
النعمان اليعلاوي
صعّد لحسن السعدي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لهجته تجاه حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق الحملة الانتخابية السابقة للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، موجهاً رسائل سياسية إلى منافسي حزبه، ودافع في الوقت نفسه عن حصيلة الحكومة، خصوصاً في تدبير الأزمات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الزلزال والجفاف.
وجاءت مواقف السعدي خلال لقاءين تواصليين نظمهما حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليمي شيشاوة والصويرة، بجهة مراكش آسفي، أول أمس الاثنين، حيث ركز في جزء من مداخلته على أوضاع المناطق الجبلية والنائية، قبل أن ينتقل إلى الرد على انتقادات خصوم حزبه، والدفاع عن برنامج «الأحرار» والتزامات الحكومة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
السعدي: المناطق الجبلية ما تزال تعاني التهميش
وفي جماعة مزوضة القروية بإقليم شيشاوة، أكد السعدي استمرار معاناة عدد من المناطق الجبلية والنائية من التهميش والفقر وضعف البنيات التحتية، مشيداً في الوقت نفسه بما وصفه بـ”صبر ساكنتها الطويل بروح من الانتماء والكرامة إلى هذا الوطن”.
واعتبر المسؤول الحزبي أن هذه المناطق ينبغي أن تحظى بمزيد من الاهتمام ضمن السياسات العمومية، داعياً السياسيين والمرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة إلى جعل المناطق الأكثر حاجة في صلب البرامج الانتخابية، أسوة بالمدن والمراكز الكبرى.
وربط السعدي هذا التوجه بالعناية الملكية وبرامج الدعم المباشر والمخطط المندمج لتقليص الفوارق المجالية، مؤكداً أن الهدف ينبغي أن يكون ضمان العيش الكريم لسكان المناطق النائية، وإخراجهم من أوضاع وصفها بأنها لا تليق بالمغرب في القرن الحادي والعشرين.
وفي رسالة سياسية مرتبطة بتدبير الحكومة للأزمات، شدد السعدي على أن رئيس الحكومة، باعتباره معيناً من طرف الملك، يمثل المغاربة كافة، وليس فقط من صوتوا للحزب الذي يقوده، وبالتالي فهو مطالب، وفق المتحدث، بالدفاع عن الفئات الهشة وتفقد أوضاع المواطنين في المناطق المتضررة.
وجاء هذا التصريح في سياق حديثه عن زيارة رئيس الحكومة عزيز أخنوش الأخيرة إلى مناطق الحوز، في وقت تحاول فيه الأحزاب المتنافسة استثمار عدد من الملفات الاجتماعية والمجالية ضمن النقاش الانتخابي.
وأكد السعدي أن زيارة المسؤولين للمناطق المتضررة يجب ألا تقرأ من زاوية الاستغلال الانتخابي، معتبراً أن الحكومة مطالبة بمواصلة تتبع أوضاع المواطنين والتدخل لمعالجة الاختلالات التي كشفت عنها الأزمات المتعاقبة.
دفاع عن تدبير الزلزال وكورونا والجفاف
وفي رد غير مباشر على الانتقادات الصادرة عن قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، دافع السعدي عن ما اعتبره نجاعة التدخل الحكومي في مواجهة الأزمات الاستثنائية التي عرفتها المملكة.
وأكد أن حزب التجمع الوطني للأحرار والحكومة كانا حاضرين ميدانياً إلى جانب المواطنين خلال فترة جائحة كورونا، وأثناء الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة من المملكة، فضلاً عن تداعيات الجفاف.
واستشهد في هذا السياق بالنزول المباشر للوزراء إلى الميدان وتفاعلهم مع وسائل الإعلام والبرلمان، مشيراً، على وجه الخصوص، إلى تحركات وزير الصحة أمين التهراوي، معتبراً أن ذلك يعكس، بحسبه، استمرار العمل على إصلاح قطاعي الصحة والتعليم.
ولم يفصل السعدي هذا الدفاع عن حصيلة الحكومة عن النقاش الانتخابي، إذ بدا واضحاً أن “الأحرار” يسعى إلى تحويل تجربة التدبير الحكومي خلال السنوات الماضية إلى ورقة في مواجهة الأحزاب المنافسة، خصوصاً تلك التي تنتقد أداء الأغلبية وتقدم نفسها باعتبارها بديلاً سياسياً.
الدفاع عن برنامج دعم مربي الماشية
وفي السياق نفسه، دافع السعدي عن برنامج دعم مربي الماشية، معتبراً أن الحكومة اتخذت إجراءات لمواكبة الفلاحين والكسابة في ظل الظروف الصعبة التي فرضها توالي سنوات الجفاف.
ودعا في المقابل إلى تذليل عدد من التعقيدات التي تواجه سكان المناطق المتضررة، خصوصاً ما يتعلق برخص البناء وضعف تغطية الإنترنت، بما يسهل وصول الدعم الاجتماعي إلى مستحقيه.
واستخدم السعدي هذا الملف للرد على انتقادات موجهة إلى الحكومة، متسائلاً، بلهجة حادة، عن الجهات التي كانت مسؤولة عن تدبير عدد من القطاعات خلال الأزمات، في إشارة إلى أحزاب مشاركة أو سبق أن شاركت في تدبير الشأن الحكومي.
“الفراقشي الحقيقي”.. السعدي يرد على خصومه
وفي واحد من أكثر مقاطع مداخلته حدة، رد عضو المكتب السياسي لـ”الأحرار” على الاتهامات الموجهة إلى الحكومة بشأن دعم الوسطاء، مستعملاً تعبير “الفراقشية” الذي أصبح حاضراً بقوة في الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية.
