
صدرت في الجريدة الرسمية تعديلات قانونية تؤطر استعمال وسائل الاتصال الحديثة في الحملات الانتخابية، حيث يتهدد السجن والغرامة كل من بث استطلاعات للرأي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات البرلمانية، باستعمال المنصات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي وكافة التطبيقات والأنظمة المعلوماتية، وذلك للحد من اتساع دائرة الفوضى الرقمية التي أصبحت تشكل تحديا حقيقيا أمام المؤسسات المعنية، للقطع معها وتنظيم عملية النشر الموجهة إلى العموم.
وليست استطلاعات الرأي حول الانتخابات، عبر المنصات الاجتماعية، وحدها التي تدخل في إطار الفوضى الرقمية، بل يمتد الأمر إلى نشاط شبكات التشهير والابتزاز خلال فترة الانتخابات، والصفحات المشبوهة التي تحترف الطعن في الأعراض والتهديد والتحريض، وفق أجندات يتم تنفيذها لخدمة وجوه سياسية تهاب المواجهة وتتقن اللعب من خلف الستار.
وهناك العديد من المرشحين للبرلمان الذين يشترون خدمات مسيري صفحات مشبوهة من ذوي السوابق القضائية، ويقدمون لهم مختلف أشكال الدعم أمام المحاكم وأثناء التحقيقات، ويكلفونهم بنشر الشائعات التي يمكن أن تمس بسمعة المتنافسين السياسيين، والطعن في أعراضهم وتهديدهم ورميهم بتهم الفساد دون تقديم أدلة، والبحث أحيانا عن فضائح جنسية مختلقة، أو ملفات شخصية وعائلية، في محاولة للتأثير على سير الحملات الانتخابية وكسب الأصوات بطرق ملتوية.
وقد يخرج علينا، عبر المنصات الاجتماعية وفي ظل الفوضى العارمة التي تعيشها، من ينظّرون في تدبير الانتخابات البرلمانية دون أدنى شروط المعرفة والإلمام بالحد الأدنى من القوانين والأخلاق السياسية، ودون معرفة الحد الفاصل بين الخبر والإشاعة، ما يضاعف من تمييع العملية الانتخابية وتحويلها إلى سوق عشوائية، كل تاجر فيها يلهث خلف الربح المادي، ولو على حساب الديمقراطية والنزاهة والشفافية.
إن تداعيات الفوضى الرقمية كارثية بكل المقاييس، ليس على الانتخابات البرلمانية فقط، ولكن أيضا على مستوى المهن، وعشوائية تقديم النصائح الطبية، والتربية والتعليم، والتأثير سلبا على السلم الاجتماعي، والتحريض على الهجرة السرية، والتلاعب بالرأي العام الرقمي بواسطة الشائعات والتشهير والابتزاز، ما يستدعي الصرامة في مواجهة هذه الظاهرة ومعالجة سرطان فوضى النشر والحد من انتشاره بشكل مخيف.
وطبعا لا يمكن مواجهة هذه الفوضى بمنطق المنع والعقاب وحدهما، بل تحتاج المعالجة أيضا إلى وعي رقمي ومسؤولية أخلاقية وقانونية لدى مستعملي المنصات، وإلى تفعيل سريع وفعال للقوانين، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية على رصد المحتويات المضللة وملاحقة المتورطين فيها، مع حماية حرية التعبير وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة.





