التازي: الحسن الثاني قال لي هل تريد أن ننسحب من الجامعة العربية كما انسحبنا من المنظمة الافريقية؟

دائما، في إطار سياق الإعداد للقاء طرابلس في أبريل 1985، بدا واضحا أن العقيد القذافي كان على علم بما يحاك ضد المغرب، وإلا فإن الأمر سوف يكون، بدون شك، مسا بسيادة ليبيا على ترابها، بإقحام وفد من البويساريو في الاجتماع ليجلس إلى طاولة واحدة مع وزير الخارجية المغربي، عبد اللطيف الفيلالي.
الدور الكبير الذي لعبه السفير محمد التازي، بشهادته، في إبعاد هذا الفخ، ساهم في إقبار المحاولة، رغم أنه لم يشر بأصبع الاتهام إلى العقيد القذافي أو وزير خارجيته بشكل مباشر -الوزير وقتها كان صديقا للسفير محمد التازي وتربطه به علاقة شخصية- إلا أن الأمور كانت واضحة ولم تكن تحتاج إلى أي تفسير نهائيا.
يحكي التازي كيف انتهت القصة:
«وفي اليوم التالي للاجتماع أعلنت الجماهيرية اعتذارها عن استضافة الاجتماع، واستخرجت من الأمانة العامة تدخلي وأرسلتُه لجلالة الملك، وكم كانت سعادتي غامرة حين علمت أن جلالته أمر بتوزيعه على الذين أوفدهم للدول العربية والإفريقية كتعليمات من جلالته، وهم السادة:
الداي ولد سيدي بابا، ادريس السلاوي، عباس الفاسي، لعدد من الدول الإفريقية. الدكتور عز الدين العراقي، عبد الهادي بوطالب، أحمد بنسودة للدول العربية».
يواصل التازي سرد ما جاء من وقائع، حسب الترتيب الزمني. يقول:
«ووصل السيد بوطالب إلى تونس يوم 3 أبريل، فاستقبله الرئيس بورقيبة، ثم الرئيس ياسر عرفات، حيث شرح لهما أسباب الموقف المغربي في مجلس الجامعة، وفي حديث مع الأستاذ الصديق، بوطالب، قال لي لقد كنت مع الحاضرين مع جلالة الملك ويبدو أنك كنت منفعلا فقد كنا نسمع الحوار بينكما ثم فجأة أغلق جهاز نشر الصوت، ولم نعد نسمع إلا كلام جلالته، فقلت له حاشا لله أن أنفعل في حديث مع جلالته، فقال:
– بعد انتهاء المكالمة، كان يردد أني أعرف التازي جيدا وأعرف أنه حاضر الوعي، ويعلم آرائي معرفة تامة، فلماذا لم يتصل بي ويطلب تعليماتي؟ إنه كثيرا ما انتقد لي الروتين في وزارة الخارجية.
وزاد السيد عبد الهادي يقول:
– ويشهد الله أن كل من كان حاضرا أثنى عليك فأكد جلالته أنك ستعرف كيف تنقذ الموقف، متأكدا أن التقصير لم يكن منك.
وإثر عودة الأستاذ بن سودة من مهمته اتصل بي قائلا:
– إني أهنئك على التقدير الملكي الذي لا حد له، ألا يكفيك أن تعليمات جلالته لمبعوثيه كانت مقصورة على نسخ مصورة من برقياتك؟».
إذا كان عبد الهادي بوطالب أكد للسفير محمد التازي أن الحسن الثاني كان راضيا عما آلت إليه الأمور في النهاية، بعد تجنب فخ حضور البوليساريو، وأن قرار الانسحاب من الجامعة العربية وتجميد عضوية المغرب بشكل تام، لم يكن مجرد «تهديد» بل كان قناعة لدى الملك الراحل، فإن شخصيات أخرى ظنت وقتها أن أيام التازي في السلك الدبلوماسي كانت معدودة. وأكد بنفسه، في أكثر من موضع في هذه المذكرات، أن الذين كانوا ينتظرون أي هفوة منه لإغلاق باب الملك أمامه، كانوا أكثر من «مُحبيه».
أما كيف انتهت الواقعة، فيختم التازي بهذه الأسطر: «وقد اهتمت الصحافة العربية والمغربية والدولية بما حدث في مجلس الجامعة، وبعد الجلسة اعتذرت عن عدم الإدلاء بأي تصريح لأني لم أكن أعرف رد الفعل على موقف شخصي لم أتلق تعليمات بشأنه، وإنما التقطت مفتاحا من جلالة الملك أثناء المحادثة التليفونية، حين تساءل هل تريدنا آ التازي أن ننسحب من الجامعة كما انسحبنا من المنظمة الإفريقية؟ ذلك هو المفتاح، الذي أخذته من جلالته، فجلالته يصدر تعليماته باللغز والإشارة وعلى مخاطبه أن يكون حاضر الذهن والبديهة، والحمد لله أولا وأخيرا على توفيقه».





