حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسية

التاريخ لا يصنع المستقبل

 

عبد الحميد توفيق

 

قد تكون أوروبا أحوج القارات لصرخة مدوية توقظها من غفلتها ومن الزمن الأمريكي الذي يسعى إلى ابتلاعها. تاريخها يشفع لها إن هي أطلقت صرختها. موقعها يمدها بدفق دماء في شرايينها الممتدة حتى آخر تخوم البسيطة شمالا. بصماتها ماثلة على أربع جهات الأرض، شاهدة على نهوضها الأول، نهضتها المتنوعة ظلت أنموذجا يتغنى الطموحون بمضامينه وفرادته.

هل يكفي صوت أوروبي بمفرده لإيقاظ أقرانه على اتساع القارة المتمددة اليوم شرقا حتى تخوم صفيح اللهيب الروسي الأوكراني؟ هل صرخة كهذه يمكن أن تكون بمثابة طَرْقٍ عاصف على ناقوس كإشارة إلى خطر يتزايد مع إشراقة كل صباح؟

أي إيحاءات حملتها مواقف الرئيس الفرنسي وآراؤه، قبل أكثر من شهر، عقب لقائه الرئيس الصيني في بكين، حين انتفض من أجل استقلالية قارته ومطالبته بضرورة إنهاء هيمنة الولايات المتحدة على قرارها السياسي، وتساءل: «لماذا علينا اتباع الإيقاع الذي يختاره الآخرون»؟

صدارة النموذج الصيني بجميع مكوناته تجاوزت قدرة القادة الغربيين على اللحاق به، أو مجاراته، أو الحد من تأثيراته الناعمة بعدما تغلغل في تفاصيل بلدانهم ومؤسساتها، وأسهم في تشكيل جزء كبير من أذواق شعوب الغرب واستولى على اهتماماتهم.

تختزل مواقف ماكرون تلك صورة المشهد الفرنسي والأوروبي بشكل دقيق. مكاشفة مع الذات ومع الأقران الأوروبيين غير مسبوقة. أهي فعلا صدى لمكبوت فرنسي، حيث جاء صوته وحيدا؟ أم أنه تعبير عن ما يجيش في صدور الأوروبيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الحرب الأوكرانية وسواعد مشعليها التي لا تفتر، وبين سندان واقع عالمي يتشكل بعيدا عن اعتبارهم قوة مستقلة؟

للزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول مقولة أثيرة في نفوس الساسة الأوروبيين وشعوبهم: «للعربة الأوروبية حصانان يقودانها: فرنسا وألمانيا»، وقد جسدها فعلا وقولا وعملا، واهتدى بها ساسة البلدين ردحا من الزمن.

من الطبيعي ألا تغيب هذه المقولة عن ذهن سيد الإليزيه، بل ربما تكون أحد مسببات نوبة انتفاضته. الحصان الذي كان لباريس صنوا في جر العربة الأوروبية افترق عنها، اختار طريقا ربما وجده ملبيا لنوازعه، محاكيا لنزعات كامنة في دهاليز النفس الألمانية منذ سبعة عقود ونصف العقد. حضور وقوة القارة الأوروبية وتأثيرها اليوم لا يقاس بجغرافية تتمدد وتتوسع، طالما أن اتساعها لا يأتي من فعل ذاتي إرادي، أو من تخطيط ووعي سياسي مستقل الدوافع والغايات.

هل بدأ تبرم الأوروبيين من سطوة الولايات المتحدة على خياراتهم يتصاعد، أم هي مجرد سحابة صيف عابرة؟

وإذا كانت أكثر التوقعات صعوبة على الأوروبيين تكمن في ضبابية مساراتها ونهاياتها، فإن أعمق التأثيرات على مستقبلهم يتضح بانقياد النظام السياسي الأوروبي بغالبيته للإيقاع الأمريكي في الصراع مع روسيا عبر الساحة الأوكرانية، وارتهان جوانب واسعة من مقدراتهم لمتطلباتها، على أن البعد الآخر في ثناياها بدت آثاره تتضح في تصدع الوحدة السياسية للقارة الأوروبية، رغم محاولات عدد من قادتها الإيحاء بتماسكها.

الاعتماد على خيارات مستقلة لنسج علاقاتهم مع العالم الجديد، بعيدا عن مؤثرات الرياح الأمريكية وهبوبها، يواجه تحديين كبيرين، أولهما ذاتي ينبع من ظاهرة الافتراق في مقاربات الساسة الأوروبيين للعلاقات مع واشنطن وأولوياتها من جهة، ومصالحهم مع الصين وروسيا من جهة أخرى، وثانيهما نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في ترسيخ مفهوم مظلتها الدفاعية النووية وغير النووية لأوروبا كمبدأ أساسي لحمايتها، بعد أن أمسكت بكامل خيوط اللعبة على المسرح الأوروبي، منذ تفجر النزاع الروسي الأوكراني.

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى