حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

توفير 19 مليار درهم من الدعم المباشر

محمد شرقاوي (*)

مقالات ذات صلة

 

تندرج السياسات الاجتماعية والمالية التي يعتمدها المغرب ضمن التوجه الرامي إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتعزيز القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الهشة والفقيرة والمتوسطة، وكذلك الفاعلين الاقتصاديين.

وفي هذا الإطار، شهد نظام الدعم الاجتماعي المباشر تطورا في مبالغه، كما طُرحت، ضمن التوجهات المعلنة بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027، إجراءات تتعلق بتحسين أوضاع الفئات المستفيدة، إلى جانب إعفاءات ضريبية على الدخل لفائدة الأجراء الذين تقل أجورهم الصافية عن 10,000 درهم.

وتعكس هذه التدابير أهمية مواصلة العمل على تحسين دخل المواطنين، وحماية الفئات التي تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية. لكنها تفتح أيضا المجال أمام التفكير في كيفية الاستفادة من جزء من الدعم المالي أو الامتيازات التي يحصل عليها الأفراد والفاعلون الاقتصاديون، للمساهمة في بناء منظومة تضامنية مستدامة تعود بالنفع على الجميع.

فهل يمكن الانتقال من الاكتفاء بتقديم الدعم والإعفاءات إلى تصور متكامل يجمع بين تحسين الوضع المعيشي للمواطنين، وتشجيعهم على الادخار، وتعبئة الموارد المالية الداخلية لتمويل المبادرات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين، بما قد يتيح موارد تتجاوز 100 مليار درهم سنويا؟

إن هذا السؤال يشكل نقطة الانطلاق لمقترح يهدف، أولا، إلى توفير موارد مالية تقدر بنحو 19 مليار درهم سنويا مباشرة من ميزانية الدعم المباشر وغيره، وفق التقديرات الأولية، وثانيا، إلى تعبئة أكثر من 100 مليار درهم من خلال إحداث صندوق للتضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي، تخصص موارده لخدمة المنخرطين، وتعزيز قدرتهم على مواجهة الأزمات المالية غير المتوقعة، وتمويل المبادرات المنتجة، والمساهمة في تعزيز الموارد المالية للدولة والمؤسسات الشريكة.

وتقوم الفكرة على تخصيص مساهمة شهرية محددة لكل فئة من الفئات المستهدفة، وفق آلية مالية وتنظيمية واضحة، مع إيداع المبالغ المحصلة في صندوق للتضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي، يستفيد من خدماته الأفراد والأسر والفاعلون الاقتصاديون المنخرطون فيه.

وتشمل الفئات المستهدفة الأسر الهشة والفقيرة المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر وأبناءها، والمتقاعدين، والأجراء والموظفين المستفيدين من الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية على الدخل، والفاعلين الاقتصاديين، سواء كانوا من أصحاب المشاريع الصغيرة أو من كبار الفاعلين، والعاملين في القطاع غير المهيكل الذين يمكن أن تشملهم برامج الدعم، إضافة إلى الأجراء الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجر، الذي يمكن أن يصل إلى 5,000 درهم في إطار الإصلاحات المقترحة، ومنها الرؤية الاستراتيجية لإصلاح صندوق المقاصة التي سبق أن عرضتها في مقال مستقل.

ويستوجب تنزيل هذه الفكرة تحديد الفئات المعنية وشروط الانخراط والمبالغ المناسبة لكل فئة، مع مراعاة أوضاعها المالية والاجتماعية.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المساهمة باعتبارها مجرد اقتطاع مالي، بل باعتبارها جزءا من تصور أوسع يهدف إلى تحويل الموارد المتاحة إلى مدخرات تضامنية يمكن تعبئتها واستثمارها في تمويل المشاريع، ومواجهة الظروف الطارئة التي قد تتعرض لها الأسر والفاعلون الاقتصاديون، ودعم المبادرات الفردية والجماعية.

فكيف يمكن إذن توفير موارد تتجاوز 19 مليار درهم سنويا مباشرة من ميزانية الدعم؟

يعتمد المقترح على تحديد مساهمة شهرية لكل فئة، ثم احتساب مجموع المساهمات على أساس عدد المستفيدين والمبلغ المخصص لكل منهم.

