حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

أعنف الفيضانات التي هزت المغرب

خسائرها فادحة وتفاصيل أغلبها سقطت من الأرشيف

يونس جنوحي

«المؤرخون تكلفوا بتسجيل أعنف الحوادث المرتبطة بالفيضانات في المغرب، خلال القرون الأخيرة.. «تبارى» الناصري مع المختار السوسي، والضعيف الرباطي، لرسم ملامح أعنف الفيضانات، والمحطات التاريخية التي عاش فيها المغاربة على الحافة جنبا إلى جنب مع الكوارث الطبيعية..

الأجانب تكلفوا بالتوثيق لفيضانات ما قبل الحماية الفرنسية، ونقلوا كيف أن الحياة تصبح شبه مستحيلة في المغرب، عندما تعزل السيول المدن وتقطع الطرق الرئيسية بين المدن..

لكن التوثيق المعاصر لم يبدأ إلا مع كارثة فيضان صفرو في شتنبر 1950، حتى أن السلطان محمد بن يوسف زار المدينة للوقوف على تداعيات الكارثة، في سياق سياسي متوتر بين القصر والإقامة العامة..

ثم جاءت فيضانات أخرى كان الوضع السياسي متداعيا، إلى أن حصل المغرب على الاستقلال في مارس 1956، ويصبح المغاربة أمام مسؤولية إنقاذ الناجين، وتدبير الأزمة، بعد قرون من إحصاء الخسائر.. لا غير».

 

 

++++++++++++++++++++

 

 

كوارث المغرب المنسي.. بالأبيض والأسود

في يناير 1946، ضربت السيول قرى مجاورة لوادي سوس.. كانت إذاعة BBC” ” سباقة إلى إخبار المغاربة بمدى فداحة الخسائر التي تسبب فيها فيضان الوادي، مع أولى النشرات الصباحية. فقد عاشت المنطقة ليلة استثنائية، انهمرت فيها مياه الوادي، لتحيي مجاري مائية نضبت منذ عقود، بسبب توالي سنوات الجفاف.

حسب التقرير الذي أنجز على مستوى المراقب المدني في أكادير، والذي يعود تاريخه إلى يوم 13 يناير 1946، فإن ما وقع يتعلق بكارثة حقيقية، سببها فيضان وادي سوس، ووصول المياه إلى منابع تعرضت للطمر، ليجرف التيار رؤوس الأغنام والمواشي، ويحول قرى مجاورة للوادي إلى أطلال. الأمطار القوية التي هطلت تلك الليلة هدمت بعض المنازل المحلية – منازل طينية- وهو ما زاد من تعميق معاناة الأهالي..

لم تتوفر في الأرشيف أي معلومات عن فريق إنقاذ أو تعليمات للمراقب المدني أو العسكري في أكادير، علما أن المنطقة وقتها كانت تتوفر على قواد وباشوات موالين لفرنسا، لكن لم يسجل أي تدخل لإنقاذ السكان، أو تخفيف حدة الأضرار.

لم يستمر فيضان وادي سوس سوى أيام قلائل، لينخفض منسوب المياه. لكن الذاكرة الجماعية سجلت حوادث أعنف بكثير لوادي سوس، جمعها مؤرخون في سوس، مثل البعقيلي، الذي كتب عن سيول القرن 19، وفيضان وادي سوس الشهير، وتضرر أكادير ونواحيها، وانعزال تارودانت.

منصب المراقب المدني، في زمن الحماية الفرنسية، يضمن صلاحيات واسعة لسلطات فرنسا وموظفيها، لكنه لا يتدخل في اختصاص المراقب العسكري الذي كان يتدخل عندما يتعلق الأمر بكارثة «فوق العادة». وهو ما وقع فعلا في أكادير في سنة 1952، عندما تدخل المراقب العسكري في المدينة، وأرسل فرقا من الجيش لتطويق تيزنيت، بعد أمطار قوية ضربت المدينة لأيام، وتسببت في كوارث وخسائر في الأرواح والممتلكات.

