
بين مخاوف اضطراب سلاسل الإمداد، والهجمات السيبرانية والكوارث المناخية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تتزايد دعوات الحكومات لتأمين احتياجات المنازل من الغذاء والمياه والأدوية لعدة أيام، في تحول يعكس إعادة رسم مفهوم الأمن المدني، ويطرح تساؤلات بشأن طبيعة المخاطر التي تستعد لها الدول، وما إذا كانت هذه الإجراءات مجرد احتياطات وقائية، أم أنها مؤشر على مرحلة دولية أكثر اضطرابا.
إعداد: سهيلة التاور
لم يعد الاستعداد للأزمات شأنا يقتصر على أجهزة الدفاع المدني والمؤسسات العسكرية، بل بات مسؤولية تطالب الحكومات مواطنيها بالمشاركة فيها، من خلال الاحتفاظ بمخزون من الطعام والمياه والأدوية، وتجهيز حقائب للطوارئ، وتوفير وسائل بديلة للاتصال والإضاءة، تحسبا لسيناريوهات قد تتوقف فيها الخدمات الأساسية فجأة.
فمن بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى السويد والنرويج واليابان وكندا والولايات المتحدة وأستراليا، تتزايد التوصيات الرسمية التي تدعو الأسر إلى امتلاك احتياجات تكفي ثلاثة أيام على الأقل، بينما ترفع دول أخرى سقف الاستعداد إلى أسبوع أو عشرة أيام، بل وأسبوعين في بعض الحالات.
وأعاد تزامن هذه الدعوات، خلال الأشهر الأخيرة، فتح النقاش بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه العالم، خصوصا في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات الدولية، وتزايد المخاوف من الهجمات السيبرانية وتعطل البنية التحتية الحيوية. وبينما تؤكد الحكومات أن الهدف هو تعزيز الجاهزية المدنية وليس التحذير من حرب وشيكة، فإن اتساع نطاق هذه الإجراءات يمنحها أبعادا تتجاوز مجرد نصائح منزلية لتخزين المواد الغذائية.
من 72 ساعة إلى عشرة أيام..
تتصدر بريطانيا أحدث التحركات الأوروبية، بعدما أطلقت في 22 أكتوبر الماضي حملة وطنية بعنوان «كن مستعدا(Be Ready)»، ضمن برنامج يمتد لثلاث سنوات، لتعزيز قدرة السكان على التعامل مع حالات الطوارئ. ودعت الحملة الأسر إلى الاحتفاظ بمؤن تكفي 72 ساعة، تشمل الطعام والمياه والأدوية، إلى جانب وسائل الإضاءة والاتصال والنقود النقدية، تحسبا لتعطل أنظمة الدفع الإلكتروني وأجهزة الصراف الآلي.
وتوصي السلطات بتوفير ثلاثة لترات من مياه الشرب للفرد يوميا، أي تسعة لترات خلال الأيام الثلاثة الأولى، فضلا عن الأطعمة المعلبة وطويلة الصلاحية التي لا تحتاج إلى طهي أو تبريد، ومصباح يدوي وبطاريات وراديو وبطارية شحن متنقلة.
ولا تمثل هذه التوصيات توجها بريطانيا منفردا، إذ سبقتها دول أوروبية إلى اعتماد خطط مماثلة. ففي فرنسا، تدعو وزارة الداخلية المواطنين إلى تجهيز حقيبة طوارئ تكفي 72 ساعة، تتضمن المياه والطعام والأدوية والإسعافات الأولية وأجهزة الإضاءة والوثائق المهمة، تحسبا للاضطرار إلى مغادرة المنزل بسرعة.
وفي ألمانيا، يوصي المكتب الاتحادي للحماية المدنية والإغاثة من الكوارث بتوفير احتياجات تكفي عشرة أيام، مع التأكيد على أن تأمين مؤن لثلاثة أيام يمثل خطوة مهمة. أما السويد والنرويج، فتعتمدان مدة أسبوع على الأقل للاكتفاء الذاتي، وكانت السويد قد حدثت إرشاداتها عام 2024، وأصدرت كتيبا بعنوان «في حالة الأزمة أو الحرب»، يتناول كيفية التعامل مع انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات، ويشير صراحة إلى احتمال وقوع هجوم عسكري.
وفي هولندا، تدعو الحكومة الأسر إلى الاعتماد على نفسها لمدة 72 ساعة، فيما أطلقت لوكسمبورغ في أكتوبر المنصرم حملة وطنية لتشجيع المواطنين على الاستعداد لهذه المدة. وتتبع فنلندا ودول البلطيق، ومنها إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، خططا للحماية المدنية تتضمن توفير الاحتياجات الأساسية والاستعداد لتعطل الخدمات.
وخارج أوروبا، توصي اليابان بتوفير الطعام والمياه ومستلزمات الإسعافات الأولية لمدة ثلاثة أيام على الأقل، ويفضل أن تصل إلى أسبوع، لمواجهة الزلازل والتسونامي والفيضانات. وفي كندا، تنصح السلطات الأسر بالاستعداد لمدة 72 ساعة، بينما توصي نيوزيلندا بتوفير تسعة لترات من المياه للفرد خلال ثلاثة أيام. أما أستراليا، فتتراوح توصياتها بين ثلاثة أيام وأسبوعين، بحسب المناطق والجهات المختصة.
بروكسيل تدخل على خط الاستعداد..
اكتسبت التحركات بعدا أوروبيا أوسع مع إعلان المفوضية الأوروبية في 26 مارس 2025 استراتيجية الاتحاد للاستعداد للأزمات، المعروفة باسم «اتحاد الاستعداد»، والتي تتضمن ثلاثين إجراء لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على مواجهة الكوارث الطبيعية والصحية والهجمات السيبرانية والتوترات الجيوسياسية والصراعات المسلحة.
ومن أبرز أهدافها تشجيع المواطنين على امتلاك احتياجات تسمح لهم بالاستمرار لمدة 72 ساعة على الأقل دون مساعدة خارجية، إلى جانب تطوير الاحتياطيات الاستراتيجية وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية.
وتعتبر المؤسسات الأوروبية أن الأيام الثلاثة الأولى لأي أزمة واسعة النطاق قد تكون حاسمة، إذ لا تستطيع أجهزة الطوارئ الوصول فورا إلى جميع المناطق المتضررة، ما يجعل الاستعداد المنزلي ضروريا لتخفيف الضغط عن فرق الإنقاذ.
ولا تعني الاستراتيجية فرض مخزون موحد على سكان الدول الأعضاء، بقدر ما تسعى إلى ترسيخ ثقافة مشتركة للاستعداد، تقوم على إدراك أن قدرة المؤسسات الحكومية على التدخل الفوري ليست مضمونة في جميع الظروف.
الطعام والمياه والنقود..
على الرغم من اختلاف مدد الاستعداد، تتفق معظم الإرشادات الحكومية على مجموعة من المستلزمات الأساسية، التي ينبغي أن تتوافر داخل كل منزل.
وتأتي المياه الصالحة للشرب في مقدمة الأولويات؛ إذ توصي بريطانيا واليابان بتوفير ثلاثة لترات للفرد يوميا، بينما تدعو فرنسا إلى تأمين ستة لترات خلال 72 ساعة. وتوصي الولايات المتحدة بنحو 3.8 لترات يوميا لكل شخص، لتغطية احتياجات الشرب والاستخدامات الصحية الأساسية.
أما الغذاء، فينبغي أن يكون طويل الصلاحية وقابلا للاستهلاك، دون الحاجة إلى التبريد أو الطهي، مثل المعلبات والفواكه المجففة والبسكويت والمنتجات الغذائية المحفوظة. وتشدد الإرشادات على مراعاة احتياجات الأطفال والرضع وكبار السن والمرضى، وتوفير الأغذية المناسبة لهم.
وتشمل قائمة الطوارئ الأدوية المعتادة وحقائب الإسعافات الأولية، ومصابيح يدوية وبطاريات احتياطية، وراديو يعمل بالبطارية أو بالطاقة اليدوية، فضلا عن بطاريات الشحن المحمولة للهواتف.
كما تنصح الحكومات بالاحتفاظ بالنقود الورقية، لأن تعطل الكهرباء أو شبكات الاتصالات قد يؤدي إلى توقف أجهزة الصراف الآلي وأنظمة الدفع الإلكتروني، إلى جانب نسخ من وثائق الهوية والمستندات الطبية وقائمة ورقية بأرقام الهواتف المهمة.
ولا تقتصر الاستعدادات على تخزين هذه المستلزمات، بل تشمل تجهيز حقيبة طوارئ يسهل حملها عند الاضطرار إلى الإخلاء، ومراجعة محتوياتها دوريا لاستبدال المواد منتهية الصلاحية، والتأكد من صلاحية الأجهزة والبطاريات.
ما الذي يقلق الحكومات؟
لا يمكن فصل تصاعد الاهتمام بالاستعداد المدني عن التحولات الأمنية التي شهدتها أوروبا، منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. فقد أعادت الحرب إلى الواجهة احتمالات الصراعات العسكرية، ودفعت دول الشمال الأوروبي والبلطيق إلى مراجعة خطط الدفاع المدني، خصوصا في ما يتعلق بحماية السكان وتأمين الإمدادات.
وتتزايد المخاوف من استهداف شبكات الكهرباء والاتصالات وأنظمة النقل والمنشآت الحيوية، سواء عبر عمليات عسكرية مباشرة أو هجمات سيبرانية وعمليات تخريب.
غير أن السيناريو العسكري ليس الاحتمال الوحيد الذي تستعد له الحكومات. فالهجمات الإلكترونية قد تعطل أنظمة الدفع والمصارف والخدمات اللوجستية، كما يمكن لانقطاع الكهرباء على نطاق واسع أن يؤدي إلى توقف المتاجر وأجهزة التبريد ومحطات ضخ المياه وشبكات الاتصالات.
وقد شكل انقطاع الكهرباء الواسع الذي شهدته إسبانيا في أبريل 2025 مثالا على هشاشة الأنظمة الحديثة أمام الأعطال الكبرى، وأعاد التذكير بمدى اعتماد المجتمعات المعاصرة على استمرارية شبكات الطاقة والاتصالات.
كما دفعت الظواهر المناخية المتطرفة، من الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات إلى موجات الحر الشديدة، دولا عديدة إلى تعزيز استعداداتها. ففي اليابان ترتبط التوصيات بتاريخ طويل من الزلازل والتسونامي، بينما تركز أستراليا على حرائق الغابات والفيضانات والعواصف.
وتكشف هذه المخاطر عن حقيقة أساسية، هي أن الأزمة قد تبدأ من حادث طبيعي أو تقني أو أمني، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمة معيشية عندما تتعطل سلاسل الإمداد وتتوقف الخدمات التي تعتمد عليها الحياة اليومية.
البنتاغون يستعد لتسعين يوما..
بموازاة دعوات الحكومات للمواطنين، تتخذ بعض الدول خطوات أوسع لتعزيز قدرتها المؤسسية والعسكرية على الصمود أمام الأزمات الطويلة.
ففي الولايات المتحدة، أطلق البنتاغون في 30 شتنبر 2026 مبادرة «FORTRESS»، التي تستهدف تمكين عدد أكبر من القواعد العسكرية الأمريكية من العمل بصورة مستقلة لمدة تصل إلى 90 يوما، دون الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، في حال وقوع نزاع أو اضطراب واسع النطاق.
وفي الوقت نفسه، دعا البيت الأبيض في 2 شتنبر، بمناسبة شهر الاستعداد الوطني، الأمريكيين إلى تجهيز منازلهم وأسرهم لمواجهة التهديدات الطبيعية والبشرية، وإعداد حقائب الطوارئ والتعرف على طرق الإخلاء.
وتتحرك دول أخرى لتعزيز أمنها الغذائي؛ ففي سنغافورة، أجرت وكالة الغذاء في 23 شتنبر تمرينا وطنيا لاختبار قدرة البلاد على التعامل مع اضطرابات الإمدادات، بمشاركة مؤسسات حكومية وشركات التخزين والخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة.
وفي إفريقيا، تعمل نيجيريا على تطوير مرافق التخزين وسلاسل التبريد ودعم الاحتياطيات الغذائية، بينما تعتمد إثيوبيا على مخزونات الحبوب لتوفير المساعدات للمناطق المتضررة من الكوارث والأزمات الإنسانية. أما مدغشقر، فتعمل على تطوير منظومة لبنوك الغذاء والمخزونات الاحتياطية ضمن خطة للفترة بين 2026 و2028.
وتوضح هذه التحركات أن الاستعداد لا يتعلق فقط بما يحتفظ به المواطن داخل منزله، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مخزونها الاستراتيجي، وضمان وصول السلع إلى الأسواق، عندما تتعرض طرق النقل والإنتاج والاستيراد للاضطراب.
مخاوف من الاكتناز وتفاوت القدرة على المواجهة
رغم الأهداف الوقائية المعلنة، أثارت الدعوات الحكومية انتقادات ومخاوف من أن تتحول الرسائل التحذيرية إلى مصدر للقلق العام، خصوصا عندما تتزامن حملات الاستعداد في عدد كبير من الدول دون تقديم شرح كاف لطبيعة التهديدات التي تقف وراءها.
وربط بعض المنتقدين هذه التحركات باحتمالات تصعيد عسكري دولي، سواء في أوروبا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، أو في الشرق الأوسط في ظل التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة. لكن لا توجد مؤشرات تثبت وجود تنسيق دولي متعمد لإطلاق هذه الحملات، إذ إن معظمها يستند إلى خطط وطنية وتقييمات للمخاطر أُعدت على مدى سنوات.
كما أثارت التوصيات مخاوف من اندفاع المواطنين إلى شراء كميات كبيرة من السلع، بما يؤدي إلى نقصها وارتفاع أسعارها، على غرار ما حدث خلال جائحة كورونا عام 2020، عندما تسبب التهافت على المواد الغذائية والمنتجات الأساسية في إفراغ بعض المتاجر من مخزونها.
وتبرز أيضا مشكلة التفاوت الاجتماعي، فليس جميع المواطنين قادرين على تخصيص أموال إضافية لشراء المؤن، أو امتلاك مساحات مناسبة لتخزينها، خصوصا الأسر محدودة الدخل التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة. لذلك، لا ينبغي أن تتحول مسؤولية الاستعداد الفردي إلى بديل عن مسؤولية الحكومات في تأمين الخدمات، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي المقابل، تميز السلطات بين الاستعداد المنظم والاكتناز المدفوع بالخوف. فالمطلوب ليس شراء كميات ضخمة بصورة مفاجئة، وإنما تكوين مخزون تدريجي من المنتجات التي تستهلكها الأسرة عادة، وتجديده باستمرار لتجنب انتهاء صلاحيتها والحفاظ على توافر السلع للجميع.
أما في العالم العربي، فلا تظهر حتى الآن حملات وطنية واسعة مماثلة في نطاقها وانتشارها لتلك التي أطلقتها بعض الحكومات الأوروبية، رغم أن عددا من دول المنطقة يواجه تحديات مرتبطة بالأمن الغذائي والمناخ واضطرابات سلاسل الإمداد، ما يثير تساؤلات بشأن موقع الاستعداد المنزلي ضمن سياسات الحماية المدنية العربية.
في النهاية، لا تثبت دعوات تخزين الطعام والمياه أن حربا عالمية أو كارثة كبرى باتت وشيكة، لكنها تعكس تحولا في نظرة الحكومات إلى المخاطر، وإدراكا متزايدا بأن المجتمعات الحديثة، رغم تطورها التكنولوجي، أصبحت شديدة الاعتماد على شبكات مترابطة قد يؤدي تعطل إحداها إلى شلل قطاعات واسعة من الحياة.
وبينما تسعى الدول إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتطوير قدراتها العسكرية والمدنية، بات المواطن مطالبا بدوره بالاستعداد للأيام التي قد لا تعمل فيها الخدمات كما اعتاد. فالمسألة لم تعد تتعلق بالخوف من وقوع أزمة بعينها، بقدر ما تتعلق بالاستعداد لعالم أصبحت فيه الأزمات المتعددة احتمالا ينبغي أخذه في الحسبان.





