
محمد شرقاوي(*)
يقوم هذا المقترح على فكرة بسيطة في شكلها، لكنها تحمل أبعادا اقتصادية واجتماعية وتضامنية مهمة، وتتمثل في إعادة النظر في طريقة دعم غاز البوتان، من خلال اعتماد قنينتين بلونين مختلفين: قنينة حمراء تُباع بالسعر الذي اعتادت الأسر أداءه في ظل الدعم، وقنينة خضراء تُباع بسعرها الحقيقي، دون أي دعم من صندوق المقاصة.
وتمكن دراسة إمكانية تطبيق الفكرة نفسها على السكر والدقيق، كما يمكن التفكير في آليات مغايرة لإصلاح الدعم الموجه إلى مهنيي النقل، بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويحد من انعكاس ارتفاع أسعار المحروقات على تكاليف النقل والمواد الغذائية.
ويهدف هذا الإجراء إلى تمكين المواطنين القادرين من المساهمة الطوعية في تخفيف الأعباء المالية التي تتحملها الدولة، مع الحفاظ على إمكانية حصول الأسر محدودة الإمكانات على الغاز بالسعر المعتاد، دون أن تضطر الدولة إلى تقديم دعم إضافي، أو تعويض عن القنينة الحمراء.
وبذلك، يمكن أن يشكل هذا المقترح مدخلا لإعادة التفكير في الدعم الشامل، وتشجيع التضامن المباشر بين المواطنين، شريطة دراسة آليات تطبيقه وتدبيره، بما يضمن تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية.
إن الفكرة لا تقوم على إجبار المواطنين القادرين على أداء السعر الحقيقي، ولا على فرض مساهمة تضامنية عليهم، وإنما على تشجيعهم على اتخاذ هذا القرار عن قناعة، إدراكا منهم أن مساهمتهم يمكن أن تساعد على تخفيف الأعباء العمومية، وتعزيز التضامن مع الفئات الأخرى.
فمن يختار القنينة الخضراء يساهم في تحقيق هذا الهدف، ومن يقتني القنينة الحمراء يستفيد من السعر المعتاد، دون أن يكون مضطرا إلى تبرير اختياره، أو إثبات وضعه الاجتماعي في إطار هذا النظام.
ويستمد هذا التصور أهميته من كونه يسعى إلى تحويل التضامن من مجرد مبدأ أخلاقي إلى ممارسة يومية منظمة، تتيح للمواطن أن يساهم، وفق إمكاناته واختياره، في دعم الآخرين والمشاركة في التنمية الوطنية.
ينبغي النظر إلى هذا المقترح في إطار منظومة أوسع للتضامن والادخار والتمويل والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، كتلك التي اقترحتها في مقالي المعنون «القدرة الشرائية وبناء الغد»، المنشور بجريدة «الأخبار» في عددها رقم 4206، وليس باعتباره إجراء معزولا يتعلق بغاز البوتان وحده.
فقد اتخذت الحكومة الجديدة إجراءات تتعلق بتحسين الدخل، والإعفاءات الضريبية، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر والمعاشات. وإذا أُضيفت إلى هذه الإجراءات منظومة تضامنية شاملة ومستدامة، من خلال المقترحات التي عرضتها في المقال المشار إليه، إلى جانب هذا الإجراء المتعلق بإصلاح دعم غاز البوتان وغيرها، فقد يتمكن المغرب من اتخاذ خطوة نوعية وغير مسبوقة في مجال التضامن التلقائي المنظم، إذا أثبتت الدراسات جدواها وقابليتها للتطبيق.
ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة مدى تكامل إصلاح دعم غاز البوتان مع السياسات الرامية إلى تحسين دخل المواطنين وحماية الفئات الهشة، بما يسمح بالانتقال التدريجي من منطق الدعم الشامل إلى منظومة أكثر استدامة، تقوم على التضامن والادخار والتمويل والدعم والتمكين التشاركي.
إن اختيار اللونين الأحمر والأخضر ليس اختيارا اعتباطيا، بل يحمل رمزية وطنية تستحضر ألوان الراية المغربية، وتعبر عن الانتماء إلى وطن واحد ومجتمع واحد.
فالمقصود ليس تقسيم المواطنين إلى فئات متنافسة، وإنما إبراز فكرة أن المغاربة أسرة واحدة، وأن قدرتهم على التضامن والتعاون يمكن أن تشكل رافعة للتنمية المشتركة.
ومن هذا المنظور، يمكن أن تصبح القنينة الخضراء رمزا للمساهمة الطوعية، والقنينة الحمراء رمزا للاستفادة من السعر المعتاد، على أن يكون الهدف من هذا التمييز تشجيع التضامن، لا ترتيب المواطنين بحسب قيمتهم أو مكانتهم الاجتماعية.
يبقى التحدي الأساسي في تنزيل هذا الإجراء مرتبطا بكون اختلاف ألوان القنينات قد يجعل الوضع الاجتماعي للمستهلك ظاهرا للآخرين؛ فقد تُفهم القنينة الحمراء على أنها علامة على أن الأسرة محدودة الإمكانات، بينما تُفهم القنينة الخضراء على أنها علامة على قدرة الأسرة على المساهمة في التضامن.
ومن المهم الاعتراف بأن هذا الإشكال يستحق النقاش. فالفقر والهشاشة ليسا أمرين ينبغي الخجل منهما، كما أن التضامن ليس امتيازا يمنحه طرف لآخر، بل قيمة مشتركة تقوم على التكافل والاحترام المتبادل.
وقد يرى البعض أن الأوضاع الاجتماعية للأسر يمكن ملاحظتها أصلا من خلال ظروف السكن، أو امتلاك السيارة وغيرها من المؤشرات الظاهرة، لكن ذلك لا يعني أن إضافة علامة جديدة مرتبطة بالاستفادة من الدعم أمر خال من الإحراج، أو الآثار الاجتماعية المحتملة. فالمظهر الخارجي لا يكشف دائما حقيقة الوضع المالي للأسرة، كما أن الحفاظ على كرامة المواطنين يظل عنصرا أساسيا في نجاح أي سياسة اجتماعية.
ومع ذلك، فإن الهدف من هذا المقترح ليس إخفاء الفقر أو إظهاره، ولا إحراج المستفيدين من السعر المعتاد، وإنما خلق ثقافة التضامن التلقائي المنظم، وتشجيع المواطنين على الانخراط في تنمية بعضهم بعضا والمساهمة في تنمية الوطن.
ولهذا، ينبغي أن يترافق أي اعتماد لهذا الإجراء مع نقاش مجتمعي يوضح فلسفته وأهدافه، ودراسة لآثاره الاجتماعية والنفسية، مع البحث عن أفضل السبل للحفاظ على كرامة الأسر، وتجنب الوصم أو التمييز، وضمان حرية الاختيار.
إن إصلاح صندوق المقاصة لا ينبغي أن يُختزل في البحث عن تخفيض النفقات العمومية، بل يجب أن يشكل فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين التضامن والمسؤولية، وبين الدعم والتمكين.
ويمكن أن يشكل مقترح القنينتين الملونتين، إلى جانب مقترح «القدرة الشرائية وبناء الغد»، إذا أثبتت الدراسات المالية والاجتماعية والتقنية جدواهما، مدخلا لتطوير تصور أوسع لمنظومة متناسقة وشاملة ومستدامة للتضامن والادخار والتمويل والدعم والتمكين الاجتماعي والاقتصادي.
ويمكن لهذه المنظومة أن تسهم في تحسين توجيه الموارد العمومية، وحماية القدرة الشرائية، وتعزيز المشاركة المواطنة في التنمية، شريطة تحديد آليات التمويل والتنفيذ والتقييم بدقة.
فالغاية النهائية ليست مجرد تغيير لون قنينة الغاز أو طريقة بيعها، بل المساهمة في بناء ثقافة وطنية تجعل التضامن ممارسة يومية منظمة، وتحول إمكانات المجتمع إلى قوة مشتركة لتحقيق التنمية والكرامة والازدهار للجميع.
(*) اختصاصي في حل الإشكالات الاستراتيجية
نافذة:
إن الهدف من هذا المقترح ليس إخفاء الفقر أو إظهاره ولا إحراج المستفيدين من السعر المعتاد وإنما خلق ثقافة التضامن التلقائي المنظم وتشجيع المواطنين على الانخراط في تنمية بعضهم بعضا والمساهمة في تنمية الوطن





