
في الثمانينات من القرن الماضي، وضعت إيران لبنات مشروع «الاستراتيجية الوطنية ـ نظرية أم القرى». ويعطي هذا المشروع لوضع إيران في العالم الإسلامي هالة من القدسية (يعتبرها أم القرى وأن واجب الدفاع عنها يعلو على أي مصلحة أخرى)، كما يعطي أهمية قصوى لموقع إيران الجيوبوليتيكي في السياسة الخارجية من أجل تحقيق التمدد الإقليمي وفرض الهيمنة.
وتؤكد هذه الاستراتيجية في خطوطها العريضة على ثلاثة عناصر رئيسية بالنسبة لطهران:
ـ الحفاظ على الطابع الإسلامي للنظام الإيراني وعلى موقع إيران في العالم الإسلامي.
ـ الدفاع عن أمن إيران.
ـ التوسع إقليمياً.
ويفسر محمد جواد لاريجاني النقطة الأخيرة بقوله إن هذه الاستراتيجية تحتم على إيران أن لا تحد حدودها الجغرافية من دورها، إذ لا دولة باستثناء إيران باستطاعتها قيادة العالم الإسلامي وهذه لحظة تاريخية لتحقيق ذلك.
وتم رفد هذه الاستراتيجية بواحدة أخرى تعرف باسم مشروع «الاستراتيجية الإيرانية العشرينية» (2005-2025). وهي وثيقة رسمية تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين سنة. ووفقاً للاستراتيجية، من المفترض أن تحظى إيران بخصوصية على المستوى الدولي، وتتحول إلى قوة دولية ومصدر إلهام للعالم الإسلامي، على أن ينعكس ذلك إقليمياً.
حزام شيعي من أجل السيطرة
بناءً على ما جاء في وثيقة «الاستراتيجية الإيرانية العشرينية» (2005-2025)، فإن إيران بصدد التحول إلى نواة مركزية لهيمنة تعددية داخلية في منطقة جنوب غرب آسيا (أي المنطقة العربية تحديداً التي تشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وسيناء).
ستلعب إيران دور قيادة التنظيم السياسي والاقتصادي والأمني لهذه المنطقة مع بعض القوى الإقليمية، كما أنها لن تسعى للمواجهة مع قوى الهيمنة الخارجية، إلا في الساحات التي توجد فيها مصالح متعارضة بينهما.
ومن الملفت أن معظم هذه المشاريع لا تخرج عن الطموحات القديمة لإيران الشاهنشاهية، لكنها، ومنذ عام 1979، بدأت تأخذ طابعاً آخر عبر العباءة الإسلامية، فهي تختصر أيضاً رؤية مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني للطموح الإقليمي الإيراني، وفق ما نقله عنه أول رئيس للجمهورية الإيرانية بعد الثورة «أبو الحسن بني صدر» الذي قال: «كان الخميني يقول إنه يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة على العالم الإسلامي، وكان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسورية ولبنان، وعندما يصبح سيداً لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج العربي للسيطرة على بقية العالم الإسلامي».
الإقليمية في المشروع الإيراني
في إطار تناوله للفكر الإقليمي الإيراني، يشرح محسن رضائي، أثناء عرضه لـ«استراتيجية الأمن القومي للبلاد خلال العقد القادم»، معنى مصطلح «المنطقة» خلال حديثه عن هذه الاستراتيجية، فيقول: «عندما أتحدث عن المنطقة فهذا يعني جنوب غرب آسيا، التركيز على هذه المنطقة بالتحديد لأنني أعتقد أن لديها قدرات كبيرة تتعدى بحجمها منطقة الشرق الأوسط، كما أن تركيز الجهود على هذه المنطقة يوفّر قدرات كبيرة جدا في الحفاظ على الأمن القومي لإيران».
يقول كيهان برزكار: «من بين المناطق المهمة المجاورة لإيران في الشرق الأوسط، فإن لمنطقة الخليج أهميتها القصوى في التنمية والأمن ومصالح إيران القومية، وينبغي أن تكون على رأس نشاطات سياسة إيران الخارجية. فالخليج هو الطريق الأساس لارتباط إيران بالعالم الحر، ولتصدير الطاقة، واستيراد البضائع وحفظ أمن الطاقة، ونقطة الاتصال بآسيا الجنوبية والشرقية. ومن ناحية أخرى فإن حضور إيران الفعّال في القضايا السياسية والأمنية للخليج «الفارسي» والعراق والعالم العربي يزيد من قدرة إيران في القضايا الإقليمية وفي علاقتها مع القوى الكبرى.
ويضيف: «ولما كانت قضايا إيران مرتبطة بالقضايا العالمية، فإن تقوية الإقليمية وزيادة مساحة دور إيران ونفوذها يمكن أن تخدما أهداف التوسعة وتدفعا المخاطر الأمنية عنها».
إذاً، يعود اهتمام إيران في التركيز على الإقليمية لعدة أسباب، لعل أهمها:
ـ حب البروز عالمياً، بما يعكس إحساساً بأنها قوة ليست إقليمية فحسب بل عالمية، لأن القوى تكون حاضرة غالباً في معظم الملفات ولذلك تجدها في كل القضايا، نووي – هرمز – الخليج – العراق – سوريا – لبنان – اليمن – …الخ، ولأن المنطقة العربية بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص ذات أهمية استراتيجية على المستوى العالمي وأعين الدول دائماً عليها، فإن الانخراط في هذه المنطقة إنما يخدم هدف إيران في البروز إقليمياً ودولياً ويسرع منه.
ـ السيطرة الاقتصادية، بما يجعل من طهران قوة اقتصادية عالمية. فهذه المنطقة مرتبطة اقتصادياً بالعالم بشكل كبير عبر النفط أو عبر الممرات الاستراتيجية أو عبر التجارة والاستيراد والتصدير، ومعظم دول المنطقة ضعيفة مقارنة بإيران على مستوى الزراعة والتصنيع. فالسيطرة على هذه المنطقة تتيح لإيران توسيع سوقها الخارجية بما يؤدي في النهاية إلى بروز إيران كقوة اقتصادية إقليمية ويعطيها ذلك مفتاح التحكم بسلوك الدول الأخرى عبر المعاقبة الاقتصادية (مثال دبي والعراق وسوريا وبعض دول الخليج – مشاريع مياه أوغاز).. وقد ورد ذلك في مشروع الاستراتيجية العشرينية.
ـ الرفع من وزنها السياسي على الصعيد العالمي، إذ إن الاشتباك مع هذه المنطقة والحضور الدائم فيها وفي قضاياها بطريقة أو بأخرى سيجعلان إيران شريكاً أساسياً مع القوى العظمى على طاولة المفاوضات. (إيران وأمريكا – إيران وتركيا – إيران والاتحاد الأوروبي… الخ)، وهذا الأمر يرفع من شأن إيران أوتوماتيكياً على الصعيد الدولي.
ـ الدفاع عن إيران خارج حدودها، فالإقليمية تشكل خط دفاع متقدم عن إيران والنظام الإيراني، فهي تتيح لإيران التوسع وزيادة نفوذها وتأثيرها كما سبق وشرحنا من جهة، وهي تؤمن لها عمقاً دفاعياً في مواجهة المنافسين الآخرين من داخل الإقليم أو من خارجه.. علماً أن الوثيقة العشرينية، كما سبق وذكرنا، تشير بوضوح إلى أن «إيران ستلعب دور قيادة النظام السياسي والاقتصادي والأمني لهذه المنطقة (مع بعض القوى الإقليمية)، ولن تسعى إلى المواجهة مع قوى الهيمنة الخارجية إلا في الساحات التي توجد فيها مصالح متعارضة بينهما»!! يعني المقصود في الدول العربية التي تشكل مجرد ساحة لإيران لخوض مواجهة مع الخارج (العراق، اليمن، لبنان، فلسطين، سوريا، البحرين… الخ)..
ركائز تفعيل المشروع الإيراني
في سعيها لتطبيق مشروعها، تعتمد إيران على سلسلة طويلة ومعقدة من الأدوات والسياسات والتكتيكات، منها ما ينطلق من خصائص داخلية ومنها ما ينطلق من خصائص مرتبطة بالسياسة الخارجية، ومن الممكن أن تكون متشابكة في كثير من الأحيان. من هذه الأدوات الرئيسية على سبيل المثال لا الحصر:
1- الخطاب الديماغوجي (القضية الفلسطينية): وهو خطاب شعبوي يتمحور حول مهاجمة إسرائيل وتعظيم شأن فلسطين، دون أن يعكس ذلك حقيقة الأمر، ذلك أن الغاية من هذا الخطاب تحريك الشارع العربي واستقطابه لخلق بيئة مهيأة لتقبل النفوذ الإيراني في العالم العربي، تحت شعار مقاومة إسرائيل من جهة، ولزعزعة الأنظمة القائمة، بغض النظر عن التوقيت، عبر ضرب العلاقة بين النظام السياسي والشعوب من جهة أخرى.
2- تعزيز القدرات العسكرية: يعتمد النظام الإيراني على تطوير قدراته العسكرية الدفاعية والهجومية، التقليدية وغير التقليدية، ومنها الصاروخية وهي قدرات ذات طابع هجومي، إضافة إلى نيته تطوير قدرات نووية كضامن رادع لبقاء النظام ودعم الارتقاء الإقليمي الذي يقوم به في المنطقة.
3- القدرات اللاتناظرية والأذرع: يأتي ذلك في إطار تثبيت الزعزعة التي يحدثها الخطاب الإيراني وترجمته واقعاً عملياً. ولذلك نلاحظ أنه في البلدان والأماكن التي يوجد فيها نفوذ إيراني، هناك حركات وأحزاب تمثل هذا النفوذ بشكل رسمي وعلني وبتبعية عضوية وخاصة عندما تكون شيعية، كحزب الله اللبناني الذي أعلن أمينه علناً بأنه يفتخر بأن يكون فرداً تابعاً للولي الفقيه في إيران. أما في البلدان التي لا يوجد فيها الشيعة، فيتم التعويل على حركات إسلامية ذات توجه قريب، أو حتى امتطاء موجتها تحت شعار المقاومة لاستخدامها كـ(Proxy) فيما الهدف الحقيقي استغلالها للأجندة الإيرانية القومية الخاصة. بالإضافة إلى التمدد في داخل الدول العربية عبر جهازه الاستخباراتي كفيلق القدس والحرس الثوري.
4- البرغماتية: تتيح له عقد صفقات مع القوى الكبرى بعد استدراجها في مواجهات على الساحات العربية. ولنا في التاريخ عدد من العبر أهمها فضيحة إيران- غيت، وأيضاً محاولات إنجاز ما عرف باسم «الصفقة الكبرى» مع الولايات الأمريكية.
دوائر التقاء مشروع إيران مع إسرائيل
يعتمد جوهر المشروع الإسرائيلي في المنطقة العربية على ثلاثة أهداف رئيسية منذ إنشاء دولة إسرائيل وحتى اليوم، هي:
ـ تأمين دولة إسرائيل وإن استلزم ذلك شن حروب في داخل فلسطين أو في خارجها.
ـ الهيمنة على المنطقة وتكريس التفوق الإسرائيلي عبر القوة العسكرية أو عبر مشاريع متعددة، مثل: إسرائيل الكبرى، الشرق أوسطية، الشرق الأوسط الكبير…الخ..
ـ منع بروز أي قوّة في المنطقة العربية بما يقوّض الهيمنة أو التفوق الإسرائيلي.
وإذا أمعنا النظر في هذه الأسس الثلاثة، سنلاحظ أنها تشترك مع المشروع الإيراني في عدد من المحاور:
ـ ساحة العمل هي نفسها بالنسبة للمشروعين الإسرائيلي والإيراني، مع تركيز الأولى على دائرة الشام ومصر كأولوية قصوى، وتركيز الثانية على الخليج والعراق كأولوية قصوى.
ـ كلا البلدين يعتمد استراتيجية الدفاع عن نفسه خارج حدوده، ومرة أخرى في المنطقة العربية. فالأول يعتمد على التفوق العسكري الهائل، والثاني يعتمد على الأذرع الإقليمية والقدرات غير المتوازية في تحقيق هذا الهدف.
ـ كلا البلدين يرى أنه الأكفأ للسيطرة على المنطقة العربية.
في طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل، علينا أن نميّز بين الخطاب الاستهلاكي العام والشعبي (أي ما يسمى الإيديولوجيا هنا)، والمحادثات والاتفاقات السريّة التي يجريها الطرفان غالبا مع بعضهما البعض (أي ما تمكن تسميته بالجيو-استراتيجيا هنا)، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المحرّك الأساسي للأحداث يكمن في العامل «الجيو-استراتيجي» وليس «الإيديولوجي» الذي يعتبر مجرّد وسيلة أو رافعة لكلا الطرفين.
بمعنى أبسط، يعتقد تريتا بارسي أنّ العلاقة بين المثلث الإسرائيلي- الإيراني – الأمريكي تقوم على المصالح والتنافس الإقليمي وليس على الإيديولوجيا والخطابات والشعارات التعبوية الحماسية. واستناداً إلى الكتاب المهم الذي ألفه، وعلى عكس التفكير السائد، فإن إيران وإسرائيل ليستا في صراع إيديولوجي بقدر ما هو نزاع قابل للحل.
+++
نافذتان:
من الملفت أن معظم المشاريع لا تخرج عن الطموحات القديمة لإيران الشاهنشاهية لكنها ومنذ عام 1979 بدأت تأخذ طابعاً آخر عبر العباءة الإسلامية.
الاشتباك مع هذه المنطقة والحضور الدائم فيها وفي قضاياها بطريقة أو بأخرى سيجعلان إيران شريكاً أساسياً مع القوى العظمى على طاولة المفاوضات.
++++++++++++++++