وفي ما يلي تقدير أولي للمبالغ التي يمكن تعبئتها وفق الأعداد والمساهمات المقترحة. فبالنسبة إلى الأسر الهشة والفقيرة والمتقاعدين والأجراء ذوي الدخل المحدود، يقترح التصور استهداف نحو 9.05 ملايين مستفيد، موزعين، وفق التقديرات الأولية، على النحو التالي: 3.9 ملايين أسرة مستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر، و1.4 مليون متقاعد، و1.35 مليون أجير يتقاضى الحد الأدنى للأجر، و2.4 مليون مستفيد آخر من الفئات الاجتماعية المستهدفة.

ويُقترح تخصيص مساهمة شهرية قدرها 50 درهما لكل منخرط، تُودع في الحساب او الوعاء المالي المخصص له ضمن منظومة التضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي. ويكون الاحتساب على النحو التالي:

9,050,000  منخرط × 50 درهما × 12 شهرا، أي ما مجموعه 5.43 مليارات درهم سنويا، وفق التقديرات الأولية.

أما بالنسبة إلى الأجراء والموظفين المستفيدين من الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية، فيقترح التصور اعتماد مساهمة شهرية قدرها 250 درهما لنحو 2.67 مليون مستفيد من الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية على الدخل، وفق التقدير الأولي الوارد في المقترح.

ويكون الاحتساب على النحو التالي:

2,670,000  مستفيد × 250 درهما × 12 شهرا، أي ما مجموعه 8.01 مليارات درهم سنويا، وهو ما يعادل نحو 8 مليارات درهم.

ولا يتمثل الهدف في إلغاء الأثر الإيجابي للإعفاءات الضريبية على القدرة الشرائية، بل في دراسة سبل الجمع بين تحسين الدخل وتشجيع الادخار وبناء حماية مالية مستدامة للمواطنين.

أما بالنسبة إلى الفاعلين الاقتصاديين المستفيدين من الدعم أو الامتيازات المالية، فيقترح التصور توسيع المنظومة لتشمل الفاعلين الاقتصاديين، من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى كبار الفاعلين، ممن يستفيدون من برامج الدعم أو من امتيازات مالية وضريبية، وفق شروط تُحدَّد بناء على طبيعة كل فئة وقدرتها على المساهمة.

ويفترض التقدير الأولي أن هذه الفئة يمكن أن تسهم في تعبئة نحو 6 مليارات درهم سنويا، من خلال مساهمة سنوية تبلغ 3,000 درهم أو أكثر لكل منخرط، بحسب طبيعة الاستفادة والوضعية الاقتصادية.

ولبلوغ 6 مليارات درهم بمساهمة سنوية قدرها 3,000 درهم لكل منخرط، يلزم انخراط نحو مليوني مستفيد من برامج الدعم أو الامتيازات المالية التي تقدمها الدولة.

ويظل هذا الرقم هدفا تقديريا يتطلب التحقق من العدد الفعلي للفاعلين الاقتصاديين الذين تنطبق عليهم شروط الانخراط، ومن قدرتهم على المساهمة، مع التأكد من عدم تداخلهم مع الفئات الأخرى المحتسبة.

كما ينبغي تحديد العلاقة بين المساهمة المقترحة والمنافع التي يحصل عليها الفاعلون الاقتصاديون، مع ضمان أن يكون النظام محفزا على الانخراط والاستثمار المنتج.

واستنادا إلى التقديرات السابقة، تكون الحصيلة كما يلي: 5.43 مليارات درهم سنويا من مساهمات الفئات الاجتماعية المستهدفة، ونحو 8 مليارات درهم سنويا من مساهمات الأجراء والموظفين المستفيدين من الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية، ونحو 6 مليارات درهم سنويا من مساهمات الفاعلين الاقتصاديين المستهدفين. وهو ما يعطي الحصيلة الحسابية التالية:

5.43 + 8 + 6 = 19.43  مليار درهم سنويا.

وتمثل هذه الحصيلة هدفا ماليا أوليا للمقترح، وليست نتيجة مثبتة، أو وفرا محققا في الميزانية العامة. إذ يتوقف بلوغها على تدقيق أعداد المستفيدين، ووضع إطار قانوني ومالي واضح للتنفيذ.

كما يجب التمييز بين الأموال التي ستظل ملكا للمنخرطين في إطار الادخار، والمساهمات التضامنية التي يمكن توجيهها إلى البرامج الاجتماعية، والموارد التي يمكن أن تتحول فعلا إلى وفر في النفقات العمومية.

إن الهدف من هذا المقترح الاستراتيجي لا يقتصر على تعبئة نحو 19.43 مليار درهم سنويا، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج جديد للعلاقة بين التضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي.

ويطمح التصور الأوسع إلى تعبئة موارد مالية داخلية قد تتجاوز 100 مليار درهم سنويا، من خلال مساهمات تضامنية وآليات للادخار والتمويل تستهدف فئات مجتمعية مختلفة، بما في ذلك المواطنون المقيمون خارج المغرب، وتسهم في استفادة أكثر من 380 ألف مستفيد.

ويمكن توجيه موارد الصندوق، وفق ضوابط مالية وقانونية مناسبة، نحو مجموعة من الأهداف، من بينها مساعدة المنخرطين على مواجهة الأزمات المالية غير المتوقعة، ودعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة والمشاريع المدرة للدخل، وتسهيل الولوج إلى التمويل وفق شروط واضحة ومسؤولة، وتشجيع الادخار المنتظم وترسيخ ثقافة التخطيط المالي، والمساهمة في خلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي، وتطوير شراكات مع المؤسسات البنكية والمالية لتيسير تنزيل منظومة التضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي، وتعزيز الاستقلال المالي للأفراد والأسر بدل الاكتفاء بتلقي المساعدات الظرفية، فضلا عن توفير آليات تضامنية تتيح للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين المشاركة في تمويل المبادرات ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

ومن المهم أن تستند أي مساهمة تقتطع مباشرة من الدعم، أو ترتبط بمنفعة ضريبية إلى إطار قانوني واضح، يحدد حقوق المنخرطين والتزاماتهم، ويضمن عدم المساس بالحاجات الأساسية للفئات الهشة، ويوضح طبيعة المبالغ المودعة وكيفية تدبيرها واسترجاعها بحسب النظام المعتمد.

فنجاح المشروع لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يمكن تعبئتها، بل أيضا بمدى قدرته على حماية حقوق المواطنين، وتحويل المدخرات إلى خدمات ملموسة، وتحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.

ويندرج هذا المقترح في إطار التصور الاستراتيجي الذي عرضته في مقالي «حماية القدرة الشرائية وبناء الغد»، المنشور بجريدة «الأخبار» في عددها رقم 4206، كما يتكامل مع الأفكار التي تناولتها في مقالي حول رؤية لإصلاح صندوق المقاصة، المنشور في عدد سابق من الجريدة نفسها.

ولا يتعلق الأمر بإجراء مالي معزول، بل بمكون من مشروع وطني للتضامن والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، يهدف إلى تعبئة الموارد الداخلية لخدمة الأفراد والأسر والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع.

ويقوم جوهر هذا التصور على الانتقال من الاعتماد على الدعم المالي المباشر والتضامن القائم على المساعدة الظرفية وحدها، إلى منظومة منظمة ومستدامة تربط بين الادخار والمسؤولية المشتركة والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي المنتج.

وتتمثل الغاية في جعل الموارد المالية التضامنية وسيلة لحماية المواطنين من الأزمات المالية غير المتوقعة، وتحفيز المبادرة، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الوضعية المالية للأفراد والأسر والدولة والمؤسسات البنكية الشريكة، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر شمولا واستدامة.

كما يستند المشروع إلى تشجيع المواطنين والفاعلين الاقتصاديين على الانخراط المسؤول في تنمية أنفسهم والآخرين والوطن، في إطار منظومة متكاملة تحترم الحقوق، وتضمن الشفافية، وتخضع للمراقبة والتقييم المستمرين.

إننا أمام تصور يستحق الدراسة والنقاش، ليس فقط بسبب حجم الموارد التي يطمح إلى تعبئتها، بل أيضا لأنه يسعى إلى جعل التضامن ممارسة منظمة، والادخار وسيلة للحماية، والتمويل أداة للتنمية، والمواطن شريكا فاعلا في بناء مستقبله ومستقبل وطنه.

فهل يمكن أن يشكل هذا المشروع خطوة نحو نموذج جديد للتضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل، يحقق حماية مالية أكثر استدامة للمواطنين، ويفتح آفاقا أوسع أمام المبادرة الاقتصادية، ويسهم في بناء تنمية اجتماعية واقتصادية شاملة ومستدامة؟

 

نافذة:

تقوم الفكرة على تخصيص مساهمة شهرية محددة لكل فئة من الفئات المستهدفة وفق آلية مالية وتنظيمية واضحة مع إيداع المبالغ المحصلة في صندوق للتضامن والادخار والحماية الاجتماعية والتمويل التشاركي يستفيد من خدماته الأفراد والأسر والفاعلون الاقتصاديون المنخرطون فيه

 

 

اختصاصي في حل الإشكالات الاستراتيجية (*)

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى