حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

ديكتاتورية الهرمونات

 

منذ أن اكتشف الإنسان قدرته على التفكير، وهو يعيش سوء تفاهم تاريخياً مع نفسه. يعتقد أنه سيد قراراته، مهندس مصيره، وأن تلك الكتلة الرمادية داخل جمجمته تدير حياته بكفاءة مجلس حكماء. يختار من يحب، ويقرر متى يغضب، ويعرف لماذا يحزن ويحدد أهدافه وفق رؤية استراتيجية متماسكة. والحقيقة أقل شاعرية بكثير. في مكان ما، داخل هذا الكائن المتغطرس، تكفي بضعة ميكروغرامات من مادة كيميائية لتقلب اجتماع مجلس الإدارة رأساً على عقب. مرحباً بكم في ديكتاتورية الهرمونات.

إنها أقدم سلطة عرفها الإنسان، وأكثرها استقراراً. سبقت الملكيات والجمهوريات والإمبراطوريات، ولم تعرف انقلاباً ناجحاً حتى اليوم. لا تحتاج إلى شرطة ولا دبابات ولا نشرات أخبار. يكفي أن يتغير مستوى الكورتيزول حتى يصبح بريد إلكتروني تافه تهديداً للأمن القومي، أو تختل كيمياء النوم فتتحول الحياة فجأة إلى مشروع فاشل، ثم يستعيد الجسد توازنه بعد أيام فنكتشف، بدهشة، أن العالم لم يكن بهذا السوء، وأن المشكلة الوجودية التي أرقتنا الثلاثاء لم تعد تستحق التفكير الخميس. نحن، في النهاية، كائنات كيميائية بارعة في كتابة المبررات الفلسفية لتقلباتها البيولوجية.

حتى الحب، تلك المؤسسة التي أنتجت نصف الشعر العالمي والنصف الآخر من الأغاني الرديئة، ليس بعيداً عن المؤامرة. يدخل شخص إلى حياتنا، فتشتعل دوائر المكافأة والانتباه والتعلق، ويتورط الدوبامين والأوكسيتوسين وغيرهما في المشهد، ثم نسمي النتيجة «قدراً». نراقب الهاتف كل ثلاث دقائق، فنقول إن أرواحنا تلاقت. نفقد الشهية، فنعتقد أننا وجدنا نصفنا الآخر. لا ننام، فنكتب قصائد. ولو فعل بنا مرض موسمي الأعراض نفسها لاتصلنا بالطبيب فوراً.

لكن الحب ليس مجرد كيمياء، تماماً كما أن الموسيقى ليست مجرد اهتزاز للهواء. الكيمياء تفتح الباب، أما ما يدخل منه فتشارك في صنعه الذاكرة والتجربة والشخصية والثقافة والحاجة والخوف. لذلك قد يعبر شخصان التجربة الهرمونية ذاتها تقريباً ويخرجا منها بقصتين مختلفتين، أحدهما يتزوج، والآخر يغير رقم هاتفه.

وللتستوستيرون نصيبه الكبير من الأساطير. ارتبط في بعض السياقات بالتنافس والسعي إلى المكانة والمجازفة، لكنه ليس «هرمون الرجولة» بالمعنى الشعبي الساذج، كما أن الرجل ليس قارورة تستوستيرون ترتدي بذلة. ومع ذلك تصعب مقاومة الإغراء الأدبي. كم من الإمبراطوريات ربما بدأت لأن أحدهم لم يستطع مقاومة فكرة أن الجبل الموجود في الأفق ينبغي أن يحمل علمه؟ كان التاريخ، في أوقات كثيرة، مسرحاً هائلاً للرغبة في التوسع والانتصار والهيمنة والمخاطرة. بنينا السفن وعبرنا المحيطات وفتحنا الأسواق وخضنا الحروب. بعض الاندفاع صنع الحضارة، وبعضه صنع المقابر. والفرق بين البطولة والتهور لم يكن دائماً واضحاً إلا بعد وصول المؤرخين.

وفي المقابل، تحضر الهرمونات المرتبطة بالجسد الأنثوي داخل المخيال بصورة مختلفة. البروجسترون، علمياً، ليس وزيراً للحكمة ولا مستشاراً لغريزة النجاة. وظيفته الأساسية مرتبطة بالدورة والحمل والإنجاب، ويوجد لدى الجنسين بمستويات مختلفة. لكن الأنثى البشرية نفسها حملت تاريخياً عبئاً بيولوجياً واجتماعياً جعل الحذر وحماية النسل وإدارة المخاطر جزءاً مركزياً من تجربتها. لذلك ليس غريباً أن تميل الثقافة إلى وضع الاندفاع في جهة، والاستمرارية في الجهة الأخرى.

غير أن الحضارة لم يبنها «هرمون ذكوري» ولم ينقذها «هرمون أنثوي». صنعتها المفاوضات المعقدة بين الاقتحام والحذر، العدوان والتعاون، المغامرة والرعاية. احتاج الإنسان إلى من يقول «لنعبر البحر»، واحتاج، بالقدر نفسه، إلى من يسأل «جميل، ولكن هل أخذتم ما يكفي من الطعام؟». وهنا تحديداً تصبح البيولوجيا أكثر إثارة من الشعارات.

فالإنسان، الذي يتحدث عن الإرادة الحرة والوعي والسيادة على الذات، قد يستيقظ صباحاً شاعراً بأن مستقبله مشرق، ثم يصبح مساء مقتنعاً بأن الجميع يكرهونه، فقط لأن منظومته العصبية والهرمونية قررت إعادة ترتيب الأثاث من دون استشارته. المرأة تعرف جيداً كيف يمكن لأيام قليلة من الدورة أن تجعل تعليقاً عادياً يبدو إهانة تاريخية، والرجل ليس محصناً بدوره من تأثير النوم والضغط والتستوستيرون والكورتيزول والعمر على مزاجه ودوافعه.

ومع ذلك، لسنا عبيداً بالكامل لهذا المختبر الداخلي. تلك هي الثغرة الصغيرة التي يدخل منها مفهوم الحرية. الهرمون يستطيع أن يقترح الغضب، لكنه لا يملك دائماً حق التوقيع على الصفعة. يستطيع أن يرفع الرغبة، لكنه لا يختار الشريك. يستطيع أن يلون العالم بالرمادي، لكنه لا يملك وحده قرار هدم الحياة. ربما الوعي ليس سوى انقلاب بطيء على الديكتاتورية البيولوجية، أن نعرف أن كل ما نشعر به ليس حقيقة مطلقة، وأن بعض الكوارث التي تدور في رؤوسنا تحتاج أحياناً إلى نوم جيد أكثر مما تحتاج إلى ثورة فلسفية.

تلك هي السخرية الكبرى في قصة الإنسان. كائن أرسل مركبات إلى المريخ، وفك شيفرة الجينوم، وكتب الدساتير، واخترع الديمقراطية والتحليل النفسي، وما زال قادراً على البكاء لأن شخصاً لم يرد على رسالة. نحن لا نصنع التاريخ بالعقل وحده. نصنعه بهذا التحالف الغريب بين الفكرة والغريزة، بين الذاكرة والكيمياء، بين ما نريد أن نكونه وما يقرره الجسد في صباح سيئ. ولعل الإنسان لم يكن يوماً سيد نفسه كما تخيل. ربما كان فقط المتحدث الرسمي باسم هرموناته.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى