات أكثر برودة، ويجلس الناس قريبين بأجسادهم ومتباعدين بأرواحهم.
لهذا ربما نحتاج «الوعدة» اليوم أكثر مما احتاجها أجدادنا.
نحتاج موعدا يعيد الإنسان إلى الإنسان.
نحتاج خيمة تتسع للقادم دون أن تسأله من يكون، ومائدة يجد فيها الغريب مكانه، ومصافحة تنهي جفاء، ومديحا يلين قلبا، وفرسا يوقظ ذاكرة.
غادرت المريجة، وظل شيء منها معي.
وظل سؤال جميل يرافقني: ماذا يبقى من الأماكن حين نغادرها؟
ربما لا يبقى البارود، ولا صهيل الخيل، ولا ضجيج الجموع..
يبقى ذلك الدفء الذي تركه الناس في القلب.
ويبقى اليقين بأن تراثنا ليس مجموعة طقوس ورثناها عن الذين سبقونا، وإنما خيط خفي يصل أرواحنا بأرواحهم.
وأن الوفاء لهذا التراث ليس أن نعيش في الماضي، بل أن نحمل أجمل ما فيه معنا إلى المستقبل: الكرم، وصلة الرحم، والتسامح، والوفاء، وإكرام الضيف، والمحبة.
وفي المريجة، بين الخيل والمديح والوجوه القادمة من قبائل شتى، شعرت أن ذلك الخيط ما زال متصلا..
وأن الذاكرة، ما دام هناك من يجتمع من أجلها، لا تموت.





