حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

تمثيلية النساء بالبرلمان…. اللوائح الجهوية للنساء تحولت إلى «ريع» للزوجات والمقربات

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، المقرر تنظيمها يوم 23  شتنبر المقبل، تعرف كل الأحزاب السياسية حراكا داخليا، ليس من أجل اقتراح الأفكار والبرامج التي ستساهم في خلق التنمية وفرص الشغل للمغاربة، ولكن هذه الصراعات تنصب حول من ستكون على رأس اللوائح الجهوية للنساء، التي ستضمن انتخاب 90 نائبة برلمانية بمجلس النواب. وتم، في القانون التنظيمي لمجلس النواب، سن مقتضيات ترمي إلى تمتيع المترشحات الإناث بأحكام خاصة، حيث جرى تخصيص اللوائح الجهوية حصريا للنساء من أجل تعزيز تمثيليتهن بالمؤسسة التشريعية، تطبيقا لأحكام الفصل 19 من الدستور، الذي ينص على أن الدولة تسعى «إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء».

لكن، خلافا لهذه الغاية الدستورية، تحولت اللوائح الوطنية للنساء سابقا، واللوائح الجهوية المعمول بها حاليا، إلى لوائح «ريعية» يتم وضع المقربين على رأسها، لضمان مقاعد برلمانية، وخير دليل على ذلك شبكة العلاقات العائلية المتواجدة بالبرلمان عن طريق هذه اللوائح.

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

كيف تحولت اللوائح الجهوية إلى ريع للمقربات

 

 

 

تحولت اللوائح الجهوية، التي أُحدثت في الأصل كآلية لتعزيز التمثيلية النسائية وتمكين فئات جديدة من ولوج المؤسسة التشريعية، إلى موضوع نقاش واسع داخل المشهد السياسي المغربي، بعدما طفت على السطح انتقادات تتعلق بطريقة تدبيرها داخل عدد من الأحزاب، واتهامات بتحولها، في بعض الحالات، إلى ما يشبه «ريعاً انتخابياً» تستفيد منه مقربات من دوائر القرار الحزبي أكثر من ارتباطه بمعايير الكفاءة أو الاستحقاق.

 

اللوائح الجهوية والمشاركة السياسية

 

جاءت فكرة اللوائح الجهوية في سياق إصلاحات سياسية هدفت إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، خاصة بالنسبة للنساء، وتقليص الفجوة التاريخية في التمثيلية داخل البرلمان. غير أن الممارسة الحزبية، خلال السنوات الأخيرة، أفرزت واقعاً مختلفاً، حيث أصبحت هذه اللوائح مجالاً لإعادة إنتاج منطق الزبونية السياسية داخل بعض الأحزاب، ولكن بصيغة جديدة تتخفى خلف خطاب التمكين والمناصفة.

في هذا السياق، يرى باحثون في العلوم السياسية أن الإشكال لا يكمن في الآلية نفسها بقدر ما يرتبط بطريقة تدبيرها داخل الأحزاب، إذ تتحكم الاعتبارات التنظيمية والولاءات الداخلية في اختيار المرشحات أكثر من الاعتبارات المرتبطة بالنضال السياسي أو التجربة الميدانية. وهو ما أدى، في حالات عديدة، إلى بروز أسماء استفادت من مواقع متقدمة في اللوائح الجهوية دون أن يكون لها حضور فعلي في العمل السياسي المحلي.

وتشير معطيات متداولة في الأوساط الحزبية إلى أن بعض اللوائح الجهوية تحولت إلى مجال لتصفية التوازنات الداخلية داخل الأحزاب، عبر توزيع المقاعد على مقربات من قيادات نافذة أو على زوجات وأقارب منتخبين أو مسؤولين حزبيين، في ما يشبه إعادة إنتاج للنفوذ السياسي داخل الدوائر نفسها، لكن عبر قنوات جديدة.

 

 

 

لوائح الريع الانتخابي

 

سجل عدد من المتتبعين السياسيين، بشأن ما شهدته انتخابات 2016 و2021،  أن جزءاً من المرشحات، اللواتي تصدرن اللوائح الجهوية في بعض الجهات الكبرى، لم يكنّ ناشطات بارزات داخل الهياكل الحزبية المحلية، بل تم اختيارهن في سياق تفاهمات مركزية بين القيادات الحزبية، ما أثار نقاشاً حول معايير الانتقاء داخل هذه اللوائح.

ففي انتخابات 2016، على سبيل المثال، برزت حالات لمرشحات استفدن من الترتيب المتقدم في اللوائح الجهوية رغم غياب تجربة سياسية واضحة أو انخراط طويل في العمل الميداني، في مقابل إقصاء أسماء نسائية كانت تنشط لسنوات داخل التنظيمات المحلية. وأعاد هذا الواقع طرح سؤال العدالة داخل مسارات الترشيح الحزبي.

وفي انتخابات 2021 تعززت هذه الملاحظة بشكل أكبر، إذ رصدت تقارير إعلامية ومتابعات سياسية حالات جرى فيها الدفع بمرشحات تجمعهن روابط قرابة أو قرب تنظيمي من قيادات حزبية وازنة، في وقت بقيت مناضلات أخريات في الصفوف الخلفية رغم حضورهن التنظيمي المستمر. وهو ما غذّى الانطباع بأن اللوائح الجهوية أصبحت أداة لإعادة توزيع النفوذ أكثر من كونها آلية للتمثيل العادل.

هذا الوضع خلق حالة من الاستياء لدى عدد من المناضلات داخل الأحزاب السياسية، اللواتي يعتبرن أن اللوائح الجهوية لم تنصف النساء المنخرطات فعلياً في العمل الحزبي، بقدر ما كرست منطق «الاستفادة الانتقائية» المبني على القرب من مراكز القرار. وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى إحباط سياسي داخل صفوف نساء راكمن تجربة طويلة دون أن يتمكنّ من الولوج إلى مواقع القرار.

من جهة أخرى يربط بعض الفاعلين السياسيين هذا التحول بضعف الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، حيث تبقى آليات اختيار المرشحين، في كثير من الأحيان، غير شفافة وتخضع لمفاوضات مغلقة بين القيادات، بعيداً عن أي منافسة تنظيمية حقيقية أو مساطر انتخابية واضحة. وهو ما يجعل اللوائح الجهوية امتداداً لتوازنات فوقية بدل أن تكون انعكاساً لتمثيلية حقيقية داخل القواعد الحزبية.

 

ضعف التأطير السياسي

 

يبرز إشكال ضعف التأطير السياسي للمرشحات المستفيدات من اللوائح الجهوية، حيث لا تتحول العديد منهن إلى فاعلات سياسيات داخل المؤسسة التشريعية، بقدر ما يقتصر دور بعضهن على التواجد العددي داخل البرلمان، دون أثر واضح في إنتاج السياسات العمومية أو التأثير في النقاش التشريعي.

في المقابل يدافع بعض الفاعلين عن استمرار اللوائح الجهوية باعتبارها خطوة مهمة ساهمت في رفع عدد النساء داخل البرلمان بشكل ملحوظ مقارنة بالمراحل السابقة، مبرزين أن أي آلية انتقالية قد تعرف في بدايتها بعض الاختلالات، غير أنها تظل ضرورية لتصحيح اختلال تاريخي في التمثيلية السياسية.

ويذهب متتبعون إلى أن استمرار الوضع الحالي من شأنه أن يؤدي إلى فقدان الثقة في هذه الآلية، خصوصاً إذا ترسخت القناعة بأن اللوائح الجهوية أصبحت وسيلة لتوزيع المقاعد على أساس الولاءات بدل الكفاءة، وهو ما بإمكانه إضعاف الهدف الأساسي منها، المتمثل في تعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية.

في النهاية يمكن القول إن تحول اللوائح الجهوية إلى مجال للريع السياسي، كما يصفه بعض المنتقدين، لا يلغي أهميتها كآلية إصلاحية، لكنه يفرض إعادة التفكير في شروط اشتغالها، وضمان أن تخدم أهدافها الأصلية المتمثلة في التمكين الحقيقي للنساء، وليس إعادة إنتاج شبكات النفوذ داخل الأحزاب السياسية في شكل جديد.

 

 

تمثيلية ضعيفة للنساء في لوائح الترشيح بالدوائر المحلية

 

تكشف المعطيات الأولية المتعلقة بإعداد الأحزاب السياسية للوائح مرشحيها للانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، عن استمرار ضعف تمثيلية النساء في الدوائر المحلية، رغم الخطابات المتكررة التي ترفعها الأحزاب بشأن تعزيز المشاركة السياسية للمرأة وتوسيع حضورها داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه المشاورات الداخلية لحسم أسماء المرشحين، تبدو الترشيحات النسائية في الدوائر المحلية محدودة للغاية مقارنة بعدد الدوائر الانتخابية، حيث تفضل أغلب الأحزاب توجيه النساء نحو اللوائح الجهوية المخصصة لهن، بدل الدفع بهن لخوض المنافسة المباشرة في الدوائر المحلية.

وتعيش بعض الأحزاب على وقع صراعات داخلية بسبب طريقة تدبير الترشيحات النسائية. ففي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كشفت مصادر مطلعة عن تجاذبات حادة داخل المكتب السياسي بشأن اللوائح الجهوية للنساء، وسط تنافس بين عدد من القياديات على رئاسة هذه اللوائح، في وقت يطالب فيه أعضاء آخرون بمنح فرص أكبر للنساء في الدوائر المحلية، بعد تسجيل ضعف التمثيلية النسائية بالدوائر المحلية، حيث أعلن الحزب عن ترشيح أربعة نساء فقط.

وأفادت المصادر ذاتها بأن عددا من أعضاء المكتب السياسي يمارسون ضغوطا على الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، بهدف تزكية زوجاتهم على رأس اللوائح الجهوية في بعض الجهات، وهو ما أثار تحفظات داخلية بسبب ما يعتبره معارضون لهذه التوجهات إقصاء لقياديات وفاعلات حزبيات يتمتعن بحضور تنظيمي وسياسي داخل الحزب.

كما كشفت المصادر عن احتدام المنافسة بين عدد من عضوات المكتب السياسي حول أحقية الترشح على رأس اللوائح الجهوية، حيث تسعى بديعة الراضي إلى قيادة لائحة جهة الدار البيضاء-سطات، فيما تطمح إيمان الرازي إلى الترشح على رأس لائحة جهة الرباط-سلا-القنيطرة، بينما تتطلع فدوى الرجواني لقيادة لائحة جهة سوس-ماسة، وصابرين الموساوي لرئاسة لائحة الحزب بالجهة الشرقية.

وفي محاولة لتفادي الإحراج وتدبير التنافس الداخلي، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن لشكر اعتمد مسطرة تنظيمية جديدة تقضي بأن يتم اقتراح المرشحات وترتيبهن من طرف الكتاب الإقليميين والجهويين، بتنسيق مع المرشحين في الدوائر المحلية، قبل الحسم النهائي في اللوائح المعتمدة من قبل قيادة الحزب.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيعرف بدوره حالة من الاحتقان داخل صفوف الشبيبة ومنظمة النساء، بسبب ما يعتبره المحتجون إعادة إنتاج للوجوه نفسها وإقصاء للكفاءات الشابة والنسائية. ووفق مصادر حزبية، فإن الحزب لم يمنح إلى حدود الآن أي تزكية لأعضاء الشبيبة في الدوائر المحلية، بينما اقتصر الحضور النسائي على ثلاث مرشحات فقط، يتعلق الأمر بمنسقة القيادة الجماعية للحزب فاطمة الزهراء المنصوري، التي ستترشح بمدينة مراكش، ورئيسة المجلس الوطني للحزب نجوى كوكوس، التي ستترشح بدائرة آنفا بالدار البيضاء، والمهندسة المعمارية إيمان لماوي التي ستترشح بدائرة ورزازات.

وبالمقابل،  أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار عن ترشيح أربع نساء في دوائر محلية برسم الانتخابات التشريعية المقبلة. وتضم اللائحة برلمانيات حاليّات ووجوها نسائية بارزة داخل الحزب، من بينهن زينة شاهيم التي ستخوض غمار المنافسة بدائرة فاس الجنوبية، وزينة إدحلي بدائرة أكادير، ونادية بوعيدة بدائرة كلميم، إضافة إلى ترشيح نادية بوهدود بدائرة تارودانت الشمالية، واختار الحزب الدفع بإعادة ترشيح برلمانيات في إطار استراتيجيته الرامية إلى توسيع تمثيلية النساء داخل مجلس النواب عبر الدوائر المحلية، وعدم الاكتفاء باللوائح الجهوية المخصصة لهن.

كما بادر حزب الاستقلال إلى الكشف مبكرا عن أول مرشحة له في دائرة محلية، حيث أعلن الأمين العام للحزب نزار بركة، خلال لقاء حزبي بمدينة مريرت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، عن تزكية النائبة البرلمانية وعضو اللجنة التنفيذية للحزب مديحة خيير لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة بني ملال.

وتعيد هذه المؤشرات إلى الواجهة النقاش حول مدى التزام الأحزاب السياسية بشعارات المناصفة وتمكين النساء من الولوج إلى مواقع القرار عبر صناديق الاقتراع، وليس فقط من خلال آليات التمييز الإيجابي واللوائح الجهوية، حيث بعد أكثر من عقدين على اعتماد سياسات تهدف إلى رفع نسبة تمثيلية النساء داخل البرلمان، ما تزال مشاركتهن في الدوائر المحلية محدودة، وتبقى رهينة حسابات انتخابية وحزبية تجعل من الترشيح النسائي الاستثناء بدل أن يتحول إلى قاعدة داخل الحياة السياسية الوطنية.

تخصيص لوائح جهوية حصريا للنساء لدعم حضورهن بمجلس النواب

 

 

ينص القانون التنظيمي الجديد لمجلس النواب، الذي أقرته المحكمة الدستورية وسيتم بموجبه إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر، على تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لفائدة النساء دعما لحضورهن في المؤسسة النيابية.

 

قصة اعتماد لوائح النساء

لأول مرة في تاريخ المغرب، تم اعتماد نظام اللائحة الوطنية للنساء، سنة 2002، بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب، والذي حدد تأليف مجلس النواب من 325 عضوا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة، منهم 295 عضوا ينتخبون على صعيد الدوائر الانتخابية المحدثة، و30 عضوا ينتخبون على الصعيد الوطني. وقبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حدث توافق بين مختلف الفرقاء والفاعلين الحزبيين، على تخصيص اللائحة الوطنية لفائدة النساء.

وظل العمل بنظام اللائحة الوطنية للنساء إلى حدود الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 25 نونبر 2011، وتزامنا مع موجة ما يسمى «الربيع العربي» التي قادها الشباب، انطلق النقاش داخل الأحزاب السياسية حول تعميم «ريع» اللائحة الوطنية على الشباب، عن طريق اعتماد لائحة وطنية أخرى لتمثيل الشباب داخل البرلمان. وبرز خلاف بين المكونات الحزبية حول طبيعة هذه اللائحة، بين طرح دافع عن لائحة وطنية مشتركة بين النساء والشباب، وطرح دافع عن تخصيص لائحة مستقلة للشباب، ليحسم الأمر ضمن القانون التنظيمي لمجلس النواب، الذي تم بموجبه رفع عدد أعضاء المجلس من 325 إلى 395 عضوا، مع تخصيص لائحة وطنية للنساء تضم 60 مقعدا ولائحة وطنية للشباب تضم 30 مقعدا. وفي انتخابات 2021 جرى إلغاء لائحة الشباب مع إحداث لوائح جهوية للنساء عوض اللائحة الوطنية، أسفرت عن انتخاب 90 نائبة برلمانية.

وينص القانون التنظيمي لمجلس النواب، بعد تعديله، على تخصيص اللوائح الجهوية حصريا للنساء، ولا يحول ذلك دون حقهن في الترشح برسم المقاعد المحددة للدوائر الانتخابية المحلية. ويشترط القانون، أيضا، للترشح برسم الدوائر الانتخابية الجهوية التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة لإحدى الجماعات الواقعة في النفوذ الترابي للجهة المعنية بالترشيح، ويجب أن تتضمن كل لائحة من لوائح الترشيح عددا من الأسماء يعادل عدد المقاعد الواجب شغلها.

 

رأي المحكمة الدستورية

في قرارها، بخصوص افتحاص القانون التنظيمي لمجلس النواب، أوضحت المحكمة الدستورية أن المادة 23  من القانون تنص على تخصيص لوائح الترشيح برسم الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا للنساء، دون أن يحول ذلك وحقهن في الترشح برسم المقاعد المخصصة للدوائر الانتخابية المحلية، تحقيقا للغايات الدستورية المتمثّلة في السعي نحو تشجيع المشاركة السياسية للنساء، وتمييزا إيجابيا لفائدتهن، يبرره واجب النهوض بتمثيليتهن في المؤسسات المنتخبة، في أفق تحقيق المناصفة بين النساء والرجال، ما يقتضي أن يبقى هذا التدبير في حدود الاستثناء من النظام الانتخابي العام، وألا تطبعه صبغة الديمومة وأن يحاط بضوابط كفيلة لتحقيق الأثر المتوخى منه، وألا يتخلف، من حيث أهدافه، عما سبق أن سنه المشرع من تدابير، سعيا متواصلا إلى تحقيق مبدأ المناصفة المشار إليه، وعملا بمبدأ تطابق القواعد القانونية المتخذة مع الهدف المتوخى منها، وهو ما تقيدت به الصيغة المعروضة.

وسبق للمجلس الدستوري التأكيد، في قراره رقم 2011/817 بخصوص القانون التنظيمي رقم 11-27 المتعلق بمجلس النواب، أن مقتضيات المادة 23 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، جاءت لإعمال أهداف مقررة في الدستور، فإنه يتعين في ذلك، أيضا، استحضار المبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مجال ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام قائم على أساس القواعد والشروط نفسها، والمساواة وتكافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، وهي مبادئ لا تسمح بإضفاء صبغة الديمومة على تدابير قانونية استثنائية تمليها دواع مرحلية ومؤقتة ترمي بالأساس إلى الارتقاء بتمثيلية فئات معينة، وتمكينها من التمرس بالحياة البرلمانية قصد إنماء قدراتها على الانخراط بنجاح في النظام الانتخابي العام.

 

تدبير اسـتثنائي وليس قاعدة

تأسيسا على ما سبق، اعتبر المجلس الدستوري أن تدابير التشجيع والتحفيز، سيما تلك المتعلقة بفئة عمرية معينة، بما تنطوي عليه من معاملة خاصة، ينبغي، في مجال ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية، أن تكون تدابير استثنائية محدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقق الأهداف التي بررت اللجوء إليها، وهو أمر يعود تقديره للمشرع الذي يسوغ له، أيضا، اعتماد تدابير قانونية أخرى، غير أسلوب الدائرة الانتخابية الوطنية، لمواصلة السعي إلى بلوغ تلك الأهداف.

وخلافا لذلك اعتبر المجلس الدستوري سن مقتضيات قانونية ترمي إلى تمتيع المترشحات الإناث بأحكام خاصة من شأنها تحقيق غاية دستورية تتمثل في إتاحة فرص حقيقية للنساء لتَولي الوظائف الانتخابية، تطبيقا لأحكام الفصل 19 من الدستور الذي ينص على أنه «تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء»، والفصل 30 الذي يقر صراحة بأنه «ينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية»، وأشار إلى أن عدم إخضاع المترشحات الإناث لقيد السن، خلافا للمترشحين الذكور، يرمي إلى إفساح أوسع مجال ممكن للمترشحات للولوج إلى الوظائف الانتخابية رعيا لوضعهن الراهن في المجتمع المغربي.

الكوطا النسائية.. أعطاب متعددة في الانتخابات التشريعية

 

رغم مرور أكثر من عقدين على اعتماد نظام الكوطا النسائية في الانتخابات التشريعية بالمغرب، ما زالت فعاليته محل نقاش واسع بين الفاعلين السياسيين والباحثين والحقوقيين، في ظل استمرار مظاهر الضعف البنيوي في تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية، وتعدد الإشكالات المرتبطة بطريقة تنزيل هذا المبدأ الذي أريد له أن يشكل مدخلا للتمييز الإيجابي وتعزيز المساواة السياسية.

لقد جاء اعتماد اللائحة الوطنية للنساء في سياق سياسي اتسم بضعف حضور المرأة داخل البرلمان، حيث كانت نسب التمثيلية لا تعكس حجم مشاركتها في المجتمع ولا في الحياة السياسية والحزبية. غير أن هذا الإجراء، الذي شكل في بداياته خطوة متقدمة، تحول تدريجيا إلى موضوع نقد، بعدما أفرز ممارسات اعتبرها كثيرون بعيدة عن روح التمييز الإيجابي، وأقرب إلى إعادة إنتاج نفس البنيات التقليدية للسلطة داخل الأحزاب.

أحد أبرز أعطاب الكوطا النسائية يتمثل في ما بات يُعرف بـ«الكوطا الريعية»، حيث تحولت بعض اللوائح إلى مجال لتوزيع التزكيات بشكل غير ديمقراطي داخل الأحزاب، بعيدا عن معايير الكفاءة أو النضال السياسي أو الحضور الميداني. وفي كثير من الحالات، استفادت شخصيات مقربة من دوائر القرار الحزبي، أو لها ارتباطات عائلية أو تنظيمية، على حساب نساء مناضلات راكمن تجربة سياسية حقيقية داخل التنظيمات الحزبية.

هذا الوضع أفرز شعورا عاما لدى عدد من الفاعلات السياسيات بوجود «تمييز داخل التمييز»، حيث لم تعد الكوطا وسيلة لتمكين النساء بشكل عادل، بل أضحت في بعض السياقات آلية لإعادة توزيع المقاعد وفق منطق الولاءات الحزبية والمصالح الداخلية، وهو ما أضعف ثقة جزء من الرأي العام في جدوى هذا النظام.

من جهة أخرى، يبرز إشكال آخر يتعلق بغياب التدرج من اللائحة الوطنية إلى التنافس المباشر في الدوائر المحلية. فرغم أن الكوطا ساهمت في رفع عدد النساء داخل البرلمان، إلا أنها لم تؤد بالضرورة إلى تعزيز حضورهن في الانتخابات المحلية التنافسية، حيث ما زالت أغلب الأحزاب تتردد في منح النساء مواقع متقدمة في الدوائر ذات الوزن الانتخابي الحقيقي، مما يجعل التمثيلية النسائية مرتبطة أساسا بآلية «التعويض» وليس «المنافسة».

كما أن ضعف التأطير الحزبي للنساء داخل بعض التنظيمات السياسية يعد من بين الإشكالات البنيوية التي تحد من فعالية الكوطا. ففي غياب تكوين سياسي مستمر ومواكبة تنظيمية حقيقية، تبقى العديد من البرلمانيات والمنتخبات في موقع تنفيذ أكثر منه موقع اقتراح وتقرير، وهو ما يحد من أثر التمثيلية النسائية على صناعة القرار العمومي.

إلى جانب ذلك، يطرح إشكال الاستدامة السياسية لهذه التجربة، حيث إن بعض التجارب النسائية البرلمانية ترتبط بمدة انتخابية محددة دون أن تتحول إلى مسار سياسي متراكم، الأمر الذي يجعل حضور المرأة في المؤسسة التشريعية عرضة للتراجع، أو الانقطاع مع كل استحقاق انتخابي جديد، في ظل غياب ضمانات حزبية واضحة لتكريس مبدأ الاستمرارية.

في المقابل، يرى المدافعون عن الكوطا النسائية أنها ساهمت بشكل ملموس في كسر احتكار الرجال للمجال البرلماني، وفتحت الباب أمام أجيال جديدة من النساء للانخراط في العمل السياسي، كما ساهمت في تغيير الصورة النمطية حول دور المرأة في المجال العام. غير أن هذا المكسب، وفق المتتبعين أنفسهم، يحتاج إلى تطوير وليس إلى التراجع عنه.

إن النقاش اليوم لم يعد يتمحور حول ضرورة الكوطا من عدمها، بقدر ما أصبح يتعلق بمدى نجاعتها في تحقيق أهدافها الأصلية، وفي مقدمتها تمكين النساء من مواقع القرار بشكل عادل وفعال، بعيدا عن منطق الرمزية أو التمثيلية الشكلية. لذلك، يطرح عدد من الفاعلين ضرورة إعادة النظر في آليات الترشيح داخل الأحزاب، وربط الاستفادة من الكوطا بمعايير الشفافية والاستحقاق والكفاءة.

كما يدعو آخرون إلى الانتقال التدريجي من نظام الكوطا إلى نظام انتخابي يضمن المساواة الفعلية في التنافس السياسي، عبر تعزيز حضور النساء في الدوائر المحلية، وتقوية قدراتهن التنظيمية والانتخابية، بما يسمح بتجاوز منطق التمييز الإيجابي المؤقت نحو مساواة سياسية مستدامة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الكوطا النسائية، رغم ما حققته من مكاسب مهمة، ما زالت في حاجة إلى مراجعة عميقة على مستوى التصور والتنزيل، حتى تتحول من مجرد آلية رقمية لرفع التمثيلية، إلى أداة حقيقية لتكريس المشاركة السياسية الفاعلة للنساء داخل البرلمان وخارجه.

 

 

أمال بنبراهيم *

 

“الإشكال الحقيقي ليس في من تمكنت من ولوج البرلمان وإنما في كيفية ومعايير اختيارها داخل الأحزاب”

 

 

  1. إلى أي حد نجحت اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء في توسيع المشاركة السياسية النسائية؟

في الحقيقة إن جوهر النقاش حول تجربة اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء في المغرب يتجاوز المقاربة الإحصائية الصرفة، فهو يرتكز على مقاربة أكثر عمقا تستحضر الأبعاد الدستورية والسياسية والسوسيولوجية التي أحاطت بنشأة هذه الآلية ومآلاتها. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى نجاح هذه الآلية في رفع عدد البرلمانيات اللواتي استطعن الولوج إلى المؤسسة التشريعية، بل بمدى قدرتها على تحقيق الغاية الديموقراطية المبتغاة منها والمتمثلة في إحداث تحول نوعي في بنية المشاركة السياسية النسائية وإعادة تشكيل خريطة النخب داخل الحقل الحزبي والتمثيلي.

ومما لا شك فيه أن اللوائح الجهوية شكلت، منذ اعتمادها، أحد أهم تجليات التمييز الإيجابي الرامي إلى تصحيح اختلال تاريخي لازم تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة. فقد جاءت كاستجابة لتحولات دستورية ومجتمعية أوسع، جعلت من مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والمناصفة أهدافا مركزية في مسار البناء الديمقراطي المغربي. ومن هذه الزاوية، يصعب إنكار أن هذه الآلية أسهمت في كسر جزء من الحواجز البنيوية التي ظلت تحد من ولوج النساء إلى المجال السياسي، سواء تعلق الأمر بضعف الموارد المالية، أو بهيمنة شبكات النفوذ الانتخابي التقليدية، أو باستمرار بعض التمثلات الثقافية التي كانت – ولازالت- تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالا ذكوريا بامتياز.

غير أن النجاح الكمي لا يعني بالضرورة نجاحا نوعيا. فارتفاع عدد النساء داخل البرلمان لا يكفي وحده للحكم على فعالية التجربة، ما لم يقترن بتوسيع فعلي لقاعدة المشاركة النسائية وتجديد النخب السياسية. وهنا تبرز إحدى المفارقات الأساسية التي أفرزتها الممارسة السياسية؛ إذ يبدو أن اللوائح الجهوية نجحت في إدخال النساء إلى البرلمان أكثر مما نجحت في إدخال نساء جديدات إلى السياسة.

فمع مرور الوقت، أخذت تتبلور ملاحظة متكررة مفادها أن جزءا من هذه اللوائح أصبح يخضع لإعادة إنتاج ذات النخب الحزبية، حيث تتكرر أسماء بعينها عبر الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، أو تحظى بالتزكية شخصيات ترتبط بمواقع النفوذ داخل الأحزاب أو بشبكات القرابة السياسية والعائلية. وهكذا، بدل أن تتحول “الكوطا” إلى أداة لتوسيع دائرة التمثيل السياسي النسائي، أصبحت في بعض الحالات قناة مضمونة لإعادة تدوير نفس النخب داخل فضاء تمثيلي جديد.

ولا ينبغي أن يفهم هذا النقد على أنه تشكيك في الكفاءة العلمية أو السياسية للنساء اللواتي استفدن من هذه الآلية، إذ إن عددا منهن راكم مسارات مهنية ونضالية معتبرة، وأبان عن حضور مؤثر في مجالات التشريع والرقابة والمرافعة البرلمانية. غير أن هذا لا يمنع من أن يظل التساؤل قائما حول مدى انفتاح مساطر التزكية على كافة الطاقات النسائية المؤهلة. فضيق قنوات الانتقاء وغياب معايير شفافة ومؤسساتية للاختيار قد يرجحان كفة القرب والانتماء إلى دوائر النفوذ الحزبي على كفة الاستحقاق. وهو ما من شأنه أن يحد من فرص الولوج إلى التمثيل السياسي أمام مختلف الكفاءات النسائية، مهما راكمت من خبرة علمية أو مهنية أو نضالية.

من جانب آخر، فإن هذه الوضعية تعكس التوتر القائم بين توجهين متعارضين: توجه ديموقراطي يسعى إلى توسيع المشاركة وإدماج فئات جديدة في المجال العام، وتوجه محافظ نخبوي تميل من خلاله التنظيمات السياسية إلى إعادة إنتاج توازناتها الداخلية وحماية دوائرها القيادية. وبالتالي فإن الإشكالية الحقيقية لم تعد ترتبط بما إذا كانت “الكوطا” ضرورية أم لا، وإنما بكيفية منعها من التحول إلى أداة لاحتكار التمثيل بدل توسيعه.

كما أن فلسفة التمييز الإيجابي، في جوهرها، لا تروم توفير مقاعد مضمونة لفئة محددة من النساء، بل خلق شروط المنافسة العادلة وإزالة العوائق البنيوية التي تحول دون ولوج النساء إلى مواقع القرار. وعندما تتحول هذه الآلية إلى فضاء مغلق تدور داخله نفس الأسماء، فإنها تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها السياسية والأخلاقية، كونها تنحرف عن غايتها التصحيحية الإنصافية لتصبح آلية لإعادة إنتاج الامتيازات داخل الحقل السياسي.

 

  1. ما هي المعايير المعتمدة داخل الأحزاب لاختيار المرشحات في اللوائح الجهوية؟

في الحقيقة هذا السؤال يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في النقاش المرتبط بتمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة، فهو يسلط الضوء ليس على نتائج اللوائح الجهوية بل على الآليات المتحكمة في إنتاجها. فالإشكال الحقيقي هنا ليس في من تمكنت من الولوج إلى قبة البرلمان، وإنما بالكيفية والمعايير التي تحكم اختيارها داخل التنظيمات الحزبية.

فمن الناحية النظرية، يفترض أن تستند عملية اختيار المرشحات في اللوائح الجهوية إلى جملة من المعايير الموضوعية، من قبيل الكفاءة العلمية والمهنية، والتجربة السياسية والتنظيمية، والحضور داخل الهياكل الحزبية، والقدرة على التواصل والترافع، فضلا عن تمثيل التنوع المجالي والاجتماعي الذي يميز المجتمع المغربي. كما يفترض أن تشكل هذه اللوائح فرصة لتمكين النساء اللواتي راكمن تجارب في العمل الجمعوي أو الجماعي أو النقابي من الولوج إلى مواقع القرار والتمثيل.

غير أن الممارسة السياسية تكشف أن هذه المعايير لا تشتغل دائما وفق نفس الدرجة من الوضوح والشفافية. فالأحزاب السياسية، بوصفها مؤسسات وسيطة بين المجتمع والدولة، لا تتحرك فقط وفق اعتبارات الاستحقاق والكفاءة، بل تخضع أيضا لحسابات مرتبطة بالتوازنات الداخلية، وإدارة الولاءات التنظيمية، والمحافظة على مراكز النفوذ داخل بنياتها القيادية. لذلك تتحول التزكية في كثير من الأحيان إلى نتيجة لتفاعل معقد بين الاعتبارات الموضوعية والاعتبارات السياسية والتنظيمية.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير تكرار أسماء مقربات من القيادات الحزبية أو المنتميات إلى عائلات سياسية معروفة من خلال عدة عوامل متداخلة. أولها أن الأحزاب تميل بطبيعتها إلى منح الثقة للأشخاص الذين راكمت معهم علاقات تنظيمية طويلة وتعرف درجة ولائهم وانضباطهم الحزبي. وثانيها أن الرأسمال السياسي والعائلي يظل عنصرا مؤثرا في الحياة السياسية، إذ يوفر لصاحبه شبكة من العلاقات والموارد والرمزية السياسية التي تسهل الولوج إلى مواقع التمثيل. وثالثها أن غياب مساطر دقيقة وملزمة للتنافس على التزكيات يجعل القرار النهائي خاضعا، في كثير من الأحيان، لتقديرات الأجهزة القيادية أكثر من خضوعه لمعايير قابلة للقياس والتقييم.

ومن منظور ديمقراطي، لا تكمن المشكلة في أن تستفيد امرأة تنتمي إلى عائلة سياسية من فرصة الترشح، بل في أن يصبح الانتماء إلى تلك الشبكات شرطا غير معلن للوصول إلى مواقع التمثيل. فعندما تتقلص فرص المنافسة المفتوحة وتتراجع الشفافية في تدبير التزكيات، تتحول اللوائح الجهوية من آلية لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية النسائية إلى فضاء يعيد إنتاج التراتبية القائمة داخل الأحزاب. لذلك فإن النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى الأسماء الفردية بقدر ما ينبغي أن يتجه نحو بناء آليات أكثر شفافية ومأسسة في اختيار المرشحات، تقوم على معايير معلنة وقابلة للتقييم، وتضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الكفاءات النسائية، بغض النظر عن مواقعها داخل شبكات النفوذ أو قربها من مراكز القرار الحزبي.

 

  1. هل يحتاج نظام الكوطا” النسائية واللوائح الجهوية إلى مراجعة قانونية وتنظيمية تضمن تكافؤ الفرص والشفافية في التزكيات؟

في تقديري، قد يبدو للوهلة الأولى أن الجدل الدائر حول نظام “الكوطا” النسائية واللوائح الجهوية يقتصر في الاختيار بين مراجعة الإطار القانوني أو إصلاح الممارسات الحزبية الداخلية، غير أن هذا الطرح يختزل إشكالية أكثر تعقيدا وتركيبا. فالمسألة لا تتعلق بخلل قانوني صرف، كما لا يمكن ردها حصرا إلى اختلالات التدبير الحزبي، بل تتصل بطبيعة العلاقة بين النصوص المنظمة للتمثيل السياسي وبين الكيفية التي تفعل بها داخل البنيات الحزبية.

فمن الناحية الدستورية، لا جدال في أن نظام “الكوطا” واللوائح الجهوية شكل آلية انتقالية ذات حمولة إصلاحية واضحة، استهدفت تصحيح اختلال تاريخي في تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة، وترجمة الالتزامات الدستورية المرتبطة بالمساواة وتكافؤ الفرص إلى إجراءات عملية ملموسة. غير أن التجربة، بعد سنوات من التطبيق، أظهرت أن ضمان الحضور العددي للنساء لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق العدالة التمثيلية بمفهومها الواسع، ما دام الولوج إلى هذه المواقع ما يزال، في حالات متعددة، محكوما باعتبارات لا ترتبط دائما بالكفاءة أو الاستحقاق أو التنافس الحر.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة قانونية هادئة ومتوازنة، لا تستهدف التشكيك في جدوى “الكوطا” أو التراجع عن مكتسباتها، وإنما تروم تعزيز فعاليتها الديمقراطية. فالتحدي الحقيقي لم يعد يكمن في توفير مقاعد للنساء داخل المؤسسات التمثيلية، بقدر ما أصبح يتعلق بضمان عدالة النفاذ إلى تلك المقاعد، من خلال إرساء ضوابط أكثر شفافية في تدبير التزكيات، وتوسيع دائرة التنافس أمام مختلف الكفاءات النسائية، بما ينسجم مع روح الدستور ومقتضيات الحكامة الديمقراطية.

وعليه، فإن جوهر الإشكال يتعلق، بدرجة كبيرة، بطبيعة الممارسات الحزبية التي ما تزال، في بعض الحالات، تمنح الأفضلية لاعتبارات القرب من مراكز القرار أو التوازنات التنظيمية الداخلية على حساب الاستحقاق والتنافس المفتوح. وهو ما يعرض آليات التمييز الإيجابي لفقدان جزء من مشروعيتها الرمزية، ليس لأنها أخفقت في توسيع التمثيل النسائي، بل لأنها لم تنجح بالقدر الكافي في دمقرطة شروط الوصول إليه.

*أستاذة القانون العام – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى