
محمد اليوبي
حصلت جريدة «الأخبار» على مراسلات وصور، تؤكد إتلاف أرشيف جماعة فاس، يتضمن وثائق تتعلق بالتعمير والصفقات والإعفاءات الضريبية على الأراضي الحضرية غير المبنية. وتزامن ذلك مع زيارات لجان افتحاص، ما أثار موجة من الاستغراب والشكوك تستدعي فتح تحقيق من طرف المصالح الإدارية والقضائية المختصة.
اختفاء ملفات حساسة
كشفت وثائق إدارية عن وقائع تتعلق بكسر أقفال مصلحة الأرشيف وتغيير مفاتيحها دون إشعار المسؤول المباشر عنها، فضلا عن تعرض ملفات محفوظة بملحقة الجماعة بالمدينة الجديدة لأضرار بسبب تسرب مياه مجهولة المصدر، وذلك في فترة تزامنت مع زيارات رقابية قامت بها مؤسسات دستورية وإدارية للتدقيق في تدبير عدد من الملفات الجماعية الحساسة.
وأكدت مصادر من مكتب المجلس أن العديد من الملفات اختفت في ظروف غامضة، ومنها وثائق تخص الاتفاقية المتعلقة بتفويت مسبح عمومي ممول من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لجمعية يترأسها المدير العام للمصالح بالجماعة، واختفت، كذلك، وثائق تخص إعفاءات ضريبية استفاد منها منعشون عقاريون ضمنهم أعضاء بالمكتب المسير للمجلس الجماعي، وطالب نواب للرئيس، النيابة العامة، بفتح تحقيق في الموضوع.
وتفيد الوثيقة الأولى، الموجهة إلى رئيس جماعة فاس بتاريخ 21 يوليوز 2025، بأن رئيس مصلحة الأرشيف فجر فضيحة من العيار الثقيل، عندما كشف اختفاء ملفات ووثائق حساسة من أرشيف الجماعة، تزامنا مع عملية افتحاص كان يقوم بها قضاة المجلس الجهوي للحسابات، ووجه رئيس المصلحة رسالة إلى عمدة المدينة، عبد السلام البقالي، يخبره من خلالها أنه، بتاريخ 4 يوليوز الماضي، كان في عطلة سنوية، وتم إشعاره بكسر أقفال باب مكتب الأرشيف المتوجد بقسارية «لعلج» بالقرب من ساحة «فلورنسا» من طرف شخص ادعى أنه يشتغل بمصلحة الماء والكهرباء بالجماعة، وقام هذا الشخص بتغيير مفاتيح باب ملحقة الأرشيف، وأخذ المفاتيح دون إخبار رئيس المصلحة بهذه العملية، وكذلك الموظفين العاملين بها. وبناء عليه أكد رئيس المصلحة، في مراسلته، أنه لم ولن يتحمل أي مسؤولية في ما ستؤول إليه الوثائق والمستندات المتواجدة بالأرشيف منذ تاريخ اقتحام المصلحة.
إتلاف وثائق بمياه مجهولة المصدر
تتضمن الوثيقة الثانية، وهي مراسلة موجهة من طرف رئيس مصلحة إلى عمدة المدينة، معطيات حول إقدام أشخاص مجهولين على كسر أقفال باب القاعة التي تضم ملفات الأرشيف بالطابق السادس بملحقة جماعة فاس بالمدينة الحديدة، وذلك في شهر مارس الماضي، وبعد ذلك تعرض الأرشيف الموجود بالملحقة للإتلاف بإطلاق مياه مجهولة المصدر.
وكشفت وثيقة ثالثة، وهي مراسلة موجهة من طرف رئيس الإدارة الجبائية إلى العمدة البقالي، عن تعرض ملفات أرشيفية محفوظة بالطابق السادس بملحقة جماعة فاس بالمدينة الجديدة لأضرار نتيجة تسرب مياه مجهولة المصدر بتاريخ 12 ماي الماضي، وهو ما أدى، بحسب المراسلة، إلى تلف عدد من الملفات الخاصة بأقسام ومصالح الجماعة، بعدما غمرتها المياه. وطلب رئيس الإدارة الجبائية، من رئيس الجماعة، إعطاء تعليماته إلى المصالح المختصة قصد التدخل العاجل لمعالجة الوضع.
وأفادت المصادر بأن هذه الوقائع تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع زيارة قامت بها لجنة افتحاص من المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، خلال شهر أبريل الماضي، لإجراء افتحاص حول الإعفاءات الضريبية التي تسببت في ضياع مبالغ مالية مهمة من مداخيل الجماعة، فضلا عن زيارة سابقة قام بها قضاة المجلس الجهوي للحسابات، خلال شهر يوليوز الماضي، في إطار مهام المراقبة والافتحاص، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الأضرار التي لحقت بالأرشيف مجرد حوادث عرضية أم أنها ترتبط بمحاولة إخفاء أو طمس وثائق قد تكون ذات صلة بملفات تخضع للتدقيق والمراقبة.
مطالب بفتح تحقيق
تذهب مصادر متطابقة إلى أن الأرشيف المتضرر أو الذي يثار بشأنه الجدل لا يقتصر على وثائق إدارية عادية، بل يضم ملفات مرتبطة بقطاع التعمير والصفقات العمومية والإعفاءات الضريبية المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية، وهي ملفات تعتبر من أكثر القطاعات حساسية داخل الجماعة، نظرا لما أثارته من جدل، خلال الدورات التي عقدها المجلس الجماعي.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن بعض هذه الوثائق قد تكون ذات أهمية بالغة بالنسبة لعمليات الافتحاص الجارية، خاصة إذا تعلق الأمر بقرارات إدارية أو ملفات تقنية أو وثائق محاسباتية يمكن أن تساعد على تتبع مسارات اتخاذ القرار أو تحديد المسؤوليات بشأن اختلالات محتملة في التدبير.
ويرى متابعون أن خطورة الموضوع لا تكمن فقط في احتمال ضياع وثائق إدارية، بل في كون الأرشيف العمومي يشكل الذاكرة القانونية والمؤسساتية للجماعات الترابية، وأي مساس به أو إتلافه أو التصرف فيه خارج المساطر القانونية المعمول بها قد يطرح مسؤوليات إدارية وقانونية، خصوصا إذا ثبت أن الأمر تم بشكل متعمد أو ترتب عنه ضياع وثائق ضرورية لإثبات حقوق أو لكشف وقائع ذات صلة بالمال العام.
وأكدت مصادر من مكتب المجلس أن العمدة البقالي لم يقدم أي توضيحات رسمية بشأن حقيقة ما جرى، وحجم الوثائق التي تعرضت للتلف أو الضياع، والظروف التي أحاطت بكسر أقفال مصلحة الأرشيف وتغيير مفاتيحها، ويطالب أعضاء بالمجلس بفتح تحقيق إداري وقضائي لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية اللازمة، حفاظا على الأرشيف العمومي وضمانا لشفافية تدبير الشأن المحلي.
وإذا ما أثبتت التحقيقات وجود إتلاف متعمد لوثائق الأرشيف الجماعي أو إخفائها أو التصرف فيها خارج المساطر القانونية، فإن الأمر قد يندرج ضمن الأفعال المجرمة بمقتضى المادتين 592 و593 من القانون الجنائي، اللتين تقرران عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى عشر سنوات سجنا في حالة إتلاف السجلات والوثائق العمومية بأي وسيلة كانت، فضلا عن معاقبة كل من يختلس أو يخفي أو يتلف وثائق من شأنها المساعدة على كشف الجرائم أو إثباتها أو البحث عن مرتكبيها.





