حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

المبدع والمؤسسة

يسرا طارق

حين كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران يعتزم القيام بزيارة رسمية لإحدى الدول، كان قبلها بأيام يطلب من مستشاريه، الذين كان من بينهم الفيلسوف جاك أتالي، أن ينتقوا له كتبا أو روايات تُقربه ثقافيا ووجدانيا من البلد المعني. كان ميتران على وعي بأن تقارير السفارات والاستخبارات الخارجية لا تكفي لمعرفة ثقافة ومزاج ومكونات شخصية شعب معين، هناك دوما حاجة للفكر والأدب والفن لمعرفة الشعوب وفهم احتياجاتها وأعطابها ورهاناتها.. رغم أن المبدع، وبصفة عامة، يكون في خصام مع المؤسسات القائمة، يفكر خارج قيمها. تريد هي تأبيد الأحوال، ويريد هو تحطيمها ليولد الجديد من وسط حطامها وأنقاضها. تريد هي الاتباع والنقل، ويريد هو التجديد والخيال. تضع هي الأغلال في العقول والأيدي، ويدعو هو للحرية. تبجل هي الماضي، ويُشْرِع هو الأبواب نحو المستقبل، فإنه، ورغم كونه على هامش المجتمع، تحتقره، أو على الأقل، تنتقص منه المؤسسات، فهو في الملمات الكبرى والأحداث الجسام رمز البلد، وهو من تشير له الأصابع وتتعلق به الأفهام. تُعنى المؤسسة بالحياة اليومية، بالعابر والمكرور، بينما يشتغل الإبداع على ما يبقى، وما يخاطب في الإنسان إنسانيته، وما يجعله يسمو على حيوانيته وحاجياتها البهيمية. الإبداع يقاوم التحجر والاستهلاك والتفاهة والبهرجة الفارغة، لأنه مسكون بالأسئلة الجوهرية للإنسان، ومسكون بالأساس بالمستقبل، فلولا الخيال لما تمكن الإنسان من أن يخترع ويحلم ويجعل من الأمل رفيقا في أحلك اللحظات.

شعوب الأرض جميعها تُعْرَفُ بمبدعيها أكثر من ساستها وأكثر ممن راكموا فيها ثروات قارونية، ويمكن للواحد أن يتجول في العالم ليرى أن تماثيل الكتاب والفنانين ومتاحفهم أكثر بما لا يقاس من النصب التذكارية لغيرهم من الرجال الذين خلدوا أسماءهم في كتب التاريخ.

فكرت في هذا وأنا أستعيد، كغيري في الوطن العربي، حوارات وأغاني زياد الرحباني. كلنا ندين لهذا المبدع العظيم بألحانه وكلماته ومسرحياته وصراحته الجارحة وروح السخرية والدعابة التي تملأ رؤيته للعالم، لقد جدد زياد البيت الفني الذي أنشأه الرحابنة، ونفخ فيه من روحه، وأخرج صوت فيروز من كمال وانسجام ورومانسية الضيعة، وقذف به في واقع العبث والألم والمفارقات والبحث المضني عن لحظة صفاء وحب. لقد جعل النجمة البعيدة تنزل للأرض وتتمرغ في التراب، وتتلفظ بالجمل المعطوبة التي تُتَبادل في واقع صنعه الخراب والحرب المستمرة. وفي بلد تحكمه الطائفية، وينظمه الاصطفاف الدائم لهذا ضد ذاك، شكل زياد لوحده، تقريبًا، وطنا يجد فيه اللبنانيون أنفسهم موحدين ومتعاضدين. لقد وهب زياد للبنان ذلك الصوت المزعج الجارح الذي يعرف كيف يخز الملهاة ويريها أنها ملهاة. وتَحَمّل ما لا يتحمله فنان عظيم في حجمه وموهبته، جاع وعاش ظروفا مادية قاسية، لم يهرع فيها أحد لمساعدته، وأعتقد بأنه ما كان ليقبل تلك المساعدة، وما كان أيضا ليقوم بأي شيء لا يليق بمكانته.

مات زياد في غفلة من الجميع، ثم انتبهت المؤسسة لفنان عبقري كان يعيش وسط الناس، يكابد صروف الدهر. سُمّي شارع باسمه، وسيُذكر كثيرا وستُقام فعاليات فنية مستغلة اسمه، وخرج كل من طعنوه في الظهر يبكونه، لكن أين كان هؤلاء وهو يجتر مرارة عزلته!؟

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى