
حسن البصري
لم يخطر ببالي يوما أن أعيش نبض مباراة حاسمة للمنتخب المغربي وأنا في مقبرة، خاصة وأن طقوس الموت والدفن وزيارة المقابر من اللحظات المهيبة التي يعيشها الإنسان، لأنها فرصة تجعله في مواجهة صريحة للموت والموتى.
صادفت مراسم دفن جثمان عمي مباراة للمنتخب المغربي ضد نظيره المصري، لذا اعتذر البعض عن الانضمام للموكب الجنائزي، بداعي مخاطر المخالطة واختاروا مخالطة مرتادي أقرب مقهى لمتابعة المباراة.
في الطريق إلى مقبرة الغفران كانت الفرحة بهدف السبق المغربي تنبعث من المقاهي المزدحمة بالمشجعين، وملامح المباراة ترخي بظلالها على المقبرة بمستخدميها وحفاري قبورها وحراس سياراتها وفقهائها وشحاذيها.
لم تسلم جدران المقبرة من كتابات فصائل «الالتراس»، وكأن المشجع المغربي لا يفرق بين مساكن الأحياء وقبور الموتى، فيأتيه الوحي دون استئذان، لكن للأمانة فإن العبارة الأكثر عمقا هي «نهاية الطريق» التي حملت توقيع فصيل يعتبر المنطقة ترابا تحت نفوذه.
بعد صلاة الجنازة وقف المشيعون قرب قبر قيد الدفن، كان الفقيه يرتل آيات بينات من الذكر الحكيم، فيما صرنا ننط بين القبور مثل السناجب نبحث عن ممر يمكن من إلقاء النظرة الأخيرة على الفقيد، لكن ثرثرة المقابر كانت حاضرة حين تساءل بعض الحاضرين عن مدى قدرة عناصر المنتخب المغربي لكرة القدم في الحفاظ على هدف السبق.
بالرغم من الأجواء الجنائزية كان صوت المعلق الرياضي يتسلل بين الممرات، وكان البعض يستعجل العودة متمسكا بلازمة «إكرام الميت دفنه»، فيما تبين أن أكثر المتيمين بحب الكرة لازموا سياراتهم في «باركينغ» المقبرة وتابعوا المواجهة المغربية المصرية عبر الأثير أو بواسطة هواتفهم الذكية.
شاءت الأقدار أن يدفن الفقيد في يوم مباراة مصيرية، كان متيما بحب الفريق الوطني يفرح لانتصاراته ويحزن لهزائمه، وكان مهووسا بالسير وراء الجنائز ابتغاء حسناتها، وكان يسخر من وضع أكاليل الزهور على القبور ويفضل أن يشترى بماله «ساندويش» لكسر جوع حفار القبور.
انتهت الجولة الأولى من المباراة ونحن في فضاء مقبرة تعاني من الاكتظاظ، بدت على ملامح الراسخين في حب الكرة علامات الانتشاء، كان الفاعل مستترا تقديره المنتخب، فيما كان البعض يبخس الكرة ويعتبرها آفة تشغل الناس وتلهيهم.
في هذه المقبرة التي تتزاحم فيها القبور عشرات الموتى الذين قتلتهم مباريات الكرة، ضحايا كرة منفوخة بالهواء الفاسد، منهم من قتله هدف طائش ومنهم من أجهزت عليه حجارة طائشة، فكان له نصيب من التعزية في صفحات المشجعين وصنف في خانة شهداء اللعبة المجنونة.
يبدو أن أقسام المستعجلات هي المكان المثالي لمتابعة المباريات الحاسمة ذات التوتر العالي، هناك على الأقل يمكن أن يستفيد المتفرج من تدخل طبي ينقذ حياة مشجع يجعل من الكرة قضيته الأولى، فينهار بسبب فرصة ضائعة ويسقط بسبب هدف ضد مجرى أحلامه.
ما أحوجنا اليوم إلى مقبرة ذكية تمكنك من حجز قبر وكتابة عبارات شاهد القبر واختيار توقيت الدفن ومكانه مع الاستفادة من خدمة ما بعد الدفن، وجعل المراسم الجنائزية فرصة لكسب «اللايكات» من معزين افتراضيين لا يكلفون أنفسهم عناء السير وراء الجثمان ولكنهم يتابعون «لايفات» الموكب الجنائزي بأدق تفاصيله.
لقد أصبحت المقبرة هي المكان الوحيد للم شمل العائلات، بعد أن باعدت بينهم مشاغل الحياة، وأضحت فضاء للنقاش في حياة الكرة وليس في الحياة الدنيا والآخرة فقط.
حين خرج الجثمان من البيت كان المنتخب المغربي منتصرا، وحين عدنا إلى حيث خيمة العزاء كان التعادل سيد الموقف، قبل أن يتبادل الحاضرون تفاصيل ما تبقى من دقائق، لينتهي الأمر بخسارة الفريق الوطني وسط حسرة المعزين.
جثمت سحابة الحزن على المكان وتبين أن الحاضرين قد تكبدوا خسارتين في يوم واحد.
لا أحزنكم الله.





