حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

قصة أقدام الصينيات

بقلم: خالص جلبي

يصادف الإنسان عادات، أو يقرأ قصصا عن عادات لم يرها، فيتعجب ويضرب كفا بكف: هل يمكن أن يحدث مثل هذا؟ ومن ذلك وضعُ الطعام على القبر، إذ تعجب البريطاني من الصيني قائلا: وهل سيقوم الميت فيتناول وجبة شهية؟ فأجاب الصيني: وهل يقوم الميت لشم الورد والزهور حين تُتحفونه بها؟ وعند الأتراك جرت العادة بسكب الماء في أعقاب من يسافر أو يودع، فماذا سيفعل الماء مع عجائب الرحلات؟ والألمان يقولون في الوداع إلى اللقاء ثانية (Auf wieder sehen)، ونحن نقلنا عن الإنجليزية كلمة تلفزيون، ولكن الألمان نقلوا معناها، ولكن باللغة الألمانية فقالوا الرؤية من بعيد (Fern sehen)، وعند اليابانيين يعتبر البقشيش (Tips) في المطاعم إهانة، وكذلك في ألمانيا، في الوقت الذي ركض خلفي النادل حين خرجت من مطعم يطلب التيبس، وكنت لتوي قادما من ألمانيا فظننت أن العالم واحد وهو شتى. وفي الصين ولقرون سرت عادة عجيبة، بالمحافظة على قدم الفتاة بحجم ثلاث بوصات، أي أقل من عشرة سنتيمترات. فهي أدعى أن تخطب وتتزوج ولو بقيت تعرج بقية عمرها. وكان مبرر العادة، أن الفتاة بقدم صغير أشهى للرجل، وأدعى لإثارته وأرغب في الزواج منها، وعدم كسادها في سوق الزواج.

وتذكر الكاتبة الصينية (يونغ تشانغ) في كتابها «بجعات برية» الذي يحكي قصة ثلاثة أجيال، تلك التفاصيل المخيفة والمؤلمة، لتلك العادة الظالمة. وعلى كل حال فإن الصينيين دفنوا قدم الفتاة، أما عرب الجاهلية فدفنوها بالكامل، وجاء القرآن يدافع عن المرأة المظلومة؛ فيقول وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت؟

تقول الكاتبة: «تطوى أصابع قدم الفتاة إلى الداخل منذ صغرها باستثناء الإبهام، ولكي تُربط القدم بسهولة، تعمد الأم إلى هرس قوس قدم طفلتها بحجر، بينما تئن الصغيرة بكاء وألما».

ولعل هناك الكثير لا يعلم أن القدم مقوسة؛ فنحن لا نقف على قاعدة مسطحة، ومن أصيب بها أصيب بألم في المشي في القدم والظهر، والقدم المسطحة علة، يعالجها جراحو الأورثوبيديا. وهكذا فنحن نمشي أقرب ما يكون لأقدام الطير على قوس عظمية.

والأم في الصين كما ذكرنا كانت تأتي، فتكسر قوس القدم، وتضغط الأصابع، ثم تلف كل ذلك بخرقة بحزم وشدة، مما يجعل الطفلة تتألم وتبكي لسنوات. وتذكر هذه العادة القبيحة أن البنت القاصر، لا تفهم شيئا، ولا تعرف مصيرها بالزواج من عدمه، ولذا فالأفضل لها أن تبكي مقدما، من أن تبكي بقية عمرها عانسا بدون زوج وأطفال.

ومما تروي الكاتبة (يونغ) أن جدتها (فو يانغ) قامت أمها بضغط قدمها على هذه الشاكلة، فلما أصبحت ناهدا في عمر الخمس عشرة سنة، بدأ أبوها الخائب يبحث لها عن زوج مناسب، يرتفع بواسطته إلى منصب حكومي جيد، وكان الموظفون في تلك الأيام يستبيحون الناس، ومن كان موظفا تسلط على رقاب العباد. استمر الأمر حتى اجتمع بجنرال مهم، جاء في زيارة إلى المنطقة، فرتب مقابلته معها في المعبد، بدون أن يعرف أنها ابنته، وكأن الأمر صدفة، وفي اللحظة التي وقع نظر الجنرال عليها، استلطفها وتزوجها على صورة رقيق.

وكانت من مصائب ذلك الوقت، فالزوجة الفعلية ترث الرجل، وليست مثل المحظية. والمهم فالجدة صدفها الحظ، فنكحت رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا وأراح عليها النعم ثريا، وأعطاها من كل رائحة زوجا، وأغدق عليها من الجواهر، وكان جنرالا معتبرا في جيش الإمبراطور الأخير، الذي حكم الصين. والشيء الأهم، أنه لم يعش معها سوى ليال معدودة، حملت منه ببنت، لم تر أبوها إلا في فراش الموت.

تقول الكاتبة (يونغ تشانغ) إن البنت عندما كانت تكبر، ويعرف أن قدمها عادية، وأن قلب الأم لم يحتمل بكاء طفلتها المتواصل، فأرخت الحزام ورحمتها، أن تتابع القدم نموها، كانت تعاتب أمها، أنها كانت السبب في كساد سوق زواجها.

كان هذا الربط المجنون، يستمر طول الحياة في رقابة صارمة للقدم، أن تبقى صغيرة أقل من عشرة سنتيمترات، وأن تمشى بعرج، ولا تستطيع مواصلة السير لمسافة قصيرة، لأنه من الغنج والدلال، وبالتالي فهي امرأة أصلح للزواج، وأشهى جنسيا للرجل الفحل.

إن هذه العادة تروي شيئا مرعبا عن معنى اغتيال العقل المنظم، وعلى مسار قرون، بدون أن يقوم أحد فيقول يا جماعة: إننا مجانين.

ومن قال ذلك أخذ إلى مصحة للأمراض العقلية على أنه مجنون وساحر ومخرب للقيم الاجتماعية، ومدمر للعادة والتقاليد الحميدة!

ولكن قصة القدم ليست الوحيدة، ولم يكن للصين أن تخرج من مصيدة هذا التفكير الجهنمي، وسطوة الآباء الظالمين، والذكور الفحول، وتكسر هذا القيد الحديدي، من التقاليد المخيفة، وأن يوضع عنهم وزرهم الذي أنقض ظهرهم، إلا بثورة (ماو تسي تونغ) الذي حررها من سلاسل الأقدام، ثم عمد فوضع سلاسل أثقل وأغلظ في اليدين والعقول. وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.

 

نافذة:

تطوى أصابع قدم الفتاة إلى الداخل منذ صغرها باستثناء الإبهام ولكي تُربط القدم بسهولة تعمد الأم إلى هرس قوس قدم طفلتها بحجر بينما تئن الصغيرة بكاء وألما

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى