
مع اقتراب نهاية ولايات الجماعات الترابية، رصدت مختلف التقارير التي أنجزتها المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة، للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، اختلالات وتلاعبات في تدبير المال العام بجل الجماعات، مع وجود مؤشرات حول تورط رؤساء جماعات في شبهة اختلاس وتبديد أموال عمومية.
ولا تكاد هذه التقرير تخلو من تكرار نفس الاختلالات والتلاعبات، من قبيل تفويت صفقات على مقاس مقاولات معروفة سلفا، وإنجاز دراسات وهمية تكلف ملايين الدراهم وتبقى مجرد حبر على ورق داخل الرفوف، واقتناء تجهيزات ومعدات دون استعمالها، بالإضافة إلى وجود اختلالات وتلاعبات تشوب المشاريع المبرمجة في إطار برامج التأهيل الحضري للمدن والمراكز الحضرية من طرف رؤساء الجماعات الترابية، وهي البرامج التي تخصص لها مبالغ مالية بالملايير.
مظاهر تبديد المال العام بالجماعات الترابية لا تتجلى فقط في صفقات مشبوهة، أو مشاريع فاشلة، بل تتخذ أشكالا أخرى أكثر خطورة، وهي عدم تحصيل موارد مالية مستحقة للجماعات، وهي أموال عمومية بقوة القانون. وبالتالي فالجماعات لا تبدد فقط ما تنفقه بلا أثر، بل أيضا بأموال يفترض أن تدخل إلى خزينة الدولة، لكنها تتبخر بقدرة قادر.
وفي عدد كبير من الجماعات، تتحول المداخيل الجبائية إلى مجرد أرقام نظرية في الميزانيات التي تتم المصادقة عليها في شكل ضرائب لا يتم استخلاصها، ومتأخرات متراكمة منذ سنوات لا يتم تحصيلها، وقرارات إعفاء من أداء الجبايات أو تماطل في تحصيلها، خاصة في ما يتعلق بالضريبة على الأراضي غير المبنية، التي أصبحت عنوانا صارخا لتبديد المال العام بالمدن الكبرى التي تضم أراض شاسعة داخل المدار الحضري تبقى خارج أي استغلال، وخارج أي استخلاص للضرائب، في وقت تشتكي فيه الجماعات من خصاص في الموارد.
الأمر نفسه ينطبق على كراء المرافق العمومية، من قبيل أسواق الجملة والأسواق الأسبوعية، والمحلات التجارية، والمحطات الطرقية، ومواقف السيارات، وفضاءات جماعية تُستغل أحيانا بثمن بخس، أو دون تحيين للسومة الكرائية، وتدر هذه المرافق أرباحا على مستغلّيها أكثر مما تدره على الجماعات المالكة لها.
المفارقة أن هذا التبديد يحدث في جماعات تشتكي العجز، وتبرر فشلها بقلة الموارد، وهنا لا نتحدث عن عجز مالي، بل عن عجز في التدبير، وإلا كيف لجماعة تعاني خصاصا في النقل المدرسي، أو الإنارة العموميـة، أو النظافة، أن تنفق بسخاء على الاستشارات الوهمية، وحفلات الاستقبال والإطعام، والسفريات داخل الوطن وخارجه، واقتناء السيارات الفاخرة، وهي كماليات لا تدخل ضمن أولويات السكان.
غير أن الأخطر من تبديد المال العام هو التطبيع معه، حين تصبح ملاحظات مؤسسات الرقابة مجرد وثائق بدون ترتيب أي أثر قانوني عنها، وحين تتراكم هذه الاختلالات من ولاية جماعية إلى أخرى دون مساءلة سياسية حقيقية، لذلك يجب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بطريقة صارمة، بإحالة هذه التقارير على القضاء ليقول كلمته فيها، عوض توفير الحماية والحصانة للصوص المال العام.
لا أحد يطالب بتجريم العمل الجماعي أو شيطنة المنتخبين، لكن المسؤولية تفرض قول الحقيقة كاملة، بأن منظومة تدبير المجالس الجماعية تحتاج إلى مراجعة حقيقية، خاصة أننا على مقربة من نهاية الولاية الجماعية، ومن المفروض كذلك تعديل القوانين المنظمة للانتخابات الجماعية، من أجل تخليق المؤسسات المنتخبة على غرار القانون التنظيمي لمجلس النواب، بمنع المفسدين والمشبوهين من الوصول إلى كراسي المجالس الجماعية.
خلاصة القول، إن الدولة التي رفعت شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة مطالَبة، اليوم، بأن تجعل من الجماعات الترابية اختبارا حقيقيا لهذا الشعار، لا استثناء له.





