حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريررياضة

«الكاف» ضد المغرب.. تاريخ طويل من القرارات الجائرة

حينما يعاقب الاتحاد الإفريقي المملكة على كرمها للقارة

لم تكن علاقة المغرب بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم يوما علاقة هامشية أو عابرة. فمنذ عقود، ظل المغرب أحد أعمدة الكرة الإفريقية، حاضرا في المنافسات، مساهما في التنظيم، ومبادرا في تطوير البنيات التحتية والتكوين. غير أن هذا الدور، بدل أن يُقابل بالإنصاف، اصطدم مرارا بقرارات مثيرة للجدل، صنعت لدى المغاربة شعورا راسخا بأن «الكاف» لم يكن يوما حكما محايدا، بل طرفا في معادلة مختلة ومساهما فيها.

 

 

من البدايات الصدامية والتحكيم المشكوك مرورا بأزمة «إيبولا» وفضائح «الفار» وصولا إلى فوضى نهائي «الكان»

 

 

إنجاز: سفيان أندجار

 

 

هناك مجموعة من المحطات المفصلية في تاريخ هذه العلاقة بين المغرب والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ساهمت في  تراكم الإحساس بالظلم، وكيف تحول من مجرد انطباع إلى قناعة عامة ظهرت بجلاء، بعد قرار لجنة الانضباط  في «الكاف» بخصوص نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، وما وقع من فوضى خلال مباراة المغرب والسينغال.

 

حضور مبكر.. وصدام مستمر

 

منذ انخراطه في «الكاف»، لم ينتظر المغرب كثيرا ليكتشف أن القوانين داخل المنظومة الكروية القارية لا تطبق دائما بالصرامة نفسها على الجميع. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت الفرق والمنتخبات المغربية تصطدم في تنقلاتها الإفريقية بواقع قاس، ملاعب تفتقر لأبسط شروط السلامة، ضغط جماهيري مفرط، وتحكيم يتغاضى عن الخشونة والعنف.

ورغم تواتر التقارير والاحتجاجات، ظل رد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم باهتا، أقرب إلى الصمت منه إلى الفعل. لم تُفرض عقوبات رادعة، ولم تُرسل إشارات واضحة بأن سلامة اللاعبين المغاربة خط أحمر. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل انطباع بأن المغرب، رغم مكانته، لا يحظى بالحماية نفسها التي تتمتع بها أطراف أخرى.

 

التسعينيات.. أندية مغربية تصارع في الظل

 

مع دخول الكرة الإفريقية مرحلة الاحتراف النسبي في التسعينيات، كانت الأندية المغربية حاضرة بقوة في المسابقات القارية، تنافس على الألقاب وتفرض أسلوبها، غير أن هذا الحضور تزامن مع سلسلة من الإقصاءات المثيرة للجدل، حيث لعب التحكيم دور البطولة في أكثر من محطة.

مباريات حاسمة حُسمت بقرارات غامضة، أهداف أُلغيت دون تفسير مقنع، وضربات جزاء واضحة لم تجد طريقها إلى الصافرة. ورغم أن الجامعات والأندية المغربية رفعت تقاريرها إلى «الكاف»، فإن القرارات التأديبية ظلت غائبة، وكأن تلك الأخطاء لا تستحق حتى الاعتراف.

في تلك الفترة، بدأ الشعور يتعمق: المنافسة داخل إفريقيا لا تُحسم دائما داخل المستطيل الأخضر.

 

 

 

2015 .. حين عوقب المنطق

 

لم يكن ملف كأس أمم إفريقيا 2015 مجرد خلاف تنظيمي عابر بين المغرب والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بل تحول إلى أخطر منعطف في تاريخ العلاقة بين الطرفين، ونقطة فاصلة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مفهوم العدالة داخل المنظومة الكروية الإفريقية، وحدود السلطة التي يمارسها «الكاف» على الاتحادات الأعضاء.

في خريف سنة 2014، وجد المغرب نفسه أمام معطيات صحية غير مسبوقة. فيروس «إيبولا» كان يتمدد في عدد من دول غرب إفريقيا، وسط تحذيرات متصاعدة من منظمات دولية، وتقارير طبية تؤكد صعوبة احتواء الوباء، في حال توافد جماهير ومنتخبات من مختلف أنحاء القارة السمراء. في هذا السياق، لم يتخذ المغرب موقفا انفعاليا أو انسحابيا، بل اختار مسارا مؤسساتيا واضحا، قوامه المسؤولية والحذر.

المغرب لم ينسحب من تنظيم البطولة، ولم يلغ كأس أمم إفريقيا، كما روجت بعض الأطراف لاحقا، بل تقدم بطلب رسمي واحد: تأجيل المسابقة إلى موعد لاحق، إلى حين زوال الخطر الصحي. كان الطلب، في جوهره، موجها لحماية أرواح اللاعبين، الجماهير، والأطقم التقنية والطبية، وليس تعبيرا عن عجز تنظيمي، أو تهرب من الالتزامات.

غير أن رد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم جاء صادما في سرعته وقسوته. فبدل فتح نقاش معمق حول البدائل الممكنة، أو البحث عن حلول توافقية توازن بين متطلبات التنظيم والاعتبارات الصحية، اختار «الكاف» منطق العقاب. سُحب شرف تنظيم البطولة من المغرب، وفرضت عليه غرامات مالية ثقيلة، بل وصل الأمر إلى التلويح بعزله قاريا، ومنع منتخباته من المشاركة في المنافسات الإفريقية.

ذلك القرار، في نظر كثيرين، لم يكن فقط قاسيا، بل افتقر إلى التناسب مع طبيعة الطلب المغربي. فالتأجيل، في ظروف استثنائية، لم يكن سابقة في تاريخ الرياضة العالمية، ولم يكن خروجا عن منطق المسؤولية، بل العكس تماما.

الأخطر من ذلك أن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تعامل مع الملف بمنطق أحادي، دون اعتبار للسياق الدولي ولا للتحذيرات الصحية التي كانت تشارك فيها جهات رسمية وغير رسمية. وكأن الرسالة الضمنية كانت واضحة: الاعتبارات التنظيمية والمالية تسبق أي نقاش حول سلامة البشر.

لم يتوقف المسار عند هذا الحد. فبعد فرض العقوبات، اختار المغرب اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية، واضعا الملف برمته أمام أعلى هيئة قضائية رياضية. هناك، سقطت رواية «الكاف» تحت مجهر القانون، وانكشفت هشاشة الأسس التي بُني عليها القرار التأديبي.

محكمة التحكيم الرياضية أنصفت المغرب، وألغت معظم العقوبات المفروضة عليه، معتبرة أن قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لم تكن متوازنة، ولا تستند إلى منطق قانوني سليم، خاصة في ما يتعلق بطلب التأجيل الذي لا يمكن اعتباره انسحابا، أو إخلالا جوهريا بالالتزامات.

ورغم أن الحكم القضائي أعاد للمغرب اعتباره القانوني، فإن الضرر المعنوي كان قد وقع. فقد رسخ هذا الملف قناعة واسعة داخل الأوساط الرياضية المغربية بأن «الكاف» لا يتردد في اتخاذ قرارات متسرعة، حتى وإن تعارضت مع مبادئ العدالة والإنصاف، وأن منطق القوة داخل المؤسسة قد يتغلب أحيانا على روح القانون.

 

 

 

 

 

تنظيم بلا مقابل.. المغرب مضيف القارة

 

لم يقتصر دور المغرب داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم على مشاركته في المسابقات فقط، بل تجاوزه ليصبح ملاذا احترافيا للكرة الإفريقية، عندما تعثرت دول أخرى. فقد استضاف المغرب مباريات رسمية لمنتخبات وطنية وأندية إفريقية عديدة، عندما كانت ملاعب هذه الدول غير جاهزة، أو لم تستوف شروط السلامة والمواصفات القارية، مما أنقذ «الكاف» من أزمات تنظيمية كبيرة، وأتاح استمرار البطولات دون تعطيل.

ولم يقتصر العطاء المغربي على الملاعب، بل شمل البنية التكوينية للكرة الإفريقية. احتضنت المملكة عشرات الدورات التدريبية والإشرافية الخاصة بالأطر التقنية والحكام، بالإضافة إلى ورش عمل ومؤتمرات لتبادل الخبرات، كل ذلك في إطار السعي إلى تعزيز الاحترافية وتطوير المهارات داخل القارة.

كما استضاف المغرب العديد من الفعاليات الرسمية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، من حفل الجوائز السنوي للاعبين والمدربين المتميزين، إلى أنشطة متنوعة للتواصل مع الرعاة والمعلنين، وإطلاق مشاريع تسويقية ورياضية كانت في كثير من الأحيان من نصيب قارة بأكملها، دون أن يحصل المغرب على الاعتراف أو الدعم الكافي مقابل هذا الجهد الاستثنائي.

ورغم هذا السجل الطويل من الالتزام والمبادرة، ظل التعامل الرسمي من «الكاف» حذرا، أحيانا متشككا، وكأن الإنجازات التنظيمية المغربية وما قدمه للكرة الإفريقية تقابل من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بالجحود.

 

 

 

 

الـVAR حين تتحول التكنولوجيا إلى مشكلة

 

مع إدخال تقنية الفيديو، اعتقد كثيرون أن زمن الظلم التحكيمي انتهى، لكن في المباريات التي كان المغرب طرفا فيها، تحولت التقنية إلى مصدر جدل إضافي. لقطات تُراجع وأخرى تُهمل، قرارات تُفسَّر بطرق مختلفة، وغياب تام للتوضيح الرسمي.

مرة أخرى، وجد المغرب نفسه أمام عدالة بنسختين، واحدة مكتوبة في اللوائح، وأخرى تُمارس على أرض الواقع.

وليس المنتخب المغربي هو من تضرر فقط، بل هناك نهائي شهير في دوري أبطال إفريقيا، جمع بين الوداد الرياضي والترجي الرياضي التونسي سنة 2019، وما أثاره من جدل، بسبب تغييب تقنية «الفار».

 

نهائي «كان 2025».. النقطة التي أفاضت الكأس

بلغت العلاقة المتوترة بين المغرب والاتحاد الإفريقي لكرة القدم ذروتها في نهائي مسابقة كأس أمم إفريقيا 2025 التي استضافتها المملكة، الذي جمع المنتخب المغربي بنظيره السينغالي، مباراة كانت مقررة أن تكون تتويجا لمسيرة تنظيمية ناجحة، لكنها سرعان ما تحولت إلى أزمة قارية، أعادت تسليط الضوء على الخلاف القديم بين المغرب و«الكاف» حول الإنصاف والعدالة في اتخاذ القرارات.

منذ البداية، كانت البطولة نموذجا احترافيا يُحتذى به في تنظيم المنافسات الإفريقية. الملاعب الحديثة، البنية التحتية، استضافة الإعلاميين والجماهير، وحتى تطبيق أحدث تقنيات التحكيم، جعلت من المغرب مثالا يُقتدى به في القارة. لكن النهائي كان استثناء، وكشف فجوة كبيرة بين الاحتراف التنظيمي وواقع تطبيق العدالة الرياضية داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.

شهدت المباراة لحظات من الفوضى داخل الملعب، حيث أدى انسحاب مؤقت للمنتخب المنافس، وهو المنتخب السينغالي، إلى تعليق اللعب لفترة وجيزة، وسط توترات عالية وتدخلات أمنية محدودة لضبط الوضع. هذه اللحظة، التي يمكن أن تُفهم على أنها ظرفية أو نتيجة ضغط المباريات الحاسمة، لم تُحل بالآليات التنظيمية المعتادة، بل أضفت تعقيدا إضافيا على إدارة الحدث.

على الجانب المغربي، بادرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بتقديم احتجاج رسمي، مستندة إلى مواد محددة في اللوائح التي تنص على الإجراءات الواجب اتباعها في حالات الانسحاب المؤقت، أو توقف المباراة لأسباب خارجة عن إرادة الفرق. الاحتجاج لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل كان طلبا قانونيا مدعوما بنصوص واضحة، يطالب بتطبيق العدالة وإنصاف المنتخب المغربي الذي تعرض لموقف غير متكافئ.

إلا أن رد لجنة الانضباط جاء مخيبا للآمال: لم يتم تعديل نتيجة المباراة، ولم يصدر أي تفسير مفصل لكيفية تأويل اللوائح، ولم يظهر أي شعور بأن القانون قد طُبّق بروحه. هذا القرار، بالنسبة إلى كثير من المتابعين والمحللين الرياضيين، لم يكن مجرد حكم مباراة، بل كان تتويجا لمسار طويل من شعور المغرب بأنه لم يُعامل بالعدالة في عدة ملفات متراكمة داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.

في أعقاب هذه الأزمة، لم يكن الحديث مقتصرا على كرة القدم، أو نتيجة مباراة واحدة، بل امتد ليشمل نقاشات حول مصداقية «الكاف» كجهة تنظيمية، وقدرته على تطبيق اللوائح بشكل متساو على جميع الأطراف، ومدى حياد قراراته أمام الضغوط المختلفة. فالمغرب، الذي قدم نموذجا غير مسبوق في التنظيم والاحترافية، وجد نفسه في موقف المتضرر مرة أخرى، رغم كل الجهد المبذول لتقديم صورة إيجابية عن الكرة الإفريقية.

الحدث أثار أيضا قلق الرعاة والمستثمرين الذين يربطون دعمهم بالاستقرار والعدالة داخل البطولات القارية، مما أضاف بعدا اقتصاديا وسياسيا للأزمة. وبالنسبة إلى الشارع الرياضي المغربي، أصبح نهائي «الكان» في نسختها الخامسة والثلاثين أكثر من مجرد مباراة؛ إذ صار رمزا للظلم المتكرر، ولإحساس دائم بأن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لم يجد بعد طريقه لتطبيق العدالة بشكل متساو.

في النهاية، يظل نهائي كأس أمم إفريقيا لكرة القدم «المغرب 2025» محطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين المغرب و«الكاف»، درسا صريحا حول أن الاحتراف التنظيمي وحده لا يكفي لحماية المنتخبات والأندية من تداعيات ضعف تطبيق اللوائح، وأن الطريق نحو إنصاف حقيقي يحتاج إلى مراجعة شاملة لكيفية إدارة الأزمات داخل كرة القدم الإفريقية.

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى