حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

حين انقلب السحر على الساحر

مذكرات حفيظ بنهاشم

بعد أن أعلن عن سرقة حبة طماطم من طرف أحدنا، نحن المكلفون بجنيها لفائدة حرم المراقب المدني، تحرك «مخازنية» الحراسة بحثا عن السارق. تعرضنا لصفعات وركلات على أجسادنا الصغيرة.

كانت حصة تعذيب إضافية بسبب ما وصفه الحرس الخاص بالإقامة بـ«الجريمة الخطيرة»، التي تولدت عنها حالة استنفار في «بيرو عرب»، سيما أمام غضبة حرم المراقب المدني.

التحقيق الأولي كشف عن اسم «الجاني» الذي قام بقطف حبة الطماطم وأكلها، عوض وضعها في السلة المخصصة لذلك، يتعلق الأمر بالتلميذ أحمد فهيم، الذي حل رفقتنا بإقامة المراقب المدني ببطن يسكنه الجوع، فلم يصمد أمام حبة طماطم تمارس على معدته جاذبيتها.

بعد هذا المستجد ستزداد معاناتنا، وسيتم تمديد اعتقالنا لأسبوع آخر، مع ما يترتب عن هذا الإجراء من عقوبات زجرية، وبعد انتهاء المدة المضافة، سنخضع لاستنطاق جديد في «بيرو عرب»، لكنه يتعلق بالتهمة السابقة التي سقنا من أجلها إلى هذا المعتقل، أي جرم القيام بـ«أعمال التخريبية» في مدرسة عمومية.

عاد المراقب المدني، من جديد، لاستنطاقنا ليلا، برفقة المترجم الجزائري، وبحضور القائد الصامت مثل سمكة «كراب» التي لا تفتح فمها. بالمقابل خضعت دفاترنا وكتبنا ومحافظنا لتفتيش دقيق من طرف محققين حلوا بمدرستنا لهذا الغرض.

كنت محظوظا حين نجوت من تهمة حيازة صورة محمد بن يوسف، بعد تدخل مدرسنا الفرنسي رونيه كورشينو، الرجل الطيب الذي انتبه للأمر وسعى جاهدا لإنقاذي. وكان قد عاد إلى مدرسة القرية بعد انتهاء فترة تدريب تأهيلي بالثكنة العسكرية لمكناس، وعلم، حينها، أن بعض تلاميذه رهن الاعتقال بسبب وشاية من «مدرس» اللغة العربية.

قام مدرسنا الفرنسي النبيل بإزاحة كل الشبهات عنا، تفحص دفاترنا وسحب من دفتري صورة للسلطان كانت في الغلاف، لحسن حظي لم ينتبه إليها «المدرس» اللئيم الذي سعى جاهدا لتوريطنا في قضية تمرد، بسبب عدم تخصيص حصة له من لحم الخروف المشوي، والذي كبدنا أياما من الاعتقال المصحوب بالتعذيب.

بعد مرور ثلاثة وعشرين يوما من الاعتقال التعسفي، تم الإفراج عنا بقرار من المراقب المدني، بعد استنفاد حصص الاستنطاق وبعد أن خلص التحقيق إلى غياب أدلة من شأنها تأكيد التهم التي ورطنا فيها «مدرس» اللغة العربية.

كان الفضل الأكبر في الإفراج عنا لمدرس اللغة الفرنسية رونيه كورشينو، وللمساندة الهامة، في آخر لحظة، من قائد ظل يتابع عملية الاستنطاق بصمت رهيب، لكنه انتفض، في نهاية المطاف، ضد «مدرس» العربية، الذي انتهى به الأمر خلف القضبان بتهمة إزعاج السلطات بوشاية كاذبة، أدى ثمنها غاليا حين أدين بالسجن ثلاثة أشهر نافذة.

من المفارقات الغريبة أن هذا «المدرس» انتهى به الأمر مطرودا من وظيفته ليتحول إلى عامل نظافة في قرية بوفكران، حيث يشعر بالخجل وهو يكنس جنبات مدرسة كان بالأمس القريب «مدرسا» بها.. ولطالما تحمل سخرية التلاميذ الذين يعاتبونه على وشايته.

غادرنا المعتقل في وضعية تثير الشفقة، كانت ملابسنا رثة، ووجوهنا صدئة ومعنوياتنا منحطة، وكدمات الضرب والتنكيل ترسم خريطتها في أجسادنا وتترك فيها بقايا تبعات الاعتقال.

بقدر ما كنا فخورين، نحن الخمسة تلاميذ، باستعادة حريتنا، وبسمعتنا كوطنيين في أوساط ساكنة القرية، بقدر ما تحولنا إلى كائنات محظورة لدى بعض الآباء الجبناء، الذين حذروا أبناءهم من مرافقتنا كأننا نحمل مرضا معديا.

من تبعات اعتقالنا صدور قرار عن المؤسسة التعليمية، يمنعنا من اجتياز اختبار الشهادة الابتدائية للموسم الدراسي 1955/ 1956، بدعوى عدم انتظامنا في الحصص الدراسية ودون مراعاة لوضعنا الاستثنائي.

لا يسعني، اليوم، إلا أن أستحضر والدتي رحمها الله، وما قدمته من تضحيات طيلة فترة تمدرسي واعتقالي في قبو سجن «دردورة»، إذ كانت تزورني كل يوم وتقضي سحابة يومها أمام بوابته وهي تستعطف الحراس وتحمل لي في جرابها فاكهة وقطعة خبز وإسفنجة.

رافقتها شقيقتي التي تقاسمت معها عناء رحلة يومية من بوفكران إلى مكناس، وتعود كل مساء إلى البيت لتنام منهكة، دون أن يتسلل إليها الملل.

أستحضر، اليوم، ليلة رحيلها إلى دار البقاء، في شهر غشت 1984، حين لفظت أنفاسها، وهي بين يدي، إثر مرض عضال لم يمهلها طويلا.

رحم الله والدتي التي تحملت مسؤولية أشقائي بعد وفاة والدي رحمه الله، وناضلت من أجل أن نعيش دون شعور باليتم.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى