
محمد اليوبي
في أول رد على توصية مجلس المنافسة بفتح رأسمال الصيدليات في وجه المستثمرين الخواص، قررت المركزيات النقابية للصيادلة خوض إضرابات وطنية متتالية مع زيادة مدة الإضراب بشكل تصعيدي.
وعقدت المركزيات النقابية لصيادلة الصيدليات، وهي الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب والاتحاد الوطني لصيادلة المغرب، والنقابة الوطنية لصيادلة المغرب، اجتماعا أعلنت من خلاله عن رفضها المطلق للتوصية الصادرة عن مجلس المنافسة بخصوص تحرير رأسمال الصيدليات، وأوضحت أن هذه التوصية تستند إلى مقارنة سطحية مع دول أجنبية، تعاني الآن الويلات نتيجة تحرير رأسمال الصيدليات، واعتبرت هذه التوصية، حول فتح رأسمال الصيدليات في وجه المستثمرين الخواص، جاءت لتضرب عرض الحائط الواقع، من شأنها زعزعة استقرار منظومة الدواء.
رفض “تسليع” الدواء
عبرت المركزيات النقابية لصيادلة الصيدليات في بلاغ صادر عقب اجتماعها، عن رفضها جملة وتفصيلاً التوجه الرامي إلى ما أسمته “تسليع” الدواء عبر فتح رأسمال الصيدليات أمام الرساميل والشركات الكبرى، مؤكدة أن الصيدلية هي مرفق صحي بامتياز، وسيادة الصيدلي على مؤسسته هي الضامن الوحيد لحياد الاستشارة بعيداً عن منطق الربح المتوحش الذي تسعى إليه “لوبيات المال”، واعتبرت توصية فتح رأسمال الصيدليات للشركات الرأسمالية هي محاولة لبيع صحة المغاربة لمن يدفع أكثر.
كما عبرت النقابات عن رفضها تحويل الدواء إلى سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب، ورفضها أن يصبح المريض رقم معاملات في سجلات شركات لا ترى في الصحة إلا أرقاماً وأرباحاً، وأكدت على أن خصوصية مهنة الصيدلة تفرض وجود صيدلي مواطن مرابط حتى في عمق الجبال والمناطق النائية، وأوضحت أن “التحرير” سيؤدي إلى زحف الرساميل نحو المدن الكبرى، تاركاً إنسان الجوار في عزلة صحية قاتلة، وقالت النقابات في بلاغها إنها لا تدافع فقط عن الصيدلية “كمرفق صحي”، بل تدافع أيضا عن حق المواطن في إيجاد دوائه واستشارته في أقرب نقطة من مسكنه دون الحديث عن المناطق التي مازالت تعاني من التهميش وهشاشة العدالة المجالية الصحية.
وأصدر مجلس المنافسة رأيا حول وضعية المنافسة في سوق الدواء، أكد من خلاله أن سوق توزيع الأدوية بالمغرب ورغم خصوصيته، فإنه يعتبر قطاعا اقتصاديا يخضع، كغيره من القطاعات، لقواعد العرض والطلب ومبادئ المنافسة الحرة والعادلة، ولا يخرج عن نطاق اختصاص المجلس كما هو محدد في النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، مشيرا إلى أن وجود تنظيم قانوني أو تقنين لأسعار الأدوية لا يحول دون تقييم السير التنافسي لهذه السوق وتنظيم المنافسة فيها.
وأوضح المحلس أن إنتاج وتوزيع الأدوية بالمغرب، يقوم على تفاعل اقتصادي بين عدة فاعلين، ويرتكز على سلاسل إنتاج وتوزيع مفتوحة للمبادرة الخاصة، لاسيما على مستوى المؤسسات الصيدلية الصناعية والمؤسسات الصيدلية الموزعة بالجملة، ومن ثم، فإن هذا القطاع يظل خاضعا لمقتضيات المنافسة وتنظيم الأسواق كباقي القطاعات الاقتصادية الأخرى.
اختلالات بنيوية
خلص المجلس في رأيه إلى أن حلقة التوزيع بالتقسيط بالصيدليات، والتي تمثل نقطة الاتصال الأولى بين المواطنين والمنظومة الصحية وتلعب دورا محوريا في الولوج للدواء، تعرف، كما اتفقت على ذلك مختلف الهيئات المهنية المستمع إليها، اختلالات بنيوية أثرت سلبا على توازنها الاقتصادي، وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا على استمراريتها على المدى المتوسط والبعيد، مما يستوجب التفكير في حلول إصلاحية شاملة ومبتكرة تعيد تقييم النموذج الاقتصادي للصيدليات وتعتمد على مقاربة متكاملة تهدف إلى تعزيز نجاعة هذه الحلقة الأساسية في المنظومة الصحية وضمان استدامتها الاقتصادية بعيدا عن آليات الدعم العمومي التي أثبتت عدم نجاعتها في قطاعات أخرى.
وأصدر المجلس توصية أثارت الكثير من الجدل، حيث دعا إلى الفتح المؤطر لاحتكار ملكية الصيدليات بشكل تدريجي وتحت شروط قانونية وتنظيمية واضحة، بما ييسر إحداث صيدليات جديدة ويدعم تحديث وهيكلة الشبكة الصيدلية الحالية، مع تمكين المستثمرين الخواص من المساهمة في رأسمال الصيدليات والسماح بإحداث شبكات أو سلاسل صيدلية في إطار منظم مقترن بقواعد صارمة تضمن الاستقلالية المهنية للصيدلي، وتصون البعد الصحي.
وفي هذا الإطار، يشترط مجلس المنافسة منع إمكانية المساهمة في رأسمال الصيدليات من طرف المؤسسات الصيدلية الصناعية، أو الواصفين، أو المصحات الخاصة ومجموعات الصحة، أو هيئات التأمين أو أي فاعل اقتصادي ذي قوة سوقية مؤثرة، بما في ذلك سلاسل التوزيع الكبرى.
وبخصوص هذه التوصية الأخيرة، يعتبر مجلس المنافسة أن فتح رأسمال الصيدليات بشكل مؤطر يشكل رافعة هيكلية لمواكبة تحول القطاع وتعزيز استدامته، مشيرا إلى أن دراسة التجارب المقارنة أبانت عن إمكانية اعتماد فتح مؤطر رأسمال الصيدليات ضمن ضوابط محددة، وتبرز هذه التجارب أن هذا النموذج يتيح إدماج موارد مالية جديدة، وتحديث البنيات وتعزيز هيكلة الشبكة الصيدلية، دون المساس بالبعد الصحي أو استقلالية القرار المهني للصيدلي.
وأوضح المجلس أن الانفتاح المقترن بقواعد تنظيمية صارمة تحافظ على مسؤولية الصيدلي المهنية والقانونية، من شأنه أن يوسع الولوج إلى التمويل، ويمكن من تعبئة موارد إضافية لتحديث التجهيزات والبنيات التحتية والرقمنة، وتعزيز قدرات الاستثمار، وتحسين الاستدامة الاقتصادية للعرض الصيدلي في سياق يتسم بالضغط على الهوامش، وتنظيم الأسعار وارتفاع التكاليف، كما يساهم هذا التوجه في إرساء تسيير أكثر مهنية وفعالية، وتعزيز التمييز بين المسؤوليات الاقتصادية والمهنية، وبروز هياكل أكثر تنظيما وقدرة على التكيف مع تحولات السوق. علاوة على ذلك، ستسهم هذه الدينامية في فتح أفاق جديدة أمام الخريجين الجدد، من خلال مسارات مهنية متنوعة تشمل الأجراء المؤهلين والولوج التدريجي إلى الحكامة ورأس المال، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات الصيدلانية، وتعزيز توفر الأدوية، وكذا تحسين شروط الولوج إليها.





