
في كل أزمة معيشية صغيرة أو كبيرة، من ارتفاع سعر الطماطم إلى انقطاع الماء لبضع ساعات، يخرج فجأة جوقٌ من السياسيين الذين يستيقظ ضميرهم الموسمي في اللحظة المناسبة فقط. يصبحون بين ليلة وضحاها فرسانًا للدفاع عن الفقراء، وأصحاب حناجر ذهبية تملأ الجلسات صراخًا واحتجاجًا واتهامات. ويتحوّل البرلمان، بدل أن يكون مؤسسة تشريعية، إلى مسرح كبير يعتلي خشبته ممثلون هواة يبحثون عن لقطات قصيرة تصلح للانتشار على «تيك توك». فكل نائب منهم يريد أن يُظهر للجمهور أنه البطل الأسطوري الذي سيحرّر الوطن من الفساد بضربة صوت واحدة.
لكن خلف هذا المشهد الصاخب تكمن وصفة سياسية بسيطة للغاية: جمهور غاضب يبحث عن منفس وطبقة سياسية متعطّشة لزيادة رصيدها الانتخابي. لذلك يصبح الطريق الأقصر نحو قلوب الناس هو خطابات شعبوية عاطفية، لا تحتاج إلى أرقام ولا إلى تحليل، بل فقط إلى كلمات كبيرة من قبيل: «لوبيات»، «تواطؤ»، «خيانة الأمانة» و«الانحياز للأغنياء». يكفي أن يرفع النائب صوته قليلًا، ويضرب الطاولة بقوة ويصنع ملامح غاضبة أمام الكاميرا حتى يصبح فجأة رمزًا للشجاعة والحق، رغم أنّه في الغالب لم يقدّم يومًا مشروع قانون ولا درس ملفًا واحدًا بجدية.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصدق الناس أن الصراخ يُعادل الحكمة وأن كثرة الاتهامات تعني بالضرورة وجود شجاعة أخلاقية. لقد اكتشف بعض البرلمانيين الوصفة السحرية، اتّهِم الحكومة ليل نهار بأنها خادمة للوبيات الاقتصادية وأنها تتآمر ضد الفقراء وستتحوّل تلقائيًا في أعين الجمهور إلى فارس نبيل. وما دام الجمهور لا يسأل عن الأدلة ولا عن النصوص القانونية، فإن المسرحية تستمرّ دون عوائق.
أما المعارضة، التي تُقدّم نفسها في كل مناسبة باعتبارها الصوت الوحيد للشعب، فهي أيضًا جزء من اللعبة. فبعض قياداتها لا تتحرّك إلا بإشارات من رجال أعمال نافذين، وبعض مواقفها تُدفَع دفعًا بحسابات انتخابية ضيقة. ومع ذلك يستمرّ قسم كبير من الجمهور في تصديق هذه الثنائية المريحة، حكومة فاسدة بالكامل ومعارضة طاهرة بالكامل. وهي ثنائية عاطفية للغاية، لكنّها مضرة سياسيًا لأنها تلغي التعقيد وتُحوّل المشهد السياسي إلى فيلم كرتوني فيه أشرار وأخيار فقط.
يبقى السؤال الأهم: لماذا يميل الناس إلى هذا الخطاب الشعبوي رغم أنه لا يحلّ أزماتهم، بل غالبًا يعمّقها؟
أولًا لأن الواقع صادم. حين تقول للمواطن إن إصلاح الصحة يحتاج سنوات، وإن النهوض بالتعليم يتطلّب تضحيات، وإن الميزانية محدودة، يشعر بالإحباط. لذلك يستسهل تصديق السياسي الذي يقدّم حلولًا سحرية سريعة، ويحمّل كل الفشل لجهة واحدة: الحكومة، أو اللوبيات أو «العفاريت»… أي شيء يُبعد المسؤولية عن الناس أنفسهم.
ثانيًا لأن الثقافة السياسية ضعيفة للغاية. المواطن الذي لا يفرّق بين صلاحيات الحكومة وصلاحيات البرلمان، أو بين المعارضة الدستورية والمعارضة الشعبوية، يسهل إقناعه بأن نائبا واحدًا قادر على إسقاط الفساد بمجرد صرخة قوية تُلتقط بكاميرا عالية الجودة. وهكذا تتحوّل السياسة، في وعي الجمهور، إلى مسابقة صراخ لا أكثر.
ثالثًا لأن منصات التواصل الاجتماعي تمجّد الدراما. فيديو واحد لنائب يوزّع الاتهامات بلا دليل يحصد ملايين المشاهدات، بينما نقاش هادئ حول إصلاح الجبايات لا يشاهده أحد. الخوارزميات تدفع نحو التطرف العاطفي، والسياسيون يعرفون ذلك جيدًا. لذلك يتعمدون تأثيث الجلسات بالسخط المسرحي بدل النقاش العقلاني، لأن الجمهور ببساطة يكافئهم على ذلك.
وهنا تكمن خطورة الانسياق وراء هذا الخطاب. عندما يعتاد الناس على أن السياسة مجرد صراخ، فإن السياسي الجادّ، الهادئ، الذي يتحدث بالأرقام، يصبح تلقائيًا متهَمًا بالتهاون أو التواطؤ. وعندما تتحول الاتهامات غير المثبتة إلى عملة سياسية رائجة، يفرّ المتخصصون وأصحاب الخبرة من المشهد، ويتركونه للمزايدين الذين يجيدون إدارة العواصف اللفظية أكثر مما يجيدون صناعة السياسات العمومية.
السياسة الحقيقية حسابات، ورؤية وأوراش، وليست مجرد خطبة عصبية. والمواطن، الذي يريد أن يحمي نفسه من استغلال مأساته، عليه أن يسأل أسئلة حقيقية: ماذا قدم هذا النائب فعلًا غير الصراخ؟ أين كانت المعارضة حين كانت في الحكومة؟ من يمول حملاتهم الانتخابية؟ كيف صوّت ممثلوهم في القوانين التي تمسّ حياته اليومية؟ ولماذا لا يظهرون إلا عند الأزمات أو عند اقتراب الانتخابات؟
لكن أخطر ما في الشعبوية أنها تمنح الجمهور شعورًا زائفًا بالقوة. فهي تجعل المواطن يشعر بأنه انتصر لمجرد أنه شاهد نائبًا يصرخ نيابة عنه، بدل أن يسأل نفسه عن دوره الشخصي: هل يصوّت؟ هل ينخرط؟ هل يراقب؟ أم يكتفي بالتصفيق لمن يقول ما يريده أن يسمعه؟
النتيجة أن السياسة تتحوّل إلى فرجة لا إلى تغيير. يتابع الجمهور الجلسات كما يتابع مسلسلا، ثم يعود إلى حياته كما هي: نفس المستشفى، ونفس المدرسة ونفس البيروقراطية الجامدة. بينما يستمرّ السياسيون في لعب أدوار البطولة على المنصات، ويستمر الجمهور في التصفيق، معتقدًا أنه شارك في «نصرٍ سياسي»، بينما لم يتغير شيء سوى حجم المشاهدات والرصيد البنكي للنائب المعارض.





