
مع الفضائح المتتالية لمنتخبين ومسؤولين واستغلالهم لسلطة التوقيع والمنصب من أجل تحقيق ثروات ضخمة، وتسجيل أملاك عقارية ومشاريع بأسماء الزوجات والأبناء والأقارب والأصهار، نصبح أمام أزمة أخلاقية حقيقية، تتطلب الصرامة في تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، والجدية في عمل لجان التفتيش والتقارير التي يُفترض أن تكون سبّاقة لكشف مكامن الاختلالات والتجاوزات، والتفاعل مع الشكايات والتقارير الصحافية المهنية التي تشير إلى الخروقات المتعلقة بتسيير الشأن العام.
ولعل ما كشفته جريدة “الأخبار” من استغلال للقرارات التعميرية والتصاميم من قبل مسؤول سام بأكادير ودخول زوجته للاستثمار في مجال العقار باستغلال النفوذ، يطرح بحدة استغلال بعض المسؤولين والمنتخبين لسلطة التوقيع والمنصب من أجل تحقيق حلم الثروة والمضاربات ودخول مجالات العقار والتجارة والفوز بالصفقات العمومية خارج تكافؤ الفرص.
ولا يكفي الإعفاء من المهام في فضائح المنتخبين والمسؤولين، بل يجب أن يمتد التحقيق إلى كافة الجهات المتواطئة مع الفساد والمفسدين، فضلا عن جرد الثروات التي تم تحقيقها من وراء استغلال المنصب والنفوذ وإمكانية الحجز على الأموال لفائدة الخزينة العامة، بحيث كلما كان المنصب كبيرا وجب أن تكون العقوبة مشددة، لأن المسؤول الكبير المفروض فيه الاستماع إلى شكايات المرتفقين والمنعشين العقاريين والمستثمرين وكافة الناس لإنصافهم، وليس البحث عن لي عنق القوانين وخرقها لتحقيق حلم الثروة واستغلال فرصة التواجد بالمنصب.
وطبعا هناك أزمة حقيقية في استغلال المنصب من أجل تحقيق الثروة، بحيث ترتفع المعاملات المالية والصفقات بارتفاع المنصب والقدرة على توقيع قرارات هامة سواء كانت تراخيص أو تعديلات في تصاميم التهيئة، أو ملفات استثمارية ضخمة، أو حتى قرارات متوسطة من مثل تلك المتعلقة برؤساء الجماعات الترابية الذين حول بعضهم منصبه لتجارة مربحة والابتزاز في بعض الأحيان بطرق ملتوية.
إن سلطة التوقيع واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وجدت من أجل حماية الصالح العام وخدمة ملفات التشغيل والتنمية الشاملة وتشجيع الاستثمارات، والعمل على تجويد الخدمات العمومية، وليس اغتنام الفرصة من أجل تحقيق الثروة، وتسخير القوانين والقرارات الإدارية لخدمة رأس المال الخاص بالمسؤول أو المنتخب وتنميته بطرق غير مشروعة تضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع وتسيء لصورة ومصداقية المؤسسات الرسمية.
والواجب في هذه المرحلة بالذات هو التفعيل الأمثل لدور لجان التتبع والمراقبة والتفتيش الدقيق لكل ملفات التسيير بالمؤسسات العمومية والمجالس، كما أن الأحزاب السياسية وجب أن تكون في طليعة من يعمل على محاربة الفساد بجدية والحد من استغلال سلطة التوقيع في تحقيق الثروة، عوض محاولات التغطية على فساد بعض القيادات وتبرير الخروقات التي يتم رصدها من قبل لجان التفتيش، علما أن الرأي العام يتابع عن كثب ويعرف جيدا كيف كانت الحالة المادية لرؤساء جماعات ترابية وكيف تحولوا بعد سنوات في المسؤولية إلى رجال أعمال كبار وربطوا علاقات مصالح متشابكة تضمن استمرارهم في المنصب رغم الفشل الذريع في التنمية.





