
الجمع بين الثروة والنضال ضد الاستعمار، يعني توظيف المال في خدمة القضايا العادلة، أو استغلال مواقع النضال لتحقيق مكاسب شخصية، وهما مساران يتعارض أحدهما مع جوهر الكفاح الإنساني ضد المحتل.
تولد الثروة من رحم المعاناه والظلم والقهر والطغيان، كما أنه ليس بمقدور أحد أن يوقفها بقرار، فهي كالزلزال والبراكين يصعب التنبؤ بها، إلا إذا كانت من ريع اقتصادي، إذ لا أحد يقرر أن يصبح ثريا بين عشية وضحاها، لكن أن يتقاطع النضال والثراء، هذا التلاقي نادرا ما يحصل، وإن حصل فإنه يستمر بنهاية النضال أو عند منحناه.
كيف تعامل أغنياء المغرب مع الحركة الوطنية، في وطنٍ شهد فترات احتلال وتحديات سياسية وأزمات اقتصادية؟
ما هي إسهامات الميسورين في دعم جهود الحركة الوطنية؟ وهل اغتنى بعض المقاومين واستفادوا من نضالهم؟
يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه “تاريخ الحركة القومية وتطورات نظام الحكم”:
“إن الذين يملكون الثروة والنفوذ، لا يمكنهم اتخاذ أي موقف يمكن أن يهدد ثروتهم”.
هناك نوعان من أغنياء الفترة الاستعمارية: أثرياء دعموا الحركة الوطنية سرا، وأثرياء اغتنوا من المقاومة، وغالبيتهم من الأسر الفاسية العريقة.
بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب يعرض الملف الأسبوعي لـ”الأخبار “، بعض الوجوه التي جمعت بين الثراء والنضال ضد المستعمر، في زمن ارتبط النضال بالخصاص، وسكن المناضلون هوامش المدن والقرى.
الطاهر السبتي.. تاجر درب عمر الداعم السري للمقاومة
خلد المغرب اسم الطاهر حين وضع اسمه على زنقتين وعدة مؤسسات تربوية في الدار البيضاء والرباط، بل إن سلطات العاصمة الاقتصادية استبدلت اسم الطيار الفرنسي “كوينيمر” باسم الطاهر حين أطلقت اسمه على أحد أهم شوارع المدينة وتحديدا في مقاطعة سيدي بليوط.
بدأت محنة هذا التاجر المناضل، حين علم الفصيل المتطرف للاستعمار الفرنسي بوجود دعم سري للحركة الوطنية مصدره مجموعة من التجار والأطباء والمحامين، فقررت ممارسة الترهيب والوعيد، بل أقدمت على اغتيال المحامي عمر السلاوي يوم 30 غشت 1954، والصيدلي عبد الكريم الديوري يوم 30 دجنبر 1954، وبعد ذلك أقدمت هذه المنظمة على تصفية الطاهر السبتي يوم 2 يناير 1955.
كانت عائلة السبتي تصنف في خانة العائلات الثرية، حيث عرف في أوساط تجار درب عمر بنباهته وقدرته على تصدر النشاط التجاري، خاصة بيع الأثواب. إذ نافس أثرياء اليهود الذين كانوا يبسطون سيطرتهم على التجارة بالعاصمة الاقتصادية. لكن مقتل “الطاهر” خلف حزنا عميقا في أوساط الحركة الوطنية، بل فكرت في الثأر من الجاني الذي كان شرطيا فرنسيا معروفا بمواقفه المتطرفة وعدائه ضد كل من يتعاطف مع المقاومين.
جاء في كتاب الباحث “التهامي نجار” وهو يسلط الضوء على هذه الواقعة: “ارتأت المقاومة المغربية تقديم قروض العزاء لعائلة الفقيد، اقترح عباس لمساعدي فكرة زيارة مقر سكنى الطاهر السبتي لتقديم التعازي للأب، وتسليمه رسالة تتضمن طلب مساعدة مالية قدرها 20 مليون فرنك لدعم المقاومة، مع وعد بالانتقام لابنه، والتأكيد على أن رد المنظمة السرية سيكون مزلزلا”.
يقول المقاوم حسن بلمودن في نفس الكتاب الذي يرصد سيرته: “كنت أعرف أن رأسمال عائلة السبتي يقارب سبعة مليارات فرنك، لذا كان علينا أن نستغل هذه الفرصة لنتقرب من التجار المغاربة، لأنهم باستطاعتهم توفير الدعم المادي للمقاومة. وعندما شرع عباس لمساعدي في كتابة الرسالة، نبهته إلى إمكانية اكتشاف شخصيته من خلال خطه إذا ما وقعت الرسالة في يد الفرنسيين، ولكنه طمأنني”.
كانت عائلة السبتي تقطن شارع كريت الذي أصبح يحمل اليوم اسم “موديبو كيتا” بحي لارميطاج، ومن الفيلا مقر سكناه خرج موكب جنائزي رهيب شارك فيه عدد كبير من المواطنين تعبيرا عن تعاطفهم مع عائلة السبتي، وللتنديد بهذه الجريمة الوحشية. وقبل أن يغادر عباس لمساعدي المكان سلم ملتمس الدعم مع وعد بتصفية قتلة الطاهر في ظرف أسبوع. وفعلا شرع رجال لمساعدي في تنفيذ عمليات انتقامية، لكن رد السبتي الأب كان مفاجئا، على الرغم من أن رجال المقاومة أوفوا بوعدهم، فقد هرب هو وعائلته إلى خارج المغرب ولم يعد إلا بعد حصول المغرب على الاستقلال.
قرر عباس لمساعدي ورجاله البحث عن بديل للسبتي، فربط الاتصال بأثرياء مغاربة لجمع الدعم اللازم للمقاومة، على غرار محمد العمراني، صاحب كراج العمراني بالأحباس، ومولاي أحمد الصقلي، صاحب سينما شهرزاد في بيته في حي “بولو” حيث منح دعما ماليا للمقاومة قدره مليوني فرنك، ثم غادر البلاد بدوره نحو فرنسا.
مات الطاهر وظل اسمه حاضرا من خلال مؤسسة تربوية وهبها للنشء أملا في تأسيس جيل جديد.
مومن الديوري يحث أثرياء الغرب على دعم خلايا المقاومة
توصل الملك الراحل محمد الخامس، مرات كثيرة بمعلومات عن الأعيان الجدد الذين اشتروا عقارات كثيرة في محيط القنيطرة، وظلوا بعيدين عن الرباط، وبعضهم اتهم من طرف الإدارة الفرنسية في المغرب بتزويد الخلايا السرية للمقاومة بالسلاح.
وهذه التهمة الثقيلة جرت بعضهم إلى المحاكمة كما وقع في أبريل 1954، عندما مثل أمام القاضي أزيد من ثمانية أثرياء من منطقة الغرب، اتهموا بالتجارة في السلاح وتزويد المقاومين به سرا، وحكم عليهم بالإعدام، لكن الحكم لم ينفذ وظلوا في السجن العسكري إلى أن صدر عفو من المقيم العام في حقهم.
كان جل هؤلاء التجار منقطعين تماما عن الحياة السياسية رغم أنهم راكموا الثروة، وبلغت تعاملاتهم المالية، غير النظامية طبعا، ملايين الفرنكات الفرنسية. بل وحاولوا البقاء بعيدا عن ربط أي علاقات مع المقاومة، رغم أن المقاوم الراحل مومن الديوري، الذي كانت تربطه علاقات قوية بموظفي القاعدة العسكرية الأمريكية، حاول ربط اتصال معهم قصد تمويل المقاومة قبل الاستقلال، لكن مساعيه باءت بالفشل، واعترف بنفسه، أثناء اعتقالات يوليوز 1963، بأنه حاول فعلا، في إطار أنشطة المقاومة، البحث عن تمويل أو تبرعات مالية من هؤلاء الأثرياء الجدد الذين ظهروا في منطقة الغرب خلال بداية الخمسينيات، لكن لم يصل معهم إلى أية نتيجة. وصك الاتهام الذي وجه له في مؤامرة يوليوز بعد الاستقلال بسبع سنوات، كان واضحا بخصوص تلك العلاقة، فقد اتهم بالتعامل مع بعض قدماء المقاومة لاقتناء أسلحة من القاعدة الأمريكية في القنيطرة، لتنفيذ عمليات مسلحة واغتيالات.
