حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

الصفة: تلميذ.. التهمة: زعيم المخربين

مذكرات حفيظ بنهاشم

ما أن كتبت عبارة إشادة بالسلطان محمد بن يوسف، حتى انتفض «المدرس» واستشاط غضبا في الفصل، ثم توجه نحو السبورة وشرع في مسح ما كتبته بعنف، وهو يتلفظ بكلمات كلها لوم وعتاب ووعيد، ثم غادر الفصل الدراسي غاضبا، بعد أن أغلق الباب بقوة أثارت الهلع في صفوف التلاميذ والتلميذات.

في الفترة ما بين 1953 و1955، كان مجرد التنويه والإشادة علنا بالسلطان سيدي محمد بن يوسف، يؤدي بصاحبه إلى المساءلة والاعتقال.

أبعدت فرنسا سلطان المغرب إلى جزيرة كورسيكا، ومنها إلى مدغشقر التي ظل مقيما بها إلى غاية 1955.

عاش محمد بن يوسف حياة حافلة بالكفاح، واجه مختلف المصاعب والعراقيل بمواقفه الوطنية فقدم تضحيات كبيرة. تحمل أعباء المعارضة المستمرة للمشاريع الاستعمارية، فكان مخلصا لقضايا وطنه ووفيا لشعبه، وهو الأمر الذي أدى بالسلطات الفرنسية للبحث عن وسيلة للتخلص منه، حيث قامت بنفيه وإبعاده في 20 مارس 1953، لكن نفيه، هو وعائلته، كان له وقع كبير في نفوس الشعب المغربي، ما أدى إلى تأجج الغضب وارتفاع مؤشر الكفاح الوطني، إلى حين رجوع السلطان إلى عرشه في 30 أكتوبر 1955.

في هذه الفترة وقبلها، راهنت السلطات الاستعمارية الفرنسية على المصالح الاستخباراتية، لأهمية المعلومة التي تمكن الإقامة العامة ومراقبيها، عبر تراب الوطن، من استنفار مخبرين ودفعهم لفتح عيونهم وآذانهم وتنشيط خياشيمهم في عملية اختراق واسعة لبنية المجتمع المغربي، وتمكين المستعمر من المعلومة بأقصى سرعة وأكثر دقة، وهو الدور الأساسي الموكول للمراقبين المدنيين عبر التراب الوطني.

نعود إلى واقعة «المدرس»، الذي حول فرحة التلاميذ إلى نكبة جماعية وأصر على أن يجعل من الخرجة الجماعية جرما يستحق العقاب، ويبتكر أسلوبا جهنميا لتدمير ما تبقى من ذكريات جميلة.

حين عاد التلاميذ إلى بيوتهم، رووا لآبائهم وأمهاتهم تفاصيل خرجة دراسية رائعة، حدثوهم عن أعمال البستنة التي اختتمت بوجبة الخروف المشوي، وعن الاكتتاب الجماعي من أجل شراء قنينات المشروبات من السيدة كلوستر، صاحبة محل بقالة في القرية.

زادت جرعات السعادة بين التلاميذ حين غطت رقائق الثلج بساتين القرية، وحده «المدرس» الغاضب، الذي قضى ليلة ليلاء بسبب حرمانه من فخذ الخروف وحصته من اللحم المشوي، كان يسعى لنيل حصة الأسد من مأدبة تلاميذه، وحين خاب أمله أشعل النار في الفرحة الساكنة في دواخل تلاميذه، كما احترق الخروف.

لم يكن أحد منا يعتقد أن غضبة «المدرس» ستكون لها انعكاسات خطيرة على مسارنا، وأن عدم تمكينه، سهوا، من حصة أكبر من اللحم ستنتهي بدراما حقيقية.

لم يكن أحد منا يظن أن «مدرسنا» سيقوم برد فعل قاس تجاه تلاميذه، وهو الذي يفترض أن يحقنهم بالوطنية والقيم الفضلى، ويكون لهم مربيا يبني شخصيتهم التي كانت في طور التنشئة.

بدل أن يغرس فينا قيم التسامح ويعلمنا القناعة ويضخ في أذهاننا التكافل، سارع، في صباح اليوم الموالي، إلى إشعار قائد قرية بوفكران بنازلة من صنع خياله، حين اتهم تلاميذه أو خمسة منهم بـ«القيام بأعمال تخريبية».

من جهته قام القائد، الذي كان «مخزنيا» سابقا، بإخبار المراقب المدني لمكناس والضواحي بـ«جريمة التلاميذ» واستنفر أعوانه للضرب بقوة على أجساد هؤلاء الأطفال المتمردين، حسب رواية «مدرسهم».

وحين حضرنا في بداية الأسبوع لاستئناف دراستنا، ونحن نتداول ما علق في ذهننا من متعة الخرجة، فوجئنا بوضعنا رهن الاعتقال وترحيلنا إلى سجن في مكناس بعد حصة تعذيب قاسية.

بعد ثلاثة أيام من الاعتقال، تم استنطاقنا من طرف المراقب المدني لمكناس، وكان برفقته مترجم جزائري، بينما كان القائد حاضرا بصفته ملاحظا، فيما سمح لأولياء أمورنا بمتابعة حصص الاستنطاق مع إجبارية التزام الصمت.

وجه لي «مدرسي» تهمة المحرض على أعمال العنف، ووصفني بـ«زعيم المخربين»، خلال الاستنطاق الليلي، كان يطلب منا، نحن الأطفال، الجلوس على ركبنا أمام رجلي المراقب المدني الذي يستوي على كرسي مريح.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى