حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةحوارسياسية

مصطفى فوزي يُشَخّصُ آليات صناعة النخب السياسية

هناك أعطاب في آليات إنتاج النخب وتجديدها وضمان وصول الأكثر كفاءة وتقديم حلول للمجتمع

في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاستحقاقات انتخابية جديدة، يعود سؤال النخب السياسية والمحلية إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية الأسماء والوجوه المرشحة، وإنما من حيث الآليات التي تصنع النخب، ومصادر شرعيتها وطبيعة الموارد التي تتيح لها الوصول إلى مواقع القرار والاستمرار فيها. وبينما تتجدد النقاشات حول تجديد النخب وتداولها، تظل أسئلة من قبيل حضور الأعيان، وتأثير المال، والروابط العائلية والقبلية ودور الأحزاب في التأطير وإنتاج الكفاءات، حاضرة بقوة في المشهد السياسي المحلي.

في هذا الحوار، يفتح الدكتور مصطفى فوزي، الباحث في السوسيولوجيا والخبير في التخطيط المجالي والتهيئة العمرانية والتنمية الترابية المستدامة، نقاشاً حول «صناعة النخب المحلية»، انطلاقاً من تجربة ميدانية وأكاديمية تركز على المجال الواحي، سيما الجنوب الشرقي للمملكة وإقليم زاكورة. وهو صاحب كتاب يتناول النخب المحلية من زاوية سوسيولوجية وأنثروبولوجية، متوقفاً عند تداخل السلطة والمقدس والمدنس، وعند الأدوار التي تلعبها الإدارة والأعيان والمال والروابط الاجتماعية والدينية والقبلية في إنتاج النخب وإعادة إنتاجها.

في حديثه ينتقل الدكتور فوزي من تشخيص واقع النخب المحلية إلى مساءلة آليات صعودها وتجددها، ودور الأحزاب السياسية والناخبين والشبكات الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل الخريطة الانتخابية.. ويتوقف، كذلك، عند ما يعتبرها أزمة في التأطير السياسي وآليات التداول، وتحول بعض الانتخابات من تنافس بين البرامج إلى منافسة بين الأشخاص والشبكات، فضلاً عن ظاهرة «شخصنة التنمية» وتحويل المشاريع العمومية إلى رصيد انتخابي. وبين الماضي، الذي ما تزال بعض أشكال النفوذ التقليدي تحافظ فيه على حضورها، والحاضر الذي يفرز أدوات جديدة لصناعة النفوذ، يطرح الحوار سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام تجديد فعلي للنخب السياسية والمحلية، أم أمام إعادة إنتاج للنخب نفسها بأدوات وواجهات جديدة؟

 

حاوره: النعمان اليعلاوي

 

 

  • كتابكم يتناول «صناعة النخب المحلية» من زاوية سوسيولوجية وأنثروبولوجية، كيف يمكن فهم طبيعة النخب السياسية والمحلية في المغرب اليوم؟

+ تناولنا مسألة «صناعة النخب المحلية» بالجنوب الشرقي، وتحديداً بإقليم زاكورة. وبخصوص فهم طبيعة هذه النخب، فالأمر يتسم بتعقيد بالغ؛ حيث واجهنا إشكالاً مفاهيمياً وعملياً في إسقاط الشروط العلمية لمفهوم «النخبة» على الفاعلين السياسيين المحليين. إن الخصائص المعيارية للنخبة—كما حددها علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا غرباً وشرقاً—لا تتوفر في معظم من مارسوا أو يمارسون الفعل السياسي بالمنطقة. وأظهرت الحالات التي شملتها الدراسة أن تشكّل هذه الفئات يرجع بالأساس إلى ثلاثة عوامل محورية:

  • عامل الإدارة (المخزن): من خلال تزكية شخصيات تمثل البناء القبلي للحفاظ على السلم الاجتماعي.
  • العامل الأيديولوجي أو الديني: أو ما أطلقنا عليه أبعاد «المقدس».
  • المال السياسي: أو ما يصطلح عليه بـ«المدنس».

