
يعتقد من يقاطعون العملية الانتخابية أنهم ينتمون إلى فئة محايدة لا تشارك في الانتخابات، وبالتالي فهي غير معنية بتبعات السياسات العمومية التي تنتج عنها. والحقيقة أن السياسة أمر لا مفر منه في الحياة المعاصرة، فإذا لم تمارسها بأي شكل من الأشكال، فإنها ستمارس عليك لا محالة، في جميع تفاصيل معيشتك اليومية، وفي تحديد مستقبلك ومستقبل أبنائك والأجيال اللاحقة.
فمقاطعة الانتخابات تفضي إلى انخفاض أرقام المشاركة مقارنة بعدد السكان الذين يحق لهم التصويت قانونا، وإذا أضفنا إلى ذلك عزوف من هم مسجلون أصلا في اللوائح الانتخابية، تصبح العملية أكثر سهولة أمام سماسرة الاستحقاقات لشراء الأصوات، وتكريس الفساد، وعودة الوجوه السياسية المستهلكة، وتحكمها في القرارات، وإمساكها بسلطة التوقيع، وتمثيل الناخبين، واكتساب الشرعية القانونية للتأثير في السياسات العمومية والتشريع والتصويت على مشاريع القوانين والميزانيات.
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية كبيرة عن اتساع دائرة مقاطعة الانتخابات، بسبب فشلها في استقطاب الشباب، وغياب استراتيجية دائمة والدينامية المطلوبة في هيئاتها الموازية، وضعف الحضور المحلي والجهوي والوطني في القضايا الراهنة، إلى جانب قصور أدوار التأطير وتوجيه الرأي العام وتكريس الممارسة الديمقراطية في تدبير الشأن الداخلي، وفتح الطريق أمام الطاقات والكفاءات لتولي مسؤوليات التسيير وتدبير الشأن العام، وبالتالي التشجيع على المشاركة السياسية.
إن العملية الانتخابية لن تتوقف، في جميع الأحوال، لأنها أحد الخيارات الديمقراطية الحديثة في تدبير الشأن العام، وما تحقق من نجاح في إدارة السلطة والتنمية وتحقيق التقدم في بلدان عديدة، ارتبط بتكثيف المشاركة السياسية، وتوعية المواطنين بأهميتها البالغة في تحقيق التغيير، والضغط من أجل تسريع وتجويد التشريع، وفرض رقابة جادة على الحكومة، ثم التصويت لمعاقبة الأحزاب التي تتنصل من التزاماتها وتفشل في تنزيل برامجها الانتخابية.
فالشأن السياسي لا يمكنه أن يصلح نفسه بنفسه، بل لا بد له من التطعيم بالكفاءات، وخلق نوع من التزاحم مع الفساد ومحاربته من خلال تفعيل القوانين. وبعد ذلك يمكن للتراكمات أن تتحول إلى قوة حقيقية في التغيير الهادئ، وأن يصل المواطن إلى درجة من الوعي السياسي تمكنه من الاستفادة من مقتضيات الدستور، الذي تتضمن نصوصه مبادئ متقدمة في مجال الحقوق والمشاركة والحكامة، وقد تتجاوز في بعض الأحيان مستوى المطالب السياسية التي ترفعها بعض الأحزاب. غير أن الضبابية تنشأ من القراءات العدمية والدعوات إلى المقاطعة، التي قد تترك مساحات أوسع أمام الفساد للتحرك والاستفادة من الفراغ السياسي، مستغلا ما يتيحه القانون، وعلى حساب الصالح العام.
إن مقاطعة الانتخابات ليست بالضرورة موقفا محايدا، لأنها تترك للآخرين مهمة اختيار من يتولى تدبير الشأن العام واتخاذ القرارات التي ستطال الجميع دون استثناء. أما المشاركة، فلا أحد قال إنها شيك على بياض يمنح لأي حزب أو مرشح، بل تمنح المواطن فرصة الاختيار والمحاسبة والعقاب الانتخابي. ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي لا يكمن في الابتعاد عن السياسة، وإنما في الانخراط فيها بوعي ومسؤولية، واستخدام ورقة التصويت لاختيار الأفضل، ومراقبة المنتخبين، ومحاسبة من أخفق، حتى تتحول الانتخابات من مجرد موعد دوري إلى آلية فعالة لتجديد النخب وتصحيح المسار وصناعة التغيير.





