
إذا كانت الطرق السيارة تشكل شرايين حيوية للاقتصاد والتجارة والتنمية، بما تتيحه من انسيابية في تنقل الأشخاص والسلع بين الأقاليم والمدن وفق معايير عالية للسلامة والنجاعة والسرعة في قضاء الأغراض، فإن مشاريع الربط بين الأحواض المائية بالمملكة يمكن اعتبارها بالفعل «طرقا سيارة مائية» لا تقل أهمية، بل تتجاوز أحيانا منطق النقل إلى أبعاد أعمق ترتبط بالأمن المائي للمغاربة، والحماية من الفيضانات، ومواجهة التغيرات المناخية وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
لقد أظهرت السنوات الأخيرة، خاصة بشمال المملكة، تسجيل فائض مهم في الموارد المائية نتيجة التساقطات المطرية الغزيرة خلال فترات زمنية متقاربة، لكن هذا الفائض المهم، الذي لم نشهده منذ سنوات طويلة، خلال هذه الأيام، ورغم ما يحمله من مؤشرات إيجابية على مستوى المخزون المائي، تحول، في العديد من الحالات، إلى مصدر خطر بسبب الفيضانات التي استنفرت لجان اليقظة كما هو الشأن بالنسبة للقصر الكبير، وخلفت خسائر مادية جسيمة وأدت إلى تنفيس السدود وتصريف كميات كبيرة من المياه نحو البحر دون استثمار فعلي، في مفارقة صارخة مع واقع أقاليم وجهات أخرى تعاني من خصاص مائي مهول للشرب والسقي، ما يعرقل توسيع الأنشطة الفلاحية وخلق فرص الشغل والتنمية.
وقد طرحت مشاريع الربط بين الأحواض المائية، بتعليمات ملكية سامية، كخيار استراتيجي يهدف إلى حسن استغلال وترشيد الفائض المائي، وتحقيق نوع من التضامن بين الأحواض، من خلال تحويل المياه من المناطق التي تشهد تساقطات مطرية غزيرة إلى المناطق التي تعاني الجفاف وندرة التساقطات والمناخ شبه الصحراوي، وهي مشاريع تحمل رهان تعزيز الأمن المائي، ومواجهة التقلبات المناخية وتحقيق العدالة المجالية في الاستفادة من الثروة المائية كأساس للحياة والتنمية.
غير أن توالي حوادث الفيضانات بالشمال، كما تابع الجميع طيلة الأيام الماضية، وما رافقها من ضياع لكميات مهمة من المياه، أعاد إلى الواجهة جدل حصيلة هذه المشاريع الضخمة ونجاعتها ومدى تحقيق الأهداف المسطرة، ووفاء الشركات نائلة الصفقات العمومية بالملايير بالتزاماتها وتنزيل بنود دفاتر التحملات، من أبرزها استباق المخاطر الطبيعية والحد من الخسائر، واستثمار الفائض المائي بالسدود التي تقع بمناطق تشهد تساقطات مطرية مهمة.
إن الأهمية البالغة لمشاريع الربط بين الأحواض بالمملكة تفتح الباب أمام مساءلة حقيقية للقطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، سيما في ظل رصد صفقات عمومية بمبالغ ضخمة تُقدر بالملايير لإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض، والرأي العام يطالب الآن بمعرفة الحصيلة الفعلية لهذه الاستثمارات، ومدى انعكاسها على أرض الواقع، سواء من حيث تعزيز التخزين المائي، أو تقليص مخاطر الفيضانات أو دعم المناطق المتضررة من الجفاف.
إن «الطرق السيارة المائية» ليست مجرد أوراش تقنية كما يعتقد البعض، بل هي مشاريع سيادية تتقاطع فيها رهانات التنمية، والعدالة المجالية والحماية من الكوارث الطبيعية، ونجاحها يظل رهينا بالتقييم الموضوعي والدوري، والحكامة الصارمة في التدبير، وتسريع وتيرة الإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة، خارج المزايدات الانتخابية والصراعات الفارغة، لأن الأمر ليس مجرد اختيارات استراتيجية ترسم على الورق، بل أداة فعالة لحماية الثروة المائية وضمان الأمن المائي للمملكة في مواجهة تبعات سنوات عجاف والتغيرات المناخية.





