
سفيان أندجار
أثار المنتدى الدولي «ملاعب القمة»، المنعقد بمدينة مدريد موجة غير مسبوقة من النقاش والقلق في الأوساط الرياضية الإسبانية، بعدما تحول من مجرد لقاء تقني حول هندسة الملاعب إلى مساحة لكشف موازين القوة الجديدة بين المغرب وإسبانيا في ملف تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، خصوصا في ما يتعلق بمكان إجراء المباراة النهائية للمونديال.
فبينما كان مهندسو شركة «Populous» يعرضون تفاصيل الملاعب المغربية الثلاثة المبهرة التي شُيّدت في زمن قياسي، كانت ملامح التوتر ترتسم على وجوه بعض المتحدثين الإسبان، الذين أدركوا أن سباق احتضان المباراة النهائية لم يعد مضمونا كما كان يُعتقد، وأن المغرب بات يشكل ضغطا حقيقيا لا يمكن تجاهله.
وخلال المنتدى، قدم أندريا غياتي، كبير المهندسين، عرضا لافتا حول كيفية بناء ثلاثة ملاعب مغربية بمعايير عالمية، ملعب مولاي الحسن الذي شُيّد في عشرة أشهر فقط، وملعب الأمير مولاي عبد الله الذي اكتمل في 24 شهرا، رغم غياب دفتر تحملات «الفيفا» الخاص بمرحلة 2030 آنذاك، ثم المشروع الضخم الذي تخطى كل توقعات الحضور؛ ملعب الحسن الثاني بالدار البيضاء، بسعة 115 ألف متفرج، وهو الأكبر في العالم.
ولم يقدم غياتي مجرد وصف هندسي، بل أرسل رسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يبني ملاعب لكأس العالم فقط، بل يؤسس لحقبة جديدة من التفوق القاري والدولي، مستندا إلى شغف جماهيره وقدرته على تنفيذ مشاريع عملاقة بسرعة وصرامة.
ومع كل جملة كان يلقيها المهندس الإيطالي، كانت المقارنات تُفرض تلقائيا داخل القاعة. فبينما ينجز المغرب ملاعب عملاقة في مدد زمنية غير مألوفة، تغرق المشاريع الإسبانية في التأجيلات والجدل الإداري، وضعف التنسيق بين الجهات المحلية.
وهذا الفارق في الإيقاع والجاهزية جعل أصواتا إسبانية تخرج عن تحفظها، أبرزها خافيير دونيا من Grandstand JD، الذي صدم الحضور حين قال بصراحة إن المغرب «يضغط بقوة»، وإن ضعف التخطيط في إسبانيا قد يتسبب في فقدان مباراة من مباريات كأس العالم. التصريح الذي مر كصفعة حقيقية جعل الكثيرين يستشعرون لأول مرة أن موقع إسبانيا المتميز داخل ملف 2030 لم يعد محصنا، وأن الاتحاد الدولي لكرة القدم قد يجنح نحو الخيار الأكثر جاهزية، والأكثر إبهارا، والأكثر قدرة على تقديم صورة عالمية للحدث.
وتضاعف القلق الإسباني حين أضاف المهندس مارك فينويك، المعروف بمشاريعه الكبرى في أوروبا وإفريقيا، أن إسبانيا متأخرة بشكل خطير، وأن كأس العالم 2030 ليست مناسبة للترقيع أو الإصلاح، بل «فرصة للتحول الكامل». حديثه جعل النقاش داخل المنتدى يأخذ منحى مختلفا؛ فلم يعد السؤال هو كيف ستتقاسم الدول الثلاث المباريات، بل من سيفوز بالنهائي؟ ومن ستقنع «الفيفا» بأنها الأجدر باحتضان أهم مباراة في كرة القدم العالمية؟
وبات واضحا أن المشهد تغير، فالمغرب اليوم لا يقدم مجرد ملاعب جاهزة، بل مشروعا وطنيا متكاملا، مبنيا على رؤية واضحة، واستثمارات ضخمة، وسرعة في التنفيذ، إضافة إلى زخم سياسي ورياضي جعل المملكة تتحرك بثقة في الساحة الدولية. وفي المقابل، تظهر إسبانيا مرتبكة، محاصرة بالتأخير والانتقادات، وقلقة من أن تتحول الشراكة الثلاثية إلى منافسة مباشرة، خصوصا بعد بروز ملعب الدار البيضاء كأحد أكبر الأسلحة التي يعول عليها المغرب لترجيح كفته لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ولم يعد المغرب الشريك الهادئ الذي يكتفي بتقاسم شرف التنظيم، بل أصبح قوة صاعدة تضغط وتحجز لنفسها موقعا متقدما، والإسبان بدؤوا يدركون أن الملعب الأكبر في العالم، والبنية التحتية الأسرع نموا في المنطقة، والالتزام السياسي الذي يحيط بالملف المغربي، كلها عناصر قد تعيد رسم الخريطة وتمنح المملكة أفضلية حقيقية في سباق النهائي المنتظر.





