
عندما نرى كيف تعرضت قطعة من الرخام تكرم ذكرى القيادي والمناضل والوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، لتشويه بشحم السيارات وسط الشارع العام بطنجة، والذي يحمل اسم الوزير الراحل، ساعات فقط بعد وفاته، نفهم كيف أن عادة قديمة لا تزال تعشش في أذهان الكثيرين.
وقبله، تعرض قبر الراحل بنزكري، الذي قاد تجربة الإنصاف والمصالحة وتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، لاعتداء غير مفهوم. لكنه في الحقيقة طقس ضارب في التاريخ. أغلب ضحايا هذا الطقس يكونون في الغالب ممن شُهد لهم بالصلاح والريادة. ينتظر من ناصبوهم العداء وفاتهم لكي يدنسوا ذكراهم، لأنهم ببساطة لم يستطيعوا مواجهتهم قيد حياتهم.
في هذا الملف نجمع من الوقائع ما تفرق، وبعضها سبق أن انفردنا بالتعمق فيه، ونربط خيوطها، ليتضح في الأخير أن «داء العطب قديم»، وأن تلك العادة ليست إلا تكريسا لحقد يسدد على شكل ضريبة على النجاح.
عندما دخل العنف إلى السياسة وامتد إلى القبور
سبق للمؤرخ الراحل عبد الهادي التازي، في شتنبر سنة 1998، أن ألقى محاضرة في مقر جامعة القرويين بفاس، عن «التاريخ المجهول» المحفوف بالوقائع غير المروية، أو التي لا يحب الكثيرون روايتها. وتطرق إلى ما أسماها وقتها المبالغات الأجنبية في بعض المراجع غير المغربية، التي كانت تصف المغاربة ببعض الصفات التي تنفي عنهم صفة الحضارة. والحال أن تلك الأحداث وطريقة روايتها، يقول عبد الهادي التازي، يُؤخذ منها ويُرد. ويجب ربطها بسياقها الصحيح وليس قراءتها معزولة وقطعها من سياقها الذي وقعت فيه.
أما عن أصل دخول العنف إلى الحياة السياسية، فيمكن ربطه تاريخيا بغريزة الانتقام التي عششت في العقول، ومارسها بعض المسؤولين السابقين ضد خصومهم. لكن التازي يؤكد أن تدخل القصر الملكي كان فعالا على مدى أزيد من 400 سنة لوقف تلك الممارسات ودفنها في مهدها، قبل أن تتحول إلى ما يشبه حربا أهلية بين الأسر المخزنية، بعكس بعض الدول الأخرى التي حكمت المغرب قبل العلويين، والتي كان فيها للتنكيل بالجثث نصيب كبير من التاريخ. وربما، وهذا محض استنتاج بعيدا عن مداخلة الدكتور عبد الهادي التازي، تبقى الأحداث التي طالت الاعتداء على قبور بعض الوزراء إرثا من بقايا ما علق تاريخيا في أذهان تلك العائلات، التي قضت قرونا في خدمة المخزن.
سنعود إلى ما قبل سنة 1880 لنضع نقاطا فوق الحروف، ولرصد أقدم التنكيلات بالمسؤولين السابقين، في إطار الصراع على السلطة. حيث تحول الأمر في ما بعد إلى طقس انتقامي من خيرة موظفي الدولة ووزراء البلاد، على يد من كانوا يحسدونهم أو ممن انتهى وجودهم سياسيا على يد هؤلاء الوزراء، الذين حصلوا إما على تنويه الشعب أو نجحوا في حصد احترام القصر.
يقول بوشتى بوعسرية في كتاب «معلمة المغرب»: «فحينما دخل الصدر الأعظم (يقصد المعطي الجامعي) على السلطان (المولى عبد العزيز) في قصره بمكناس، يحمل معه صكوك الأوامر والظهائر السلطانية، كما جرت العادة، للتوقيع عليها، أمره بتقديمها إلى أبا حماد بن موسى، فامتنع عن القيام بهذه المهمة التي اعتبرها إهانة له، فلم يسع السلطان إلا إعطاء تعليماته، بإيعاز من حاجبه، لقائد المشور إدريس بن العلام البخاري ليبلغ الصدر الأعظم السابق إعفاءه من وظيفه ولزوم داره».
وهنا مصدر آخر، أجنبي هذه المرة، هو «المغرب المنقرض» لصاحبه الذي جاء إلى المغرب في سنة 1880، وأصبح لاحقا صديق المولى عبد العزيز إلى حدود سنة 1900. يتحدث هنا عن مأساة آل الجامعي: «حتى كان رجل يمرغ في تراب ساحة القصر، رجل مثير للشفقة تغمر عينيه الدموع، رجل تسخر منه وتستهزئ به الجموع التي كانت، قبل هنيهة، تنحني لتحيته حتى تطأ جباهها الأرض. كانت ثيابه ممزقة بسبب غلظة الجنود وعمامته قد انزاحت عن مكانها الطبيعي، وحين اجتاز باب القصر السري مجرورا من طرف العساكر، نزع الحارس رزته البيضاء الرائعة، وضعها الحارس فوق رأسه، وعلى رأس الصدر الأعظم وضع شاشيته المتسخة، فحيت قهقهة مدوية فعلته (..) اقتيد الوزيران السابقان (الحاج المعطي ومحمد الصغير) إلى السجن بتطوان، وهناك كانت السلاسل مصيرهما، فَغُلاَّ في ضيافة برج الاعتقال. وبعد مرور ثلاث سنوات، وهي مدة بدت للحاج المعطي وكأنها الأبد، توفي هذا الأخير. لم يجرؤ عامل تطوان على دفن الجثة، إذ انتابه الهلع من فرضية اتهامه بمساعدة السجين على الفرار، لم يجد بديلا عن مكاتبة البلاط كي يتم تزويده بتعليمات. كان الوقت صيفا والحرارة مفرطة في حصن الاعتقال، لم يكن بالإمكان التوصل بالجواب قبل مرور 11 يوما، وطوال هذه المدة، ظل سي محمد الصغير مغلولا جنب جثة أخيه».
هذه الوقائع ترسخت في ذهن بعض السياسيين، والجيل الذي نريد الحديث عنه في هذا الملف، فتح عينيه عليها.
وزراء وعلماء حاول «جبناء» تدنيس ذكراهم بعد وفاتهم
عندما توفي ابن عرفة في فرنسا، خلال بداية سبعينيات القرن الماضي، شرع بعض قدماء المقاومة في البحث الجاد عن موضع قبره، بعدما سمح الملك الراحل الحسن الثاني للعائلة بنقل جثمانه إلى المغرب.
وصل الخبر إلى عبد الهادي بوطالب، من مدينة فاس، وأخبر الملك الراحل الحسن الثاني الذي أعطى الأمر لكي يتم دفن الجثمان في مقبرة صغيرة دُفن فيها بعض أفراد العائلة العلوية. من أبناء عمومة الملك الراحل محمد الخامس. هذه الواقعة رواها بعض قدماء المندوبية السامية للمقاومة.
لو أن هؤلاء الذين تعقبوا خبر وفاة ابن عرفة، التي لم يشر إليها في وسائل الإعلام في ذلك الوقت، كانوا يفكرون في إحياء عادة قديمة تعود إلى عصر القبلية والصراع، لربما شهدنا في التاريخ الحديث امتدادا لما كان يقع من انتقامات وتشويه لمعالم القبور. وكلما أوغلنا في التاريخ، وجدنا وقائع تجاوزت في عنفها حد الإساءة إلى شاهد القبر، بل وصلت حد إخراج صاحبه ورميه في قارعة الطريق.
عندما كانت هذه الظاهرة منتشرة، وطالت عددا ممن كان يُشهد لهم بالصلاح، كان القصر يعين حراسا على بعض القبور حتى لا تطالها أيادي من كانت لهم حسابات مع أصحابها قيد حياتهم، أو من ضحايا القوانين التي عملوا بها أو أحدثوها. وكان هذا الأمر شائعا بعد وفاة وزراء أعفوا أبناء عائلات مخزنية أو نافذة. كان الثأر ينتظرهم بعد وفاتهم، ليتم التطاول على قبورهم بعد أن عجز أولئك عن مواجهتهم سياسيا قيد حياتهم.
في عهد المولى يوسف، كان صديقه وأحد كبار مستشاريه متهما بالانتقام من بعض الوجوه المخزنية في الرباط ممن كانوا نافذين على عهد والده المولى الحسن الأول. حيث تم التخلص من مقبرة في الرباط، كانت مدفنا لعدد من الشخصيات التي اشتغلت في إدارة الأملاك المخزنية. وفي الوقت الذي كان فيه اعبابو ابن أسرة متواضعة جاء إلى فاس للعمل، كان أولئك الموظفون في قمة مجدهم في السلطة. وقوبلت محاولات اعبابو للتسلق الوظيفي والترقية بالرفض. وهكذا عندما أصبح صديقا للمولى يوسف، أصبح أول مستفيد من وصوله إلى السلطة، ليصبح مستشاره الخاص ومرافقه الدائم. وهكذا انتقم من بعض قدامى موظفي المخزن المخلصين بطمس وجودهم في مقبرة الرباط، وحولها إلى ملك خاص به، قبل أن يصادرها منه محمد الخامس خلال بداية الثلاثينيات، مباشرة بعد وصوله إلى السلطة، حيث اكتشف الملك الراحل أن صديق والده كان يجمع عددا من الملكيات بطريقة غامضة، ولم تمنعه حرمة القبور من تحويل مقبرة إلى أرض مملوكة صالحة للبناء، فوق عظام مسؤولين سابقين في الدولة، ذنبهم الوحيد أنهم لم يمنحوه ترقية قبل أن يصبح صديقا للسلطان.