وبعض أولئك التجار اتهموا بمراكمة جزء مهم من ثروتهم “المشبوهة” ليس فقط بالاتجار في المواد الغذائية الأمريكية، وإنما في السلاح الأمريكي أيضا، وهو ما جعلهم بعيدين عن الحياة السياسية التي كان يلجها الأعيان بكثرة. وأكبر دليل على ورطة المتعاملين مع الأمريكيين، هو فضيحة زيوت مكناس المسمومة، التي انفجرت بعد تورط أثرياء وأعيان مغاربة في فضيحة شراء زيت المحركات من القاعدة الجوية الأمريكية وبيعها لاحقا في الأسواق على أنها زيت طعام صالحة للاستهلاك.
الغزاوي.. ثري ساهم في دعم المقاومة وتجهيز أسطول الشرطة
عندما كان القرويون البسطاء يتزاحمون لحجز مقاعد على متن حافلات نقل الغزاوي في مدينة فاس، كان الرجل، الذي عرف بثرائه، يمارس هوايته المفضلة في اقتناء السيارات الفارهة في تلك المرحلة. وقد استطاع عن طريق تجارة السيارات كسب مودة الكثيرين.
كان أثرياء المغرب في خمسينيات القرن الماضي يعدون على رؤوس الأصابع، كان محمد الغزاوي قد صنع لنفسه اسما ضمن قوائمهم التي تذكر في المنتديات السياسية. غير أنه خلال عمله مديرا عاما للأمن، كان يغدق على العاملين، الذين كانت أعدادهم غير كبيرة، بل ثمة من ذهب إلى أنه تعمد بأن يؤدي بعض الرواتب من ماله الخاص بدل خزينة الدولة، خصوصا في السنوات الأولى للاستقلال، التي كان المغرب قد بدأ فيها تنظيم هياكله الإدارية والمالية. وثمة وزراء أو مدراء قلائل لم يكونوا يقبلون صرف رواتبهم من خزانة الدولة.
حسب ضابط المخابرات السابق أحمد البخاري، فإن محمد الغزاوي، قبل أن يعين مديرا عاما للأمن، “كان مقيما بالولايات المتحدة الأمريكية في أربعينيات القرن الماضي، إلى حدود 1955، وكان يحمل ثلاث جنسيات: المغربية والأمريكية والفرنسية، وعند عودته إلى المغرب أصبح أكبر بارون مالي في حزب الاستقلال يطمح إلى الوصول لمنصب المدير العام للأمن الوطني مع جميع الصلاحيات في المجال الأمني”.
قدرت ثروته في المغرب، خلال الأربعينيات بثمانية أضعاف ثروة الأسرة الملكية، يضيف البخاري، بفضل مشاريعه الاقتصادية المنتشرة في الولايات المتحدة، انجلترا وفرنسا، بالإضافة إلى مليارات من الودائع في الأبناك الأجنبية عموما، وسويسرا بشكل خاص.
بعد الاستقلال، شغل محمد الغزاوي منصب وزير للصناعة العصرية والمناجم والسياحة والصناعة التقليدية، أي أنه جمع بين ثلاثة مناصب حكومية، كما شغل مناصب دبلوماسية قبل عودته إلى الواجهة الحزبية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، كما ترأس المكتب الشريف للفوسفاط، لكن الغزاوي سيتوارى بعيدا، وحدها حافلات النقل العمومي ظلت ترسخ اسمه في أذهان المغاربة.
ناجم أبا عقيل.. السوسي الذي دعم الحركة الوطنية عن بعد
عرف ناجم أباعقيل بنضاله المبكر، مع رفيق دربه أحمد أخنوش وشخصيات سوسية أخرى كانت وراء تأسيس “الحزب التقدمي الحر” سنة 1974، استنادا إلى مرجعية سياسية سوسية في شخص أحمد أكدورت.
يجمع الباحثون في التاريخ السياسي للمنطقة على نجاح “الحزب التقدمي الحر” في استقطاب عدد من النخب السوسية، مع العلم أن نصف أعضاء مكتبه السياسي ينحدرون من منطقة تافراوت، قبل أن يصطدموا جميعا بتوجه تقوده أم الوزارات حينئذ ويمنعون من المشاركة في الانتخابات بجرة تعليمات في مغرب يعيش غليانا غير مسبوق اصطلح عليه في ما بعد بمغرب “سنوات الرصاص”.