منطقة الجنوب الشرقي هي الأخرى كان لها نصيب من التجارب مع الكوارث، فقد سجل أرشيف الإقامة العامة الفرنسية، أن المقيم العام أعطى تعليماته في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، لكي يتم إنشاء مركز مراقبة للأحوال الجوية، لتحقيق رصد استباقي للكوارث، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالسيول الجارفة والأمطار الغزيرة. ورصد المركز الذي أقيم في تندوف، والذي كان تابعا إداريا لمدينة أكادير، تحولات في الطقس طيلة فترة تبعية المنطقة للإدارة المحلية في أكادير، وسجلت نشرات إنذارية من المركز، وكثيرا ما نشرت في الصحف والنشرات..

 

قصة «طابع بريدي» ارتبط بأعنف كارثة بعد الاستقلال 

بعد فيضان صفرو، عندما هاج وادي «أكادي» في أواخر شتنبر 1950، والذي تسبب في وفاة أكثر من 100 مغربي – حسب ما وثقته الصحافة الفرنسية وفق التقارير الإدارية الرسمية- عاش المغاربة على إيقاع أول مأساة تتسبب فيها الطبيعة بعد الاستقلال، ويتعلق الأمر بفيضانات الغرب سنة 1963.

عندما اجتاحت السيول منطقة الغرب، وعزلت القصر الكبير، وتسببت في انهيار المنازل التقليدية في منطقة شفشاون وتطوان، ووصل تأثيرها إلى نواحي فاس ومكناس، كانت الإدارة المغربية أمام أول امتحان حقيقي في التعامل مع الكوارث، بعد استقلال المغرب.

قرر الملك الراحل الحسن الثاني منذ اليوم الأول لتوصله بتقرير وزارة الداخلية من العمالات المعنية، أن يُنزل وحدات الجيش لإنقاذ الناجين وفك العزلة عن القرى التي طوقتها المياه. فقد كان الملك الراحل، وكان وقتها لم تمض إلا سنتان على وصوله إلى الحكم، يدرك أن الإدارات المعنية بإجلاء المواطنين أو الإسعاف كانت قيد التأسيس، ولم تتوفر لها بعد الإمكانيات الضرورية لمباشرة العمليات. في حين أن الجيش المغربي كان مؤهلا للتدخل، واتخاذ المتعين.

كان الجنرال الكتاني، والجنرال إدريس بن عمر مكلفين معا بتخصيص وحدات من الجيش، سواء من سلا أو بنسليمان، وترتيب الأمور الإدارية من الأركان العامة بالرباط، لنقل وحدات من الجيش إلى منطقة السيول، وفك العزلة عن الغرب، وصولا إلى القصر الكبير، وبناء مخيمات لإيواء الناجين، وتوفير ناقلات مائية لنقل الناجين وما تبقى من المواشي، وتوفير الأغطية والأغذية..

لا تتوفر معطيات كافية عن تفاصيل التدخل العسكري الذي أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإطلاقه لإغاثة الغرب، لكن الأرشيف يسجل أن الجيش تدخل للسيطرة على الوضع، ونشرت الصحافة الوطنية صور تدخل الجيش في المناطق المتضررة ونقل الناجين للخيام، في انتظار انحسار منسوب المياه.

لكن أهم قرار ارتبط بفيضان الغرب لسنة 1963، كان عندما انتهت الكارثة، وبدأت الحياة تعود إلى المنطقة بشكل طبيعي.. فقد أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإصدار طابع بريدي «تنبر» خاص بذكرى الكارثة، ووجهت المداخيل لتمويل توزيع المساعدات على الأهالي في منطقة الغرب.

تردد أن الأمريكيين قدموا المساعدات في منطقة الغرب، لكن المعلومات تبقى غير دقيقة، خصوصا وأن جلاء الأمريكيين من المغرب انطلق سنة 1959، ولم يعد وجود القوات الأمريكية في منطقة الغرب قويا كما كان في السابق، خصوصا مع إغلاق قاعدة سيدي سليمان، واقتصار الأمريكيين على مكتب صغير في قاعدة القنيطرة.

لكن المعطيات المتوفرة تؤكد أن المغرب وجه جزءا من المساعدات الأمريكية في عهد الرئيس كينيدي إلى ضحايا فيضان الغرب، ووزعت أكياس القمح الأمريكي والأغطية التي تحمل طابع برنامج المساعدات الأمريكية، على الناجين.

كانت وزارة الداخلية هي التي أشرفت على عملية توزيع المساعدات، ووجهت اتهامات في ذلك الوقت، من طرف المعارضة الاتحادية في برلمان 1964، إلى وزير الداخلية بشكل مباشر، تحمله مسؤولية التلاعب بالمساعدات الأمريكية، وشهد البرلمان نقاشا حادا، وتبادلا للاتهامات بين الحكومة والمعارضة، بخصوص تدبير المسؤولين للمساعدات المخصصة للناجين من كارثة فيضانات الغرب.

 

+++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

كيف انزعجت فرنسا من زيارات السلطان للمدن سنة 1950

قبل أن يضرب فيضان صفرو الشهير في شتنبر 1950، كان المغرب يسير على إيقاع تحول إداري عميق، سعت فيه فرنسا إلى ضرب حصار سياسي وفعلي على السلطان محمد بن يوسف.

وهكذا فإن زيارته التاريخية والشهيرة إلى صفرو لتفقد ضحايا الفيضان وأوضاع المدينة المنكوبة، لا يمكن أن تعزل عن هذا السياق المشتعل. إذ إن الإدارة الفرنسية في تلك السنة كانت تسعى إلى إطلاق أول تجربة إدارية لا تقع تحت سلطة السلطان، لسحب السلطة منه تدريجيا..

وهنا، نقدم شهادة نادرة لأحد من عاشوا هذا الصراع من الداخل. يتعلق الأمر بمحمد الرشيد ملين، الذي كان موظفا في ديوان الملك الراحل، نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وتقلب في مناصب مخزنية احتك فيها بالمسؤولين الفرنسيين.

عندما أصدر كتابه «نضال ملك»، نهاية الخمسينيات، بقيت مذكراته أول شهادة توثق لكواليس «محنة» السلطان في سياق الصراع مع فرنسا على السيادة.

كتب مُلين عن أوضاع السلطة، ثلاثة أشهر قبل فيضان صفرو، والزيارة السلطانية إلى المدينة، شارحا عمق المواجهة غير المعلنة بين القصر والإقامة العامة:

«وكان لمقاومة السلطان ودفاعه عن نفوذه وسيادته أثر في نفوس الموظفين، وبالأخص في نفوس القواد والباشوات، فإذا كانت الإقامة تعدهم وتمنيهم، فإن القصر ثابت على خطته، وهو لا محالة ناجح في الأخير، إذ إن السلطان هو العاهل الشرعي لهذه البلاد، وسيأتي مقيمون، ويذهب آخرون، ولكن العاقبة لأرباب البلاد، ولملكهم المخلص والمدافع عن مصالحهم..

وهكذا بقى الباشوات والقواد يتواردون على جلالة الملك يلتمسون رضاه، ويتفانون في التقرب إليه، وآخر حادث من هذا، هو ما شوهد في تلك الزيارة التي قام بها سيدي محمد نصره اللّه إلى مدينة مراكش في أبريل من سنة 1950، بطلب ملح من باشاها، الحاج التهامي الكلاوي. فطيلة شهر كامل، أقام صاحب الجلالة ومعه كل حاشيته بعاصمة الجنوب، وكانوا موضع ترحاب وإكرام، لا من المراكشيين حسب، بل من طرف رجال القبائل الجنوبية، وإن نسيتُ، لا أنسى تلك المظاهرة التي أقامتها هاته القبائل على طول عشرات الكيلومترات، يوم خروج السلطان وحاشيته لزيارة أغبالو، مسقط رأس باشا مراكش، فكانوا صفوفا متراصين، يحيون بخشوع وخضوع ملكهم وإمامهم الشرعي، ولو كان لدعاة تقسيم المغرب الى شطرين، بربري، وعربي، أعين يبصرون بها، لأدركوا عقم محاولتهم، ولعلموا أن المغاربة جميعهم في الشمال وفى الجنوب، في الشرق وفى الغرب، لا يدينون إلا بدين واحد هو الإسلام، ولا يخلصون إلا لعاهل واحد هو سيدي محمد بن يوسف أيده اللّه».

لم تكن الإقامة العامة تتوقع طبعا أن يكون المغرب على موعد مع الفيضان العنيف، الذي خلف مأساة في مدينة صفرو، وغيرها من المناطق. لكن الزيارة السلطانية إلى صفرو كانت حدثا سياسيا، وجه السلطان من خلاله رسالة قوية إلى باريس، فترة قصيرة بعد زيارته التاريخية إلى فرنسا.

 

 

فيضان صفرو.. مأساة جعلت بن يوسف يتحدى باريس

يوم 28 شتنبر 1950، صدرت صحيفة «لوموند» الفرنسية الشهيرة، وعلى صدرها عنوان مثير:

«سيول جديدة تضرب صفرو وتعمق معاناتها الشديدة».

بينما الصحف الصادرة في المغرب تنقل استطلاعات من عين المكان، كان الترقب يسود أجواء المكاتب المغلقة في الرباط. إذ إن الإقامة العامة كانت تتابع أوضاع رعاياها في محيط منطقة صفرو، وحتى تقارير الإدارة الرسمية القادمة من صفرو، لم تكن تهتم إلا بأخبار الرعايا الفرنسيين والمصالح الأمنية والعسكرية في المنطقة.

وهكذا، قرر السلطان سيدي محمد يوسف أن يزور مدينة صفرو رسميا، لتفقد أحوال المغاربة الذين كانوا يعيشون على إيقاع معاناة شديدة، بسبب جرف السيول لمنازلهم ومزارعهم.

عُزلة حقيقية كانت تعيشها مدينة صفرو في أول أيام أكتوبر 1950، خصوصا وأن فرنسا، بحكم أنها المسيطر الفعلي على المنطقة أمنيا، لم تبادر إلى فك العزلة عن الأهالي.

عندما وصل خبر الزيارة إلى صفرو، تجندت فرنسا لمراقبة الأجواء. ليس لتأمين زيارة السلطان، ولكن لضمان عدم تحول زيارته إلى ما يشبه «ملحمة شعبية».

لكن ما تخوف منه المقيم العام، الذي لم يغادر مكتبه في الرباط، تحقق على أرض الواقع.

ففي تقرير رفع إلى المقيم العام من مكتب باشوية صفرو، يحمل رقم 48-311/1950، حذر الموظفون الفرنسيون من تحول زيارة السلطان إلى منعطف سياسي في المدينة. ومن أهم ما جاء في التقرير المرفوع إلى الإقامة العامة:

«زيارة السلطان اقتصرت على استقبال الأعيان في إقامة الباشا، والقيام بجولة في المدينة. لكن الجولة طالت أكثر من المتوقع، ولم يمانع السلطان أو يتردد، بل فاجأ مرافقيه بأن طلب منهم أن يزور الأحياء الداخلية، ويخاطب بعض الواقفين لاستقباله. كما أن المسؤولين عن برنامج السلطان من القصر الملكي اضطروا إلى إلغاء مأدبتي غذاء على شرف السلطان، لضيق الوقت. فقد طال استقبال السلطان لبعض الأعيان أكثر من المتوقع، وقدموا له ولاءهم، وأكد لهم أنه يحس بعمق معاناة أهالي صفرو، ولذلك جاء لمواساتهم بنفسه.

كما كان اللقاء فرصة لكي يسأل السلطان بعض الفلاحين من صفرو عن مشاكلهم، وطال بقاؤه معهم ساعة أخرى.

في الشوارع، خرج الأهالي من صفرو ونواحيها لرؤية السلطان، وأحرجوا رجال المخزن بأن طلبوا من السلطان إسعافهم وشرحوا له معاناتهم مع الفيضان الذي أجهز على مواشيهم ومخزونهم الفلاحي».

زيارة سيدي محمد بن يوسف إلى صفرو كانت فرصة للحركة الوطنية لاستعمال الصور التي التُقطت للسلطان، وتوظيفها لتأجيج المشاعر الوطنية لدى المغاربة، سيما وأن السياق كان مشتعلا بين القصر والإقامة العامة، بسبب رفض السلطان التضييق على الأحزاب الوطنية. فكانت الزيارة إلى صفرو فرصة لإعادة إحياء الحماس الجماهيري، الذي انتعش منذ زيارة السلطان التاريخية إلى طنجة، في أبريل 1947.

فيضان صفرو كان نقطة سوداء في تاريخ المنطقة ككل، خصوصا وأن فرنسا باعتبارها المهيمن الأول على الأمن والإدارة، لم تبادر نهائيا لإنقاذ الضحايا المغاربة، أو فك العزلة عنهم، في حين أن الإدارة الفرنسية اكتفت فقط بتفقد أحوال الرعايا الفرنسيين من ملاك الضيعات الفلاحية، خارج صفرو، ومنطقة تجمع الموظفين الفرنسيين – في قطاع التنقيب- الذين كانوا يتخذون من صفرو مقرا للإقامة.

الفيضان زاد من تعميق الفجوة بين المغاربة والإدارة الفرنسية.. فقد كانت الكارثة امتحانا حقيقيا للنوايا الفرنسية، وتصور مسؤوليها لعلاقتهم بالمغاربة، خلال الأزمات.

 

 

وديان أغرقت المغاربة قبل أكثر من قرن

باختلاف مناطق المغرب، تختلف تجارب المغاربة مع الوديان.. لكن الذاكرة الجماعية تحفظ ذكريات سيئة مع وديان وأنهار تقطع التجمعات السكانية الكبرى..

وادي سبو مثلا، الذي يعتبر عصب الحياة في فاس، اعتبره الأجانب الذين زاروا المدينة عصب الحياة، وقنبلة مؤقتة في الوقت نفسه.

عندما وصلت فرنسا إلى فاس سنة 1912، لاحظت أن الوادي الكبير الذي يزود المدينة بالمياه، يمكن أن يقضي على الحياة داخلها نهائيا، بسبب نظام التصريف والمجاري المائية داخل فاس..

وعندما يرتفع منسوب المياه، خلال فصل الشتاء، أو عندما تتسبب الأمطار الخريفية في سيول جارفة، فإنه يسبب خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. إذ كان «عاديا» أن يسجل سنويا لواد سبو، سحب رؤوس الأغنام، والبغال والخيول، أثناء محاولة عبور الوادي، من وإلى فاس.

وادي درعة هو الآخر سجل محطات مؤسفة، تكاد تسقط من التاريخ الجماعي. لكن الإسبان على سبيل المثال يتذكرون سيول 1938 الجارفة، التي تسبب فيها وادي درعة. ورغم أن الخسائر لم تكن بفداحة الوديان الأخرى، التي تقطع التجمعات الكبرى – وسط المغرب على وجه الخصوص-، إلا أن الإسبان أثناء زحفهم في منطقة الصحراء، سجلوا تخوفهم من تداعيات عبور وادي درعة، خلال موسم الشتاء. وهو ما تحقق فعلا في شهر دجنبر سنة 1955، عندما سجلت خسائر مهمة في صفوف الجيش الإسباني، خلال معارك جيش التجرير. فقد خسر الجيش الإسباني طائرتين مقاتلتين، سحبهما وادي درعة، رغم محاولات المسؤولين الإسبان إبعاد موقع تخييم فرق من الجيش الإسباني، أثناء عمليات مواجهة جيش التحرير المغربي في الجنوب.

كما أن وادي درعة ضرب طوقا على الشاحنات الإسبانية، وساهم في تقوية حظوظ المقاومين المغاربة، للتقدم إلى الأمام وصولا إلى الثكنات الإسبانية التي وجدوها شبه خالية، بحكم أن أغلب الوحدات طوقها وادي درعة، وهو ما جعل المقاومين من مقاتلي جيش التحرير المغربي يضربون ضربة استباقية، ويحرجون إسبانيا بإعلان السيطرة على ثكنة إسبانية في الجنوب، رغم توعد الإسبان بالرد على «الاعتداء»..

وادي أم الربيع، الذي يقطع أهم منطقة سهلية في المغرب ليصب في المحيط، سجل هو الآخر حوادث مؤسفة.. ففي سنة 1918، سجل الأرشيف الفرنسي أن سيول وادي أم الربيع تسببت في خسائر فادحة، وأضرار للمزارع في السهول، وهو ما أزم وضع الفلاحين المغاربة، في حين أن السلطات الفرنسية كانت تضع مخططات ودراسات لبناء القناطر الرئيسية في المغرب، للتقليل من الحوادث المتسببة في الخسائر على مستوى الأرواح. إذ إن غياب القناطر إلى حدود نهاية عشرينيات القرن الماضي، كان السبب الرئيس وراء فداحة خسائر المغاربة، خلال فترات السيول الجارفة.

 

عندما اجتمعت الحرب والفيضان على القْصر الكبير قبل قرن

عندما كان الشريف الريسولي في عز حربه ضد إسبانيا، بداية العشرينيات من القرن الماضي، لم تكن الطبيعة في صفه، فقد شهدت منطقة الشمال شتاء عنيفا، وسيولا هدمت ما تبقى مما لم تدمره طائرات القصف الإسباني.

