
كان حضور الغزاوي داخل القصر الملكي متكررا، بحكم أنه كان ينسق مع ولي العهد، الأمير مولاي الحسن، بتفويض من والده السلطان محمد بن يوسف، في ملف تأسيس الإدارة العامة للأمن الوطني
يونس جنوحي
لحظات الانتظار داخل قاعات القصر الملكي في الرباط كانت، دائما، موضوع كتابات وحكايات رُويت في المجالس الخاصة، ولم يُفرج عن أغلبها إلا بعد موت المعنيين بها.
هيبة القصر وتحفظ الذين كانوا قريبين من الدائرة الضيقة للملك الراحل محمد الخامس، وولي عهده الأمير مولاي الحسن، ساهمت كثيرا في حفظ أسرار تتعلق بالاستقبالات والجلسات الخاصة البعيدة عن البروتوكول.

كان من سوء حظ توماس ماكافوي، هذا الأمريكي الذي لم يكن يُدرك أغلب ما يدور حوله وهو في قلب القصر الملكي بعد استقلال المغرب، أنه لم يكن يفهم تقاليد المخزن العريقة.. وإلا لكتب ما لا يمكن أن تنقله عدسته.
إذ رغم أنه كان نافذا، وخول له ولي العهد حق اقتحام الصفوف والنفاذ بعدسته إلى أكثر القاعات خصوصية داخل القصر، إلا أنه اكتفى بتخليد اللحظات دون أن يُسجل أي معلومات تهم الشخصيات الظاهرة في الصور -علما أنه تعرف على أهم الشخصيات المغربية من الأعيان والوطنيين خلال زياراته المتفرقة إلى المغرب.
الصورة المرفقة بهذه الحلقة توثق للحظات الانتظار داخل قاعة من قاعات القصر الملكي في الرباط، قبل المثول أمام الملك الراحل محمد الخامس في حفل شاي. وهي صورة من ضمن مجموعة تضم 42 صورة توثق لهذا الاستقبال غير الرسمي، في إطار حفل شاي.
في أقصى يسار الصورة يظهر شيخ الإسلام محمد العربي العلوي متحدثا إلى شخص يدير ظهره إلى الكاميرا، بينما محمد الغزاوي، صاحب البذلة السوداء الجالس أمام النافذة المغلقة، مستغرق في الحديث، وإلى يساره يجلس فقهاء من الجيل القديم، يشربون القهوة في انتظار خروج السلطان سيدي محمد بن يوسف إليهم.
في تلك اللحظات، (ربيع 1956)، كان الغزاوي منهمكا في مشروع إعداد جهاز الأمن الوطني وتوسيع دائرة نفوذ «البوليس» وبناء المخافر وإعداد أسطول سيارات الشرطة وتعيين رجال البوليس.
كان حضور الغزاوي داخل القصر الملكي متكررا، بحكم أنه كان ينسق مع ولي العهد، الأمير مولاي الحسن، بتفويض من والده السلطان محمد بن يوسف، في ملف تأسيس الإدارة العامة للأمن الوطني ووضع أسس هذا الجهاز المشرف على أمن المغاربة.
ورغم أنه كان قطبا من أقطاب حزب الاستقلال، إلا أن الغزاوي كان، دائما، يحضر بمعزل عن الشخصيات الاستقلالية البارزة التي كانت تزور القصر الملكي بين الفينة والأخرى إما لحضور حفلات خاصة، بدعوة من السلطان، أو لإحياء المناسبات الرسمية.
مشهد شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي وهو يرتشف قهوته، في انتظار بداية الاستقبال الملكي، يكشف إلى أي حد كان الرجل منفتحا رغم أن روايات كثيرة كانت تصنفه في خانة المحافظين، أو «كبار الحرس القديم».