كان ناجم وهو الذي اختار قطاع مطاحن القمح، يصر على محاربة هيمنة أقلية فاسية على الاقتصاد الوطني، واختزال الحضور السوسي في دكاكين البيع بالتقسيط، مروجا لما أسماه بالاستقلال السياسي، رغم أن البعض انتقد الحزب من طرف مجموعة الدار البيضاء المؤسسة للحزب الحر التقدمي التي تدافع في بيانها السياسي والمذهبي عن الليبرالية وتعطي الأولوية لتشجيع المبادرة الخاصة في المجال الاقتصادي. وهي بذلك تتوجه إلى طبقة المقاولين دون غيرهم. أما مجموعة الرباط المؤسسة لحزب العمل فتقدم نفسها كامتداد للمقاومة بطريقة إصلاحية وليست ثورية. ولذلك فهي تتبنى برنامجا إصلاحيا يعطي الأولوية للبادية.
يعد ناجم من الشخصيات الوطنية الجديرة بالاحترام، فقد رأى النور في بيئة دينية وتربى تربية وطنية، حفظ القرآن الكريم وهو يافع، اصطف في صف الحركة الوطنية مبكرا. دخل عالم السياسة رفقة رجال المنطقة وظل مدعما لحزب يعاني من غضب إدريس البصري قبل أن ينشئ حزب العمل، لكنه سيدخل مجلس النواب خلال ولاية 1977 باسم التجمع الوطني للأحرار ويصبح عضوا بمجلس المستشارين خلال ولاية 1997 باسم حزب العمل.
ساند الحزب الحر التقدمي حزب الأحرار في الانتخابات البلدية والقروية لسنة 1976 والانتخابات التشريعية لسنة 1977. أما حزب العمل فقد استمر من الناحية التنظيمية، ولكنه لم يصل أبدا إلى أن يكون مؤثرا على المستوى السياسي.
مومو الحوس.. قناة دعم خارجية للحركة الوطنية والعلمية
يقول الباحث الإعلامي السراج محمد الضو وهو ينبش في سيرة هذا الرجل العصامي:
ازداد مومو الحوس في 1913 ببلدة “تغمي” بمنطقة سوس، وتوفي في 2006. مومو اسمه العائلي ويعني بالأمازيغية الشيء الجميل والحوس اسمه الشخصي وهو تصغير أمازيغي لاسم الحسين. هو شخصية عصامية استأثرت باهتمام كبير في سوس والمغرب بلده الأم وكذلك في فرنسا التي كون بها ثروته.
هاجر مومو إلى فرنسا في 1935، وبمدينة باريس أسس مشروعا صغيرا وهو عبارة عن محل للبقالة، وطور تجارته بعد ذلك إذ كان يقوم باستيراد الشاي والأتواب من الهند والصين وخصوصا الحاجيات الموجهة للجالبة المغربية و السوسية منها بالخصوص في فرنسا، مثل العطور والقرنفل والكؤوس وصينية الشاي وتوابعها، وفي الوقت نفسه كان يقوم بخياطة الملابس التقليدية السوسية مثل الفوقية للرجال وملابس الأطفال. وكانت هذه السلع والمنتوجات تجلبها الجالية السوسية معها كهدايا عند زيارتها للمغرب. ازدهرت تجارته وخاصة مع الصينيين، كما قام باستثمار أمواله في المغرب وخاصة بمدينة تزنيت وأكادير والدارالبيضاء. واشتهر بمسقط رأسه بعد تشييده فندق “كردوس” وهو فندق مصنف شيده في قمة من قمم جبال الأطلس الصغير، و استوحى تصميمه العمراني من القلاع الأمازيغية القديمة، ويوجد على الطريق المؤدية إلى تافراوت”.
ويذكر أنه لما أراد بناء فندق كردوس ذهب الى أحد تجار مواد البناء وطلب منه أن يخفض له ثمن الأجور بحيث إنه سيشتري منه كمية كبيرة، رفض أن يقبل له التخفيض.وحينها ذهب ممو الحوس إلى إيطاليا واشترى آلة صنع الياجور وقام بتثبيتها جوار مكان بناء الفندق وصنع ما يحتاجه من أجور لبناء فندقه.
