
حسن البصري
في مثل هذا اليوم، استفقت على صوت منبهات سيارات الإسعاف وهي تدخل مستشفى الهضبة الخضراء في طرابلس.
شاءت الصدف أن أعيش الغارة الأمريكية على طرابلس وبنغازي، حين كنت في مهمة بسجن الأحداث في تاجوراء ضواحي العاصمة، بصفتي اختصاصيا اجتماعيا، رفقة مجموعة من الزملاء.
قضينا ليلة عصيبة في حديقة مجاورة للمجمع السكني، الذي كان يقطنه أجانب غالبيتهم من أوروبا الشرقية.
كنا نتابع المقذوفات وهي تنهال على باب لعزيزية، مقر سكن الزعيم الليبي معمر القذافي، كأننا نتابع فيلما من أفلام حروب الفيتنام، فيتملكنا الرعب ونلعن الأقدار التي رمت بنا في بلد يتنفس هواء البارود.
كانت تعليمات الحماية المدنية لطرابلس تأتينا عبر مذياع مواطن مغربي، تطالبنا بالمزيد من الحيطة والحذر، وتدعونا إلى الانبطاح كلما لاح في السماء صاروخ أمريكي يبحث عن هدف.
في صباح اليوم الموالي، تحولت طرابلس إلى مدينة منبوذة، غادرها أبناؤها هربا من القصف.
غادرها التونسيون صوب الحدود الغربية، وهرع المصريون نحو الحدود الشرقية، خوفا من تنفيذ ريغان لوعوده.
وبقينا تحت رحمة قصف متقطع وبيانات متنافرة وزحمة مراكز الهاتف، حيث يصطف الأجانب ابتغاء مكالمة تطمئن أهاليهم وذويهم.
تهافت الناس على المراكز التجارية الخاضعة للتأميم، وعلى المخابز التي اصطف أمامها طوابير الباحثين عن خبز، من صنع تشادي.
كان تلفزيون جماهيرية القذافي يصدر البيانات التي تتحدث عن الانتصارات، عن سقوط طائرات العدو، وتعزف بين الفينة والأخرى على الوتر الإنساني، حين تتحدث عن استهداف دار للرعاية الاجتماعية للأيتام والمسنين.
في الشارع، خرجت المظاهرات محتفلة بالانتصار على أمريكا، وردد المتظاهرون وغالبيتهم من اللجان الشعبية عبارة: «احنا شعب صعيب عناده مش تونس ولا غريناده».
كان الخلاف على أشده بين الحبيب بورقيبة والزعيم الليبي، الذي ظهرت صوره في الساحة الخضراء، محمولة على الأكتاف وسط أبواق تتغنى بالقائد الثائر:
«يا قائد ثورتنا على دربك طوالي..».
قالت أمريكا إنها دمرت باب لعزيزية ودمرت قاعدة معيتيقة الجوية، وحطمت أسطول الزحف الأخضر.
من نصدق يا ترى؟
مرت مياه كثيرة تحت جسر العلاقات الليبية المغربية، وقتل القذافي وأطلقت رصاصة الرحمة على الفكر الجماهيري، وأحرقت أوراق الكتاب الأخضر.
وحين ضاق الحال بليبيا وأصبحت عرضة للتمزقات السياسية، مد لها المغرب يده، ودعا الليبيين إلى المصالحة حول أطباق الكسكس، إيمانا منه برمزية الطعام في موروثنا الثقافي.
لكن في الوقت الذي رفض فيه المغرب التشرذم الليبي وحرب الفصائل وغارات الميليشيات، في بلد عمر المختار، فوجئنا بمشهد صادم خلال مؤتمر رسمي في طرابلس.
عرض الليبيون خريطة بلدنا مبتورة، ووقف «الدبيبة» يتحدث عن وحدة الصف، كأنه يستظهر فقرات من الكتاب الأخضر المحروق.
انسحب الوفد المغربي، احتجاجا على الزلة السياسية، وانهالت على الرئيس الانتقالي الاحتجاجات من الليبيين قبل المغاربة.
نسي الرئيس الليبي المؤقت الملح والطعام وسمك بوزنيقة، وانبرى بالسمع والطاعة لخصوم وحدتنا الترابية، ضاربا بما قاله في منصة الخطابة بالصخيرات من عبارات تمجد المملكة عُرض الحائط.
لا بأس أن أذكر عبد الحميد الدبيبة بتدوينته على «فيسبوك»، مهنئا المغرب بتأهل منتخبه إلى نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم في قطر 2022، حين قال:
«إن ما وصل إليه المنتخب المغربي من بطولات في مونديال كوني، يعد ثمرة عمل الملك والشعب وعزيمة من اللاعبين، الذين أبلوا البلاء الحسن».
لا يعلم الدبيبة أن المنتخب المغربي كان يضم في صفوفه لاعبا من أصول ليبية يدعى زكرياء أبو خلال، ولا يعلم أن لاعبين ومدربين مغاربة يعيدون إعمار الكرة الليبية.
في صخب جدل الخريطة المبتورة، بتر المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعات، أول أمس، طموح الليبيين، وهزمهم بسداسية نظيفة.