وقال السعدي إن “الفراقشي الحقيقي” هو من يملك “السيركات”، ومن يبيع المنتجات الفاسدة للمواطنين، وهي “الفرماج”، كما انتقد ما وصفه بـ”الشفوي”، مؤكداً استمرار التعبئة الحكومية لتجاوز الأزمات والنهوض بالأوضاع المعيشية للمواطنين.
وتكشف هذه التصريحات عن انتقال التنافس الانتخابي بين الأحزاب إلى مستوى أكثر حدة، خصوصاً مع تبادل الاتهامات بشأن الأسعار والوسطاء والقدرة الشرائية، وهي ملفات أصبحت في قلب النقاش السياسي مع اقتراب موعد الاقتراع.
وفي اليوم نفسه، خلال لقاء «الأحرار» بجماعة إيمي نتليت بإقليم الصويرة، صعّد السعدي من انتقاده لحزب منافس لم يسمه، متهماً إياه باعتماد أسلوب «اللصق والنقل» في عرض التزاماته الانتخابية.
واعتبر أن البرنامج الذي يقدمه الحزب المنافس يمثل، بحسب تعبيره، تقليداً لبرنامج «الأحرار»، معتبراً أن ما وصفه بـ«نفخ الأرقام دون سند منطقي» لا يمكن أن يشكل بديلاً عن البرامج المبنية على دراسات وتصورات قابلة للتنفيذ.
وقال إن برنامج «الأحرار» ليس وليد اللحظة أو ما وصفه بـ«كوكوط مينوت» أعد داخل مكاتب مكيفة في وقت وجيز، وإنما ثمرة سنوات من الإنصات للمواطنين، عبر مسارات متعاقبة، من «مسار المدن» و«مسار الثقة» و«مسار التنمية» و«مسار الإنجازات»، وصولاً إلى «مسار المستقبل».
“تغيير المسار” يفتح مواجهة جديدة
وتوقف السعدي عند استعمال الحزب المنافس لعبارة «تغيير المسار»، معتبراً أن المصطلح نفسه مستمد من التجربة السياسية التي قدمها «الأحرار» منذ سنة 2016.
وسخر من العبارة من خلال تشبيهها بطريق منحرف على قارعة طريق قيد التهيئة، في رسالة واضحة إلى خطاب «تغيير المسار» الذي يرفعه حزب الأصالة والمعاصرة في حملته الانتخابية.
ويعكس هذا السجال اشتداد المنافسة بين الحزبين، بعدما تحولت البرامج الانتخابية إلى إحدى ساحات المواجهة، خاصة مع سعي كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب المشروع الأكثر واقعية وقدرة على تدبير المرحلة المقبلة.
وفي ملف آخر، رد السعدي على تصريح لمسؤول حزبي منافس التحق بحزبه قبل أسابيع من الاستحقاقات، وتحدث عن إمكانية رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم ابتداء من الخميس الموالي، استناداً إلى موقعه الحكومي.
واعتبر السعدي أن مثل هذه القرارات لا يمكن اتخاذها بشكل فردي أو سريع، موضحاً أن رفع الحد الأدنى للأجر يستلزم مساراً مؤسساتياً وموافقة عدد من القطاعات والجهات المعنية.
ودافع عن وعد «الأحرار» برفع الحد الأدنى للأجر، مؤكداً أنه جاء بعد اجتماعات ومفاوضات مع النقابات وأرباب العمل، وأن تفعيله يقتضي المرور عبر مراحل مؤسساتية مضبوطة.
وقال إن تقديم مثل هذه القرارات وكأنها يمكن أن تنفذ بين عشية وضحاها «لا يحترم ذكاء المغاربة»، مشدداً على أن البلاد تحكمها مؤسسات وفرقاء، وأن القرارات الاجتماعية الكبرى لا تتخذ بمنطق دغدغة المشاعر، وإنما بمنطق الدولة والمؤسسات.
“الأحرار” يدافع عن قابلية برنامجه للتنفيذ
وخلال اللقاءين، شدد السعدي على أن الإجراءات التي يتضمنها برنامج «الأحرار» ليست، بحسبه، «أحلاماً ولا أوهاماً»، وإنما وعود قابلة للتحقق، لأنها مبنية على نقاش حول المالية العمومية وعلى مئات اللقاءات التواصلية مع المواطنين.
وانتقد في المقابل ما اعتبره تقديم بعض الأحزاب لبرامج أعدت في وقت قصير ودون مجهود سياسي وتنظيمي مماثل، معتبراً أن البرامج الانتخابية ينبغي أن تقاس بمدى واقعيتها وقابليتها للتمويل والتنفيذ.
وختم السعدي مداخلاته بطرح سؤال سياسي على خصوم حزبه، يتعلق بموقف الأحزاب التي شاركت في الحكومة خلال السنوات الماضية وأشادت بمنجزاتها، قبل أن تنتقل، عشية الانتخابات، إلى مهاجمة الحصيلة نفسها وتقديم نفسها باعتبارها بديلاً عنها.
واعتبر أن هذا التحول يعكس، بحسبه، تناقضاً في الخطاب واستخفافاً بالمغاربة وبالديمقراطية والفعل السياسي، في وقت تدخل فيه الأحزاب المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية وهي تسعى إلى تثبيت روايتها بشأن الحصيلة الحكومية، مقابل روايات منافسيها حول الحاجة إلى تغيير السياسات العمومية والمسار الحكومي.