كما يحكي بعض الأشخاص من تافراوت أنه لما أراد بيع الفندق لأحد المستثمرين استدعى الساكنة القريبة من المكان للاستمتاع منً خدمات الفندق طيلة يوم كامل بالمجان. وفي الوقت نفسه سيعقد عملية البيع مع مشتري الفندق الذي انبهر بالرواج داخل الفندق.
كان مخلصا لزيه الوطني الأمازيغي وصاحب الجلابة الذي اشترى فندق رويال ذي الخمسة نجوم في باريس، وكان لا يتردد في مد خلايا المقاومة بالمال، كما أنه ساهم في دعم الجهود العلمية للطلبة المغاربة الأوائل الذين حلوا بالديار الفرنسية، ومنهم من أصبح وزيرا في عهد الاستقلال.
مسعود أكوزال للمقاومين: اتركوني بعيدا عن الشبهات
ينتمي هذا الرجل إلى الجيل القديم، نذر حياته لأشياء كثيرة من بينها حفر اسمه بشكل استثنائي في عالم المال وحتى في دُنيا السياسة. ربما يحسب له الآن، بعد أن انتقل إلى دار البقاء، أنه انتمى إلى نادي “الأقلية الصامتة” الذين اختاروا مبكرا أن يبتعدوا عن النقاشات وحروب “المذكرات”. وحتى عندما اختار أن يتحدث ويسجل شهادته على العصر، بطريقته، كان بعيدا جدا عن الخوض في بعض الحقائق التاريخية التي أسالت الكثير من المداد، رغم أن موقعه خلال سنة 1956 كان يؤهله لمعرفة بعض الكواليس المتعقلة بالمقاومة، أو التي تفجرت خلال بداية الستينيات.
ظل مسعود أكوزال المقاوم، على اتصال ببعض رموز المقاومة عندما كانت ثروته في طور النمو. الاتصالات التي كان يجريها معه قدماء المقاومة كانت بهدف الحصول على التمويل، وقد كانت التعليمات التي تروج في أوساط المقاومين، هي إبعاد أكوزال تماما عن الشبهات حتى لا يطاله التحقيق من البوليس الفرنسي.
ترجع أصول رجل الأعمال أكوزال إلى نواحي “إيداوكنيضيف”، نواحي زاكورة. لكنه هاجر الهجرة القديمة التي كتبها التاريخ على الأهالي هناك، ليبحث لنفسه عن مكان آمن تحت شمس فاس اللافحة التي لم تكن ترحم أحدا، خصوصا من المكان الذي ينتمي إليه أجداده. لم يكن سهلا أن يحفر الرجل اسمه في مدينة الأعيان وكبار أثرياء التجارة الذين توارثوا الألقاب عن آبائهم.
بدأ حياته بائعا متجولا يجوب الأحياء والدواوير نواحي مدينة فاس، لبيع أدوات العطارة، رغم أنه اشتهر أولا بتجارة الزيت ذات الجودة العالية، وهي التي شقت له طريقه نحو النجاح.
بفضل بدايات “العطارة” أصبح أكوزال خلال منتصف الخمسينيات، حسب بعض الإفادات، يمتلك أزيد من 300 دكان بين فاس ومكناس ونواحيهما. وهو ما جعله محط تقدير كبير في أوساط المكناسيين.
عندما أطلق ماركة “مولاي”، كان يعانق المراتب الأولى في صفوف الاقتصاد الوطني، ليصل اسمه لأول مرة إلى ديوان الملك الراحل محمد الخامس بصفته واحدا من الذين حفروا أسماءهم داخل مجتمع المدينة التي أحبها الملك الراحل أكثر من غيرها.
كان أكوزال معروفا في أوساط قدماء المقاومة كداعم في الخفاء، ثم في العلن، للأنشطة السرية والعمل المسلح. وجرب حظه هو الآخر من المتاعب والحوادث خصوصا في فترة الاحتقان، عندما كان التظاهر ضد قرار نفي الملك الراحل محمد الخامس سنة 1953، كافيا للتعفن في سجون فرنسا بالمغرب.
نجا أكوزال من تلك الأحداث، لكنه بقي يتابع الأوضاع عن كثب، وبكثير من الحذر. عندما عاد الملك الراحل من المنفى كان أكوزال من بين رجال الأعمال العصاميين الأوائل الذين يملكون حيزا كبيرا من أسهم السوق المغربية الجديدة. وعندما جاءت أزمة زيوت مكناس المسمومة، كان الرجل في قلب العاصفة، ونال النصيب الأوفر من اللوم. حتى أن الذين دافعوا عن براءته حينها كانوا يلقبونه بـ “مظلوم فضيحة الزيت”. كادت تجارة أكوزال أن تنهار لولا أن التحقيقات التي باشرها أطباء ينتمون لمنظمة الصليب الأحمر الدولية، كشفوا سبب تسمم الزيت الذي لم يكن مرتبطا بالتخزين وإنما بعملية غش اقتيد كل المتورطين فيها إلى المحكمة.
انتهت محنة أكوزال في تلك السنة بعد أشهر من المعاناة، ووجد صعوبة كبيرة في العودة إلى سابق عهده خلال الأسابيع الأولى. لكن عندما صدرت أحكام الإعدام ضد المتورطين السبعة، كان أكوزال قد عاد بقوة ليبتسم له الحظ هذه المرة بشكل غير مسبوق، ليصبح إمبراطورا حقيقيا في اقتصاد الزيت.
في أواسط الستينيات وصولا إلى سبعينيات القرن الماضي كان أكوزال قد ولج عالم العقار في مدن الدار البيضاء ومكناس وفاس، واشترى نصيبا مهما من أسهم شركات تركها المعمر الفرنسي.
لكن أشهر ما ارتبط بثروة أكوزال وإمبراطوريته المالية، ما تداوله المغاربة بكثير من الدهشة عن حكايات تبرعه بالملايين في عدد من الأحداث. لكن أشهرها التبرعات التي وضعها رهن إشارة الداخلية، خلال الإعداد للمسيرة الخضراء في نونبر 1975.
تبرعات الأثرياء تشعل أزمة في الخلايا
بعض الأثرياء المغاربة الجدد كانوا يشتغلون في صفوف المقاومة ووجدوا أنفسهم أمام اتهامات بالتصرف في التبرعات التي وضعت رهن إشارة الخلايا السرية، خصوصا خارج منطقة الدار البيضاء، بينما بعضهم الآخرون راكموا ثروتهم بفضل الامتيازات التي حصلوا عليها بعد الاستقلال ليصبحوا من كبار أثرياء العقار والتجارة في فترة قصيرة لم تتعد السنوات الخمس الأولى من الاستقلال.
ينضاف إليهم فريق آخر من الذين استفادوا من مغادرة المنعشين الفرنسيين، وما رافق عملية رحيلهم من ارتجال وفوضى نتج عنها تحول ملكية عدد من العقارات والشركات إلى خواص بعضهم كانوا من قدماء المقاومة.
أما الفريق الأكثر إثارة، فهو فريق العصاميين الذين كونوا ثروتهم بفضل التغيرات التي وقعت في المغرب فترة قصيرة قبل الاستقلال، خصوصا في مدن فاس ومكناس. لقد كان هذا الفريق، بالرغم من تضامنهم الواضح مع المقاومة والخلايا السرية التي كانت تنفذ عمليات مسلحة ضد الفرنسيين، يملك الجاه والسلطة.
لقد كانت قصة المقاوم إبراهيم الروداني أيضا تحوم في نفس الفلك مع الاختلاف في بعض التفاصيل والجزئيات. إذ كان بدوره صاحب ثروة مهمة في فترة الخمسينيات لاشتغاله في مجال تجارة الخشب، ومخازن السلع، بالإضافة إلى علاقات وطيدة مع الطبقة الثرية المغربية الجديدة.
حين وصلت أموال المتبرعين بالخارج إلى حزب الاستقلال بدل المقاومة
يقول المقاوم الحسين برادة، متحدثا عن طرق جمع تلك الأموال: “في البداية كان العمال المغاربة هناك يجمعون المال في ما بينهم بشكل تلقائي، ويقومون بإرساله إلى شخص معروف في الدار البيضاء، ويمد به التنظيم، وبطبيعة الحال فإن الأمر كان يتم بسرية كبيرة، وأؤكد هنا أن أولئك العمال كانوا يجمعون تلك الأموال من تلقاء أنفسهم ولم يطلبها منهم أحد، وكانوا يرسلونها إلى قياديين داخل حزب الاستقلال. مثلا مبلغ الـ 5 ملايين الأولى، قاموا بإرساله إلى الدكتور محمد لحلو الذي كان من أعضاء حزب الاستقلال بالدار البيضاء، لقد قام أحد إخواننا، وهو حسن صفي الدين بتسلم المبلغ من سي محمد لحلو، وهكذا وصل إلينا. بالنسبة للخمسة ملايين الثانية فقد أرسلوها إلى الدكتور عبد الكريم الخطيب، والـ5 ملايين الثالثة أرسلوها إلى محمد بن جيلالي بناني، وهو أيضا من الأسماء المهمة بمدينة الدار البيضاء. فيما تم إرسال مبلغ آخر حينها، لا أذكر قيمته بالضبط لكنه كان أكثر من 5 ملايين سنتيم، إلى السيد أحمد بلافريج، الذي كان حينها في إسبانيا، وكلفنا سي الكبير الفاسي كي يحضرها من عنده، ومعلوم أن الكبير الفاسي كان على اتصال بنا من مدريد، وهكذا علم بأمر المال وتوجه إلى بلافريج وقال له إنه يريد الأمانة كي يوصلها إلى أصحابها في الدار البيضاء، فكان جواب بلا فريج حينها: “أولئك الناس مجرمون وأنا لا أتعامل معهم”. يواصل برادة قائلا: “لا أعلم بالضبط ما راج في نفس بلافريج أو إن كان محتاطا فقط. لا أعلم بالضبط ولا أستطيع أن أقول إنني اطلعت على نيته. لكن هذا ما وقع، وهذا ما قاله أحمد بلا فريج عندما التقاه الكبير الفاسي بمدريد”.
كريم حجاج من متربص بموكب الملك إلى رئيس للرجاء
ارتبط اسم كريم حجاج أو “لمزابي” بالجدل الدائر حول ملابسات اغتيال القائد المقاوم عباس المساعدي سنة 1956، رغم أن الروايات تتباين حول طبيعة دوره الحقيقي فيها.
عمل لاحقا في سلك القوات المسلحة الملكية وبرتبة عليا، وحضل على مأظونية قبل أن يترشح للانتخابات المحلية بعد مغادرة سلك الجيش.
بعد عودة الملك محمد الخامس من منفاه استقبل في الملعب الشرفي بالدار البيضاء محمد بلحسن العفاني الملقب بـ”الأب جيكو”، ووشحه بوسام الرياضة، قال الرجاويون هذا أول رجاوي يوشحه الملك، وقال الوداديون إن محمد الخامس وشحه بوسام بصفته وداديا، دار جدال قوي بين الطرفين، ولحسن الحظ أن محمد الخامس وشح في نفس اليوم وداديا اسمه عبد الرحمن بلمحجوب، ولحسن الطالع أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن لها وجود في تلك الفترة الزمنية..
لكن الحسن الثاني كان ينظر للرجاء بحذر، فقد ذكر في كتابه “ذاكرة ملك”، واقعة بطلها كريم حجاج الذي سيصبح فيما بعد رئيسا لفريق الرجاء البيضاوي، حيث كان ولي العهد آنذاك في مرمى بندقية حجاج، لكن السياسة مدت جسور الود بين الحسن وكريم، بعد عفو ملكي.
رغم كل هذا يبقى أقوى حضور سياسي في تاريخ الرجاء من نصيب رئيسه الراحل كريم حجاج، الذي ورد اسمه في ذاكرة ملك، إذ تقول الروايات التاريخية أن المهدي بنبركة القيادي القوي في حزب الاستقلال وقتذاك، جلب عباس المسعدي قيادي جيش التحرير إلى الدار البيضاء بالقوة، ونظم عملية “اختطاف” للمسعدي على يد مجموعة مكونة من خمسة أشخاص يتقدمهم شخص يدعى حجاج. وبعد أن قام المختطفون بإدخال عباس المسعدي إلى السيارة بالقوة لنقله إلى الدار البيضاء، انطلقت “رصاصة” من مسدس حجاج لينتهي مسار المسعدي، وينتهي، بعده مباشرة، مسار جيش التحرير. بل إن الملك روى في ذاكرة ملك عن محاولة قتله من طرف حجاج على مشارف مدينة الحاجب.