ننفرد هنا بنشر مقطع من شهادة الشريف الريسولي نفسه، للمغامرة «روزيتا فوربس»، التي سجلت مذكراته الشخصية في كتاب: «سلطان جبالة»، والتي تحدث فيها عن أعنف شتاء ضرب منطقة «تازروت» ونواحي القصر الكبير، ما بين سنتي 1918 و1921. وبدا واضحا أن مخلفات الفيضان والسيول الجارفة، والأمطار القوية التي استمرت لأكثر من أسبوعين دون انقطاع تقريبا، كانت أقوى على الأهالي من مخلفات المدفعيات الإسبانية:

«خلال الأشهر الأولى للحرب الجديدة، كان لدينا ما يكفي من الطعام، فقد جاءت عربات كثيرة من «مسوار»، خلال فترة الهدنة التي كانت قصيرة. لكن ذلك الشتاء كان فظيعا في الجبال. كل القرى تقريبا دُمرت. لم تكن هناك أسقف لإيواء الناس الذين عاشوا في الكهوف والحفر على الأرض. الطاعنون في السن والصغار جدا ماتوا، بسبب البقاء في العراء، فقد هطلت أمطار كثيرة.

كادت الماشية أن تُباد كليا، واكتسحت الحرب كل شيء وامتدت إلى الجبال العالية. لم ينبس الحكماء بكلمة، فقد كان لا يزال هناك عشرة آلاف سجين في الريف، وكان معروفا كيف كان عبد الكريم يُعاملهم. لكن الجهلاء كانوا يعاتبونني قائلين:

– إن حكمة الله في صفك سيدي، وإن وضعنا صار أسوأ من السابق. كيف سنحظى بالأمن الآن؟

كنتُ أجيبهم:

– إن الابتلاء من الله. وبمشيئته وحدها سوف تنتهي الحرب، أو تستمر.

وكانوا يذهبون مُرددين مُطأطئين رؤوسهم:

– الله أكبر!

انتظرتُ وصول الصحف، كما كانت النساء تنتظر حليب الماعز الشحيح لإنقاذ أبنائهن. خلال تلك الفترة كلها كانت تصلني أخبار أوروبا من طنجة، وجواسيسي لم يخذلوني أبدا.

مات الكثيرون من أصدقائي خلال تلك الأشهر، وكانت لائحة الشيوخ الذين كانوا في صفي تتقلص يوميا. أولئك الشيوخ حضروا طقوس الشاون وضريح سيدي عبد السلام.

حامد الساكن، وهو أخي في الدم، من بني عروس، أُصيب بالرصاص خلال الدفاع عن «أفرنوم»، التي احتُلت بواسطة هجوم مشترك بين ثلاث وحدات من الجيش، ومات محمد الخراجي في المناوشات الأخيرة قبل الوصول إلى تازروت. بمجرد ما أن خسرنا منحدرات «أفرنوت» كان بإمكان سلاح المدفعية تدمير جبل علان، وكان مؤكدا أن تازروت سوف تسقط قريبا هي الأخرى.

أرسلتُ عائلتي كلها إلى الجبل، في «دار الحايك»، وقد سُميت كذلك، لأن مياه الوادي تتدفق فيها مثل لباس المرأة الأبيض.

كانت هناك سيدة مُسنة من أقاربي لم تُرد الذهاب. وقالت:

– لقد عشتُ حياتي كلها في الزاوية وسوف أنهيها فيها.

ذهبتُ بنفسي لكي أحثها على الذهاب، لكنها لم تقتنع. جاء إليها الخدم يصيحون قائلين:

– حتى القطط قد رحلت. إنها حيوانات حكيمة، وقد ذهبت مباشرة إلى مخيم سيدنا.

كانت تُردد:

– سوف أموت حيث عشتُ.

وفي الحقيقة فقد بقيت هناك خلال معظم فترة الاحتلال الإسباني. كانوا يعاملونها جيدا، ويعطونها الطعام وكل ما تطلبه، ولم يلمسوا أبدا غُرفتها. لكنها كانت مُسلمة جيدة، وكانت تقول:

– إن الله هو الذي أمر عقولهم لكي يعاملونني هكذا».

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى