
يونس جنوحي
يقول محمد التازي، في مذكراته، مستحضرا وقائع إحدى المرات التي استدعاه فيها الملك الحسن الثاني للانضمام إليه في القصر، حيث بعث إليه ليحضر جلسة جمع فيها الملك الراحل مقربيه ومستشاريه، وكان موضوع الساعة، وقتها، العلاقات المغربية- الجزائرية في بداية التسعينيات. يحكي هنا ما جاء في رده عندما سأله الملك الحسن الثاني عما وقع أثناء المهمة الدبلوماسية التي أرسله فيها إلى الجزائر: «أنا لا أفهم السياسة الجزائرية، منذ مدة بعثوا يطلبون تبادل السفراء بسرعة، وعينا سفيرنا لديهم، والحّوا في تحديد موعد لتقديم السفير الجزائري أوراق اعتماده، وحددت له الموعد، وإلى الآن لم يصل. وانتهى اللقاء بتحميل الوزير فتاح «تحيات سيادته وعواطفه لسيدنا نصره الله. والواضح لي أنه يوجد خلاف في الرأي والاتجاه بين المحيطين بالرئيس، ويبدو أنه أميل إلى الفريق الذي يرى أن نسرع مصر إلى خلق جبهة عربية تقف بها، ومعها، وسط التجمعات القائمة أو المزمع قيامها.
وأمسكت عن الكلام فنظر جلالته في ساعته وقال: عندي كثير من الأسئلة على ما قلت فلنؤجل بقية الحديث إلى الغد. ثم طلب، أكرم الله مثواه، مد موائد الطعام وانصرف مرفوقا بدعواتنا لجلالته بطول العمر.
كان الحاضرون في الخيمة السادة، أحمد رضا كثيرة، وأحمد عصمان، وعبد الهادي بوطالب، وإدريس البصري والجنرال عبد الحق القادري والجنرال حسني بن سليمان وعبد الكريم الحلو، ومن الاتحاد الاشتراكي السيد عبد الواحد الراضي رئيس مجلس النواب الحالي ومولاي المهدي العلوي السفير الآن في الأردن، ومن الاتحاد الدستوري المعطي بوعبيد… وسوى هؤلاء ممن لا تحضرني أسماؤهم فموائد جلالته تتجاوز بعض الأحيان ست موائد. وفي إحدى الموائد لم أسلم من النقد، فقد قال أحدهم إنني أبلع شريطا مسجلا قبل أن آتي، وعلمت بعد ذلك أن الأستاذ بوطالب، الذي كان يجلس في تلك المائدة تصدى للدفاع عني باعتبار أني فقط كنت أجيب على سؤال من جلالة الملك، ولو أراد جلالته توقيفي لفعل. ولم يكن الأستاذ بوطالب من أبلغني، بل كان أحد الجالسين معه على المائدة نفسها».
كانت هذه واحدة فقط من المشاهد التي حكاها التازي في مذكراته، مستحضرا لقاءاته مع الملك الحسن الثاني التي تنوعت بين الإقامة الملكية والقصر الملكي في الرباط وقصر إفران الذي عُرف تاريخيا بأنه المكان الذي تردد عليه الملك الحسن الثاني كلما أراد الاختلاء بنفسه للتفكير في الخطوات والقرارات المستقبلية، خصوصا عندما تعلق الأمر بالأزمات والقمم العربية والإسلامية.
جعبة السفير محمد التازي لم تكن لتخلو من قصص وطرائف من هذا النوع.. فجلسات الملك الراحل الخاصة، والتي كان يُستدعى إليها شخصيات من الصف الأول، وأحيانا كثيرة شخصيات جديدة يجري إعدادها للمناصب المستقبلية، كانت دائما حافلة بالأحداث، ويكتشف فيها الحاضرون الجانب الشخصي من حياة الملك الراحل.





