
محمد اليوبي
تأكيدا لما نشرته جريدة «الأخبار» حول تبديد أموال عمومية في توريد الشتائل الغابوية بالوكالة الوطنية للمياه والغابات، كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي قدمته رئيسة المجلس، زينب العدوي، أول أمس الثلاثاء، في جلسة مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، عن ضياع ما يقارب 43,74 مليون شتلة غابوية كلف إنتاجها 92,44 مليون درهم.
وأوضح التقرير أن استراتيجية «غابات المغرب» تسعى إلى تشجير مساحة إجمالية تبلغ 600 ألف هكتار، في أفق سنة 2030، وهو ما يمثل ارتفاعا ملحوظا في وتيرة التشجير مقارنة بالسنوات السابقة (حوالي 30 ألف هكتار سنويا)، غير أن هذه الاستراتيجية لم توضح الأهداف الوظيفية لهذا التشجير، سواء كانت وقائية أو إنتاجية أو ترفيهية، كما أنها لم تحدد المساحات المستهدفة لكل من هذه الأهداف.
نسبة إنجاز بـ41 في المئة
كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن المساحات المشجرة منذ إحداث الوكالة، أي ما بين 2022 و2024، بلغت حوالي 57.546 هكتارا من أصل 139.860 هكتارا مستهدفة في إطار استراتيجية «غابات المغرب» خلال هذه الفترة، وهو ما يعادل نسبة إنجاز تقدر بـ41 في المئة فقط. وتشمل هذه الحصيلة محيطات التشجير الجديدة التي تم غرسها لأول مرة، بالإضافة إلى محيطات التشجير التي أعيدت برمجتها من جديد بعد فشل عمليات الغرس السابقة. وخلص تقرير المجلس إلى أن هذه الحصيلة لا تعكس المساحة المشجرة فعليا، حيث تتطلب بعض مناطق التشجير تدخلات متكررة في حال عدم نجاح عمليات غرس سابقة.
وسجل المجلس أن المساحات المبرمجة للتشجير لا يتم إنجازها كليا، مما يؤدي إلى عدم استعمال الشتائل الغابوية التي يتم إنتاجها مسبقا. وفي هذا السياق، وخلال الفترة من 2014 إلى 2023، سجل المجلس عدم استعمال ما يقارب 43,74 مليون شتلة غابوية كلف إنتاجها 92,44 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 22 بالمئة من إجمالي الإنتاج الذي بلغ 203,77 مليون شتلة بكلفة إجمالية تقدر بـ389,82 مليون درهم.
ويمثل عدد الشتائل غير المستعملة الكمية اللازمة لتشجير مساحة تُقدّر بنحو 87.500 هكتار، وبالنسبة للفترة الأخيرة الممتدة بين سنتي 2021 و2023، لا تزال 19,23 مليون شتلة غابوية غير مستعملة في المشاتل (37 بالمئة من إجمالي إنتاج الشتائل خلال هذه السنوات الثلاث)، بلغت كلفة إنتاجها حوالي 50 مليون درهم، ويعزى ذلك لعدة عوامل، أبرزها عدم إسناد بعض صفقات الغرس، وتعرض الساكنة المحلية على أشغال التشجير، حيث قدرت المساحات التي تم التعرض بشأنها خلال الفترة ما بين سنتي 2014 و2024 بحوالي 32.981 هكتار من المساحات المبرمجة، بالإضافة إلى تأجيل أشغال التشجير من سنة إلى أخرى بسبب الظروف المناخية غير الملائمة، سيما خلال فترات الجفاف.
وأكد تقرير المجلس أن الوكالة الوطنية للمياه والغابات تتحمل مسؤولية تبديد أموال عمومية في توريد شتائل لا يتم غرسها، وأوضح التقرير أن الوكالة لم تقم بتطوير آليات فعالة لإدارة المخاطر المرتبطة ببرمجة محيطات التشجير، وذلك لضمان برمجة فعالة لإنتاج الشتائل وتقليص الخسائر الناجمة عن ذلك، كما لم تعتمد الوكالة إجراءات تقنية وعملية من شأنها ضمان وترشيد استعمال فائض الشتائل الغابوية لتفادي إتلافها أو تراكمها في المشاتل.
وأكد التقرير أن الشتائل غير المستعملة، والمتواجدة بالمشاتل التي تمت زيارتها من طرف قضاة المجلس، لا تتم رعايتها في ظروف تقنية مناسبة، إضافة إلى كونها غير صالحة للغرس بعد مرور ما يقارب سنتين على إنتاجها، وذلك نظرا لعدم تناسب نمو جذورها مع أغصانها، إضافة إلى تعرضها للعديد من الأمراض، وهو ما يؤثر بشكل كبير على قدرتها على النمو بشكل طبيعي في حال غرسها في محيطات التشجير.
وكشف تقرير المجلس عن وجه آخر من أوجه تبديد المال العام بالوكالة، يتجلى في فشل عمليات الغرس. وفي هذا الصدد، أفاد التقرير بأن معدل نجاح عمليات التشجير بلغ 51 بالمئة في موسم 2022-2023 (نجاح تشجير 9.991 هكتارا من أصل 19.475 هكتارا مغروسة).
القدرة الإنتاجية للمشاتل
في إطار تنفيذ استراتيجية «غابات المغرب»، حددت خطة العمل المتعلقة بإنتاج الشتائل حاجيات الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025 في ما يقارب 40 مليون شتلة سنويا، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الحاجيات تدريجياً لتصل إلى حوالي 75 مليون شتلة غابوية في أفق سنة 2030، غير أن هذه الحاجيات المتوقعة لم يواكبها الرفع من القدرات الإنتاجية الفعلية للمشاتل الغابوية.
وأبرز التقرير أن الوكالة تتوفر على 62 مشتلا غابويا بقدرة إنتاجية إجمالية محتملة تبلغ 64,7 مليون شتلة، غير أنه لا يتم حاليا استغلال سوى 26 مشتلا لا تتجاوز قدرتها الإنتاجية الفعلية 36,45 مليون شتلة، كما أظهر تحليل المعطيات المتعلقة بهذه المشاتل أنها تواجه عدة تحديات، تتمثل أساسا في تجهيزاتها المتقادمة (5 مشاتل من بين المشاتل المشغّلة تعرف ضعفا في التجهيز، و13 منها تتوفر على تجهيزات في حالة متوسطة)، وصعوبة تعبئة موارد مياه السقي، فضلا عن محدودية الابتكار وضعف استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة، وهو ما قد يعيق تحقيق الأهداف المسطرة ضمن استراتيجية «غابات المغرب».
ولتدارك محدودية القدرة الإنتاجية للمشاتل الغابوية، يضيف التقرير، لجأت الوكالة إلى إشراك القطاع الخاص في تزويدها بالشتائل، غير أن هذه المقاربة لم تُواكب بإجراءات تنظيمية عملية، من أجل إنتاج شتائل غابوية معتمدة تستجيب لحاجيات الوكالة. وأشار التقرير إلى أن إنتاج الشتائل الغابوية ذات جودة عالية يعتبر مرحلة أساسية وشرطا ضروريا لضمان نجاح عملية التشجير.
وأضاف التقرير أن القطاع الحكومي المكلف بالمياه والغابات قام بإجراء تعديلات بهدف تحسين هذه العملية، وذلك من خلال تغيير نمط الصفقات المبرمة. ومع ذلك لم تمكن هذه التعديلات من تجاوز الإكراهات ذات الطابع البيولوجي المرتبطة بهذه العملية، مشيرا إلى أنه منذ سنة 2021، تم تعويض إبرام صفقات سنوية تتعلق بأشغال إنتاج الشتائل داخل المشاتل الغابوية، بصفقات إطار تتعلق بتوريد الشتائل الغابوية على مدى ثلاث سنوات.
ويهدف هذا التحول إلى ضمان استمرارية الإنتاج على مدى عدة سنوات من طرف القطاع الخاص، غير أن ضعف آليات تتبع عمليات إنتاج الشتائل الغابوية ضمن الشروط التعاقدية المعتمدة في هذا النمط يحد من مراقبة ضمان جودة هذه الشتائل، خصوصا وأن الصفقات الإطار تحيل إلى دفتر الشروط الإدارية العامة للأشغال، والذي لا تتلاءم مقتضياته في كثير من الأحيان مع طبيعة هذه الخدمة ذات الطابع البيولوجي.
وسجل التقرير أن دفتر التحملات الحالي لا يمكن من تأطير هذه العملية من الناحية الإدارية والتقنية والتنفيذية بما يتناسب مع طبيعتها البيولوجية، كما لا يتضمن منهجية واضحة للتحقق من المواد المستعملة ومراقبتها، ولا يمكن من إرساء نظام مراقبة وضمان الجودة (نظام المراقبة، تحديد حالات عدم المطابقة ومعالجتها، إلخ).





