
يونس جنوحي
مع حلول سنة 1905، بدأ المهدي المنبهي يعيش حياة الترف. حوّل قصره، بعد استخراج وثائق «الحماية» له ولأفراد أسرته، إلى ما يشبه قاعة احتفالات أسبوعية لموظفي المفوضية البريطانية في طنجة.. حتى أن عدد أصدقائه الأجانب صار يفوق عدد من يعرفهم من المغاربة الطنجويين..
شهد رحيل صديقه، الوزير المفوض «السير آرثر نيكلسون»، بعد الزيارة التاريخية للقيصر الألماني إلى طنجة الدولية، ورحّب بعده بالوزير المفوض الجديد، الذي وصل في مارس 1905 إلى طنجة، «السير جيرارد لوذر».
مع المفوض الجديد، بدأ المهدي المنبهي يحظى ببعض الاهتمام الأجنبي، ولم تعد علاقاته الوطيدة مقتصرة على الإنجليز وحدهم، وأصبح لديه أصدقاء من النمسا والولايات المتحدة الأمريكية، وبات على رأس قائمة المدعوين للاحتفالات الرسمية.. لكنه لم يكن ليغير جلبابه المخزني، وكأنه يحاول بذلك تذكير الجميع بماضيه.
مخزني بريطاني
من بين أغرب ما جاء في التقارير الرسمية البريطانية، الصادرة عن مفوضية طنجة صيف 1905، أن المنبهي كان مدافعا شرسا عن المخزن في حربه ضد «الروگي».. وكان كلما تجاذب الحضور أطراف الحديث عن مواقف المخزن وسياسات الدولة، إلا وانبرى للدفاع عن المواقف الرسمية.
كان في طنجة متقاعدون من خدمة المخزن، لكن علاقة المنبهي مع أغلبهم لم تكن على ما يرام. وبخلاف ما راج عن عُزلة المهدي، خصوصا خلال السنوات الأولى لوصوله إلى طنجة الدولية، فإنه كان على اتصال مع بعض موظفي المخزن القدامى، سيما الوزير محمد الطريس، الذي تقاعد في المدينة الدولية، وكان يحظى بتقدير كبير من السلطان.
التقدير هو ما كان ينقص المنبهي، إذ كانت تصل إليه أخبار «النميمة» التي انتشرت في طنجة الدولية بين الأعيان والأثرياء المغاربة، والتي كانت تروج لرواية مفادها أن المهدي رحل عن فاس مغضوبا عليه، وأنه هرّب ثروته قبل أن يُطبق عليها المخزن.
استغرب الإنجليز، في البداية، لعدم مهاجمة المنبهي للسلطان ولسياسة المخزن، خصوصا مع توالي أخبار عجز الجيش عن إخماد ثورة «بوحمارة» وشل توسع حركته. كان الوزير السابق هادئا، ومتخذا كل الاحتياطات التي تجعله في المستقبل بعيدا عن أي دور مفصلي في الأحداث المشتعلة، من منفاه الاختياري بطنجة الدولية.
هوايات الوزير
تعلم المهدي المنبهي ركوب الدراجة الهوائية عندما كان في قصر فاس مع المولى عبد العزيز. والشاهد هنا هو المصور الفرنسي «غابرييل فيير»، الذي تحدث عن يوميات السلطان عندما كان المنبهي يشغل منصب العلاف الكبير.. بل إن شهودا آخرين أكدوا أن المهدي كان راكبا بارعا ورياضيا للدراجة الهوائية، وسرعان ما أتقن ركوبها.
في طنجة الدولية، وابتداء من سنة 1905، أصبح للمنبهي مدرب خاص أشرف على تعليمه أبجديات رياضة التنس، وبدأ يتردد على الملعب الأول الذي شُيد في طنجة.
حسب المصادر البريطانية، فإن منطقة «واد اليهودي» التي تأتي في منحدر أسفل مرشان، شهدت أولى ملاعب الرياضات الأكثر شعبية في بريطانيا، وأقيمت هناك ملاعب «مؤقتة»، كان المنبهي يتردد على بعضها لتعلم رياضة التنس، ثم الغولف في وقت لاحق.
كان المنبهي يفكر في أنسب هدية يقدمها للبريطانيين، سيما وأنهم رحبوا به بينهم، وتجاوز الأمر مجرد منحه «الباصبور» ليصبح محميا، إلى إشراكه في العادات والهوايات البريطانية. فكانت الهدية أول ملعب للتنس بمعايير ممتازة، أدى المنبهي تكاليفها ابتداء من تخصيص مساحة الأرض المناسبة لإقامة الملعب ومرافقه، وصولا إلى تكاليف العشب والتجهيزات التي جرى جلبها خصيصا من بريطانيا من أجل المنبهي.. وجعل الملعب مفتوحا في وجه الشخصيات البريطانية من دبلوماسيين ومقيمين. وكثيرا ما شوهد المهدي المنبهي وهو يتعلم لعبة التنس، التي أصر على أن يمارسها بجلبابه وسرواله المغربي الواسع، رافضا بشكل قطعي أن يرتدي «السروال البريطاني القصير» المخصص لتلك الرياضة.
هذه الهدية كانت موضوع أحاديث الطنجويين في ذلك الوقت، سيما وأن المنبهي لم يبقِ الأمر سرا، بل قرر إقامة ملعب في قلب قصره، وكانت أصوات الاحتفالات المنبعثة من وراء أسوار قصره تصل إلى أسماع خليفة السلطان، الذي لم يتردد في نقل أخبار المنبهي إلى فاس.
كان المنبهي، في وقت لاحق، ضيف شرف على نادي اليخوت الذي أقيم في طنجة، لكن، قبل ذلك، كان أحد الأعضاء الشرفيين في نادي الغولف. وهناك معلومة تاريخية تتعلق باهتمام المنبهي بالغولف، إلا أنها لم ترد في أي وثيقة رسمية، ومفادها أن المنبهي منح هبة سخية للإنجليز، عبارة عن أرض شاسعة مع إصلاحها لتكون مناسبة لممارسة لعبة الغولف.





