
يونس جنوحي
من بين الشخصيات التي اشتغل معها المصور الأمريكي توماس ماكافوي، السيدة باربارا كين، وهي واحدة من نخبة جنود الخفاء في مدينة نيويورك خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، قبل وفاتها سنة 1991. وكتبت، في نعي مصور المجلة الأمريكية «لايف»، مقالا استعادت فيه ذكرياتها مع الراحل: «علاقتي بالمصور «ماكافوي» تعود بالضبط إلى سنة 1943، عندما ذاع صيت أعماله الفوتوغرافية الخاصة بالحرب العالمية الثانية. ووثق لأحداث بمنطقة شمال إفريقيا حازت اهتمام الصحافيين والمؤرخين. فإلى جانب أعماله، التي نشرت في مجلة «لايف»، كانت هناك أعمال أخرى نظمت لها معارض، واطلع عليها مثقفو وصحافيو مدينة نيويورك على وجه الخصوص».

وعن علاقة ماكافوي بالمغرب تقول كين:
«أتذكر مرة أنه عاد من المغرب، وفي جعبته أعمال فنية حقيقية، توثق لاستقلال هذا البلد -تقصد جولته في بداية سنة 1956- وأطلعنا، في صالة العرض في بناية كانت مخصصة للعروض غير بعيد عن مقر المجلة، على حزمة من الصور، أغلبها لم تمر بعدُ من عملية التحميض. ولفت انتباهي أنه كان يعرف جل أسماء الشخصية التي التقط لها الصور.
كانت صورا مثيرة.. أول مرة تعرفت فيها على مشاهد من الثقافة الشرقية. اللباس المحلي، والبذلات الأوروبية، في صورة واحدة. والطعام والأثاث والمعمار.. كلها كانت مختلفة. وكأنه عاد من ليلة عربية».
وضع «توماس» أصبعه على وجه إحدى الشخصيات، وقال لنا بفخر:
-انظروا.. هذا الرجل يقود حكومتهم الأولى. إنه بمثابة «تشرشل» في بريطانيا. إنه يتحدث الفرنسية بطلاقة، ولديه ماض عسكري، وشارك في الحرب العالمية، ويعرف قادة الجيوش ومواقع معارك أوروبا أكثر من المراسلين الحربيين.
كانت هناك صور كثيرة لهذه الشخصية، أحيانا أثناء مزاولته العمل المكتبي، ومرات أخرى وهو يستقبل شخصيات أخرى، أو يحضرون جميعا في الاحتفالات».
الصورة المعروضة، الآن، واحدة من أندر الوثائق البصرية على مرحلة اشتغال البكاي ولد امبارك الهبيل وزيرا أول في أول حكومة مغربية بعد عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى. وهي الحكومة التي تشكلت في دجنبر 1955، بعد أقل من شهر على عودة السلطان.
حكومة البكاي التي لم تصمد طويلا، وعرفت أول تعديل في أكتوبر 1956، بعد أقل من عام على انطلاقها، نُسفت بشهادة فاعلين سياسيين عاشوا المرحلة.. وجل الخلاصات تذهب في اتجاه وقوع انقلاب فعلي استهدف البكاي بالدرجة الأولى، لطرده من حكومة كانت لمسة حزب الاستقلال حاضرة بقوة داخل كواليسها.
الصور، التي التقطها توماس ماكافوي للوزير البكاي، تكشف أن مصور مجلة «لايف» الأمريكية كان يلج الأبواب الموصدة في المشور السعيد.. وفي القصر الملكي بالرباط، كما في قصر الدار البيضاء، كان يحظى بامتياز توثيق الاجتماعات، حتى تلك التي مُنع على الصحافيين حضورها، بل وحتى تلك التي لم يحضرها إلا محظوظون على رؤوس الأصابع.. كما تشهد هذه الصورة النادرة التي بين أيدينا!