وبالتالي فالنخبة ليست فقط الشخص الذي يشغل منصباً انتخابياً أو إدارياً. النخبة، من المنظور السوسيولوجي، هي مجموع الفاعلين الذين يمتلكون قدرة أكبر من غيرهم على التأثير في القرار وتوجيه الموارد وصناعة التمثلات وتحديد الأولويات داخل المجتمع.

في الحالة المغربية، نجد تعدداً في مصادر النخبوية: هناك الرأسمال السياسي، والرأسمال الاقتصادي، والرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي، وهناك أيضاً الرأسمال العائلي والمجالي والديني. وفي المناطق الواحية، تتداخل هذه الرساميل بشكل واضح، فقد يكون الشخص ابن أسرة ذات مكانة تاريخية، أو يمتلك شبكة واسعة من العلاقات، أو يتمتع بمكانة دينية أو اجتماعية أو يمتلك موارد اقتصادية، ثم يحول هذه الموارد إلى رأسمال انتخابي.

هنا تظهر أهمية مفهوم تحويل الرأسمال عند السوسيولوجي والأنثروبولوجي الفرنسي بيير بورديو-P.BOURDIEU؛ فالمكانة الاجتماعية يمكن أن تتحول إلى نفوذ سياسي، والمال يمكن أن يتحول إلى أصوات، والعلاقات الشخصية يمكن أن تتحول إلى مواقع مؤسساتية والموقع الانتخابي يمكن أن يتحول بدوره إلى شبكة جديدة من العلاقات والمصالح.

 

  • عندما نتحدث عن «صناعة النخب»، من هم الفاعلون الحقيقيون الذين يساهمون في إنتاج النخبة السياسية وإعادة إنتاجها داخل المجتمع المغربي؟

+ صناعة النخب السياسية ليست نتاج فاعل واحد، وإنما هي حصيلة تفاعل معقد بين مجموعة من المؤسسات والشبكات والموارد. فإلى جانب الأحزاب السياسية والانتخابات، تساهم الإدارة الترابية والجماعات المنتخبة والأعيان وفعاليات المجتمع المدني والفاعلون الاقتصاديون، فضلاً عن شبكات القرابة والمصاهرة والعلاقات الاجتماعية والمجالية، وأحياناً الرموز الدينية، الزوايا على سبيل المثال، في إنتاج النخب وإعادة إنتاجها. غير أن الناخب نفسه يظل فاعلاً أساسياً في هذه العملية، لأنه يمنح الشرعية الانتخابية لهذا الفاعل أو ذاك من خلال اختياراته.

لهذا حاولنا في الكتاب الانتقال من سؤال «من هو المنتخب؟» إلى سؤال أعمق: ما الشبكات الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في إنتاجه؟ وما الموارد التي وظفها للوصول إلى موقع القرار؟ وما الآليات التي تمكنه من الحفاظ على موقعه وإعادة إنتاج شرعيته؟ فالنخبة لا تُصنع فقط داخل المؤسسات الحزبية، وإنما تتشكل أيضاً داخل الحقل الاجتماعي ومن خلال تفاعل المصالح والعلاقات والرموز والموارد المتاحة للفاعل السياسي.

وأظهرت الحالات التي تناولناها أن بعض النخب الجديدة لا تستند بالضرورة إلى الانتماء القبلي أو إلى الأصول التقليدية للأعيان، وإنما استطاعت الولوج إلى الحقل السياسي المحلي عبر مسارات جديدة لإنتاج النفوذ والشرعية، من بينها بناء الشبكات، واستثمار العلاقات، وتوظيف المجتمع المدني والاستفادة من المشاريع والبرامج التنموية في بناء الرصيد الانتخابي، وأحياناً الاستناد إلى علاقات مع بعض دوائر السلطة أو إلى مواقع داخل المؤسسات المنتخبة. ومن ثم فإن انتقال المجتمع من النخب التقليدية إلى نخب جديدة لا يعني بالضرورة اختفاء منطق إعادة إنتاج النفوذ، بل قد يعني فقط تغير أدواته وموارده وأشكاله.

 

  • هل المغرب اليوم أمام أزمة نخب سياسية، أم أمام أزمة في الآليات التي تسمح بتجديد هذه النخب وتداولها؟

+ أعتقد أن المسألة تتجاوز فكرة وجود «أزمة في الأشخاص» إلى وجود إشكال في آليات إنتاج النخب وتجديدها. فالمشكلة ليست في أن كل النخب سيئة، فهذا حكم لا يستقيم علمياً، وإنما أن آليات الصعود السياسي لا تضمن دائماً وصول الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على تقديم حلول للمجتمع.

عندما تصبح التزكية الحزبية مرتبطة بالقدرة على تعبئة الأصوات والموارد أكثر مما ترتبط بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع، فإن الحزب يتحول تدريجياً من مؤسسة لإنتاج النخب إلى مؤسسة لإدارة المنافسة الانتخابية.

تناولنا في الكتاب، في هذا السياق، مفهوم «بورصة التزكيات»، حيث تتحول التزكية من مسؤولية سياسية إلى مورد للتنافس، ومن شهادة على أهلية المرشح إلى وسيلة للتموقع. فالأستاذ رشيد نيني فصل كثيرا هذه النقطة في ركنه اليومي بجريدة “الأخبار”.

نعاني في الجنوب الشرقي، وخاصة بزاكورة، من أزمة مزدوجة؛ فهناك أزمة نخب سياسية تتجلى في الافتقار إلى “كوادر” مؤهلة ومؤطرة قادرة على الترافع العقلاني وخلق نقاش عمومي جاد. وفي المقابل توجد أزمة حادة في آليات التجديد والتداول، فالأحزاب السياسية غائبة ميدانياً وتكتفي بالبحث عمن يمثلها دون وضع حد أدنى من الشروط المعرفية أو السياسية، مع الاعتماد الكلي في أحيان كثيرة على أصحاب النفوذ المالي. ولا يمكن الحديث عن إعداد الخلف في ظل إغلاق مقرات الأحزاب معظم فترات السنة وتخليها عن دورها التأطيري والتنموي.

 

  • إلى أي حد ما تزال الروابط العائلية والقبلية والمجالية والدينية والاجتماعية مؤثرة في تشكيل النخب السياسية المغربية؟

+ لم تختف هذه الروابط، لكنها تغيرت وظيفتها. القبيلة، مثلاً، لم تعد مؤسسة سياسية بالمعنى التقليدي، إلا أنها يمكن أن تستمر بوصفها رأسمالا اجتماعيا ورمزيا يوظف في الانتخابات.

هذه الروابط  تظل المحدد الأبرز لإفراز المنتخبين بالجنوب الشرقي، فالمرشح المنتسب لعائلة عريقة يمتلك حظوظاً وافرة مستنداً إلى ثقل الماضي الاجتماعي، والمرشح المدعوم من قبيلة ممتدة يملك أسبقية حاسمة. وتتجلى قوة الروابط القبلية في أن العديد من الدوائر الانتخابية المحلية تشهد ترشح شخص واحد تزكيه القبيلة مسبقاً، ما يجعل العملية الانتخابية مجرد إجراء شكلي. يضاف إلى ذلك العامل المجالي، والعامل الديني الذي يبرز خاصة في المراكز الحضرية ذات الكثافة السكانية؛ حيث يميل الناخبون للبحث عن المرشح «الأقل ضرراً»، وهو الانطباع الذي تستفيد منه غالباً الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية.

تناول الكتاب استمرار بعض الأسر والأعيان في المجال السياسي والإداري بعد الاستقلال، وانتقال بعض أشكال النفوذ التقليدي إلى المؤسسات الحديثة. واستحضرنا، كذلك، نماذج من أعيان المنطقة، ليس بهدف إصدار أحكام عليهم، وإنما لفهم كيف يمكن للرأسمال العائلي والتاريخي أن يعاد توظيفه داخل النظام السياسي الحديث.

وهذا يؤكد أن الحداثة السياسية لا تعني بالضرورة اختفاء البنيات التقليدية، وإنما قد تعني إعادة تشكيلها داخل مؤسسات جديدة.

 

  • هل استطاعت الأحزاب السياسية أن تنتج نخبا جديدة ومستقلة، أم أنها ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الأعيان وأصحاب النفوذ والموارد؟

+ الأحزاب المغربية قامت، ولا تزال تقوم، بأدوار مهمة في مجال التأطير السياسي، وإن كانت هذه الأدوار عرفت تراجعًا خلال العقود الأخيرة، ناهيك عن أنه لا يمكن اختزالها في صورة واحدة أو إصدار حكم موحد بشأن أدائها.. غير أن الملاحظة التي يطرحها الكتاب هي أن بعض الأحزاب، خصوصاً على المستوى المحلي، أصبحت تواجه صعوبة في إنتاج نخب مستقلة عن شبكات النفوذ التقليدية.

في بعض الحالات، يصبح المرشح الجيد انتخابياً هو القادر على تعبئة شبكة من العلاقات والأصوات والموارد، وليس بالضرورة صاحب المشروع السياسي الأكثر إقناعاً.

على صعيد الجنوب الشرقي وزاكورة تحديداً، لم تستطع الأحزاب الفكاك من القواعد التقليدية؛ إذ لا تزال تعتمد بشكل شبه كلي على تزكية الأعيان وأصحاب النفوذ المالي، أو الشخصيات التي تحظى بدعم وتزكية هذه الفئات النافذة.

هنا تكمن المفارقة: الحزب الذي يفترض أن يصنع النخبة قد يجد نفسه أحياناً مضطراً إلى البحث عن النخبة الجاهزة انتخابياً.. حيث يكشف التحليل النقدي لكواليس صناعة النخب عن وجود تحالف مصلحي متبادل بين المركز الحزبي وكذا الإداري في العاصمة (الرباط) والإداري الممركز وأعيان الإقليم؛ فالقيادات المركزية تختزل الإقليم في مجرد رقم انتخابي ومقعد مضمون ضمن الحصيلة العددية الوطنية لحسابات تشكيل الحكومة أو قيادة المجالس. وفي ظل غياب مأسسة حقيقية للديمقراطية الداخلية وآليات الانتخابات التمهيدية محليا، يستفرد المركز بسلطة التزكية الاستبدادية، مانحا صك الشرعية الحزبية لمن يملك المال والوجاهة القبلية، ما يخلق جدارا حاميا للوجوه القديمة، ويعزز آلية الوراثة الرمزية التي تعيد إنتاج التراتبيات التقليدية وتوطّن في المخيال الجمعي المحلي فكرة أن القيادة السياسية حق جيني وحصري لبيوتات محددة.

 

  • إلى أي حد تحولت الانتخابات في المغرب من منافسة بين المشاريع والبرامج إلى منافسة بين الأشخاص والشبكات الانتخابية؟

+ هذا التحول يظهر بشكل أوضح على المستوى المحلي. ففي عدد من الحالات التي درسناها، لا يصبح السؤال الأساسي لدى الناخب: «ما البرنامج الذي يقدمه هذا الحزب؟»، وإنما: «ماذا يستطيع هذا الشخص أن يفعل لي أو لمنطقتي؟ ومن يستطيع أن يصل إليه؟ ومن يستطيع أن يجلب مشروعاً أو خدمة؟»

في الكتاب سمينا بعض هذه الظواهر بـ**شخصنة التنمية**، أي عندما تتحول المشاريع العمومية من كونها حقوقاً للمواطنين وسياسات عمومية إلى إنجازات تُنسب إلى شخص المنتخب أو حزبه، فيصبح المواطن مديناً سياسياً للفاعل الذي يعتقد أنه جلب المشروع. وهذا أمر خطير سوسيولوجياً، لأنه يحول علاقة المواطن بالدولة والمؤسسة إلى علاقة شخصية مع المنتخب.

وبالتالي تحولت الانتخابات بالفعل إلى منافسة بين الأشخاص والشبكات والعلاقات، وللأسف، فإن هذا الغياب للنخب البرامجية الحقيقية انعكس بشكل مباشر وسلبي على مستويات التنمية بإقليم زاكورة.

 

  • ونحن أمام الانتخابات المقبلة، هل تتوقعون أن نشهد تجديداً حقيقياً في النخب السياسية، أم مجرد إعادة توزيع للمواقع داخل النخب القائمة؟

+ من الصعب تقديم حكم مسبق، لأن الانتخابات تظل عملية دينامية.. لكن تجديد النخب لا يتحقق بمجرد تغيير الأسماء. تغيير الوجوه ليس بالضرورة تغييراً للنخب.

قد نجد شخصاً جديداً يحمل الشبكات القديمة نفسها، أو طرق العمل ذاتها أو المنطق عينه القائم على الزبونية والوساطة. التجديد الحقيقي يبدأ عندما تتغير قواعد إنتاج الشرعية نفسها: من شرعية المال والقرابة والوجاهة والوساطة إلى شرعية الكفاءة والنزاهة والإنجاز والقدرة على الترافع.

أما في حالة إقليم زاكورة، في تقديري، سنكون أمام مجرد عملية «إعادة توزيع للمواقع» بين النخب القائمة. فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن أغلب المترشحين هم أنفسهم الوجوه التي ظلت تعمّر المشهد السياسي والنيابي بالإقليم لأزيد من ثلاثة عقود، وهناك من النخب التي تدعي الحداثة، بينما من المؤسف أنها جعلت من الحزب تجمعا عائليا (البرلماني والأخ والأخت والزوجة وفروع أخرى والقائمة طويلة…un fond de commerce)

 

  • ما الذي يجعل بعض النخب قادرة على الاستمرار في المشهد السياسي والانتخابي لسنوات طويلة، رغم تغير الأحزاب والبرامج والظروف؟

+ لأن الاستمرارية لا تعتمد دائماً على الحزب. أحياناً يكون الشخص راكم رأسمالاً انتخابياً مستقلاً عن التنظيم الحزبي. فهو يمتلك شبكة من العلاقات مع المواطنين، والأعيان، والفاعلين الجمعويين والمنتخبين، وأحياناً مع فاعلين اقتصاديين وإداريين.

ويعود هذا الاستمرار المتواصل إلى امتلاك هذه النخب لنمطين من رأس المال:

* رأس المال المادي: المتمثل في القدرة المباشرة على تمويل الحملات الانتخابية وتنظيم الولائم واستقطاب الأتباع.

* رأس المال الرمزي (المعنوي): المستمد من الانتساب إلى عائلات محترمة أو ذات مكانة اجتماعية اعتبارية في المنطقة

ومن الأمثلة التي درسناها في الكتاب بعض الحالات التي تحول فيها الرصيد الشخصي إلى مصدر للشرعية السياسية، كما في خطاب أحد البرلمانيين الذي كان يكرر عبارة: «أنا برلماني من 97….» العبارة بسيطة، غير أنها سوسيولوجياً تحمل معنى مهماً: الأقدمية نفسها تقدم باعتبارها دليلاً على الشرعية والخبرة، حتى دون استحضار مؤشرات موضوعية لتقييم الحصيلة.

استحضرنا كذلك، في السياق نفسه، العبارة التي قدم بها أحد القياديين مرشحاً انتخابياً بكونه «القيدوم ديالنا». وهي عبارة تكشف كيف يمكن للأقدمية والاستمرارية أن تتحولا إلى رأسمال رمزي.

 

  • هل ظاهرة انتقال المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب تعكس أزمة في الانتماء السياسي، أم أنها تعبير عن طبيعة المنافسة الانتخابية؟

+ تعكس هذه الظاهرة بالأساس أزمة عميقة في الانتماء السياسي وغياب الرؤية المؤطرة لدى الأحزاب. إن العلاقة بين الطرفين أضحت نفعية وظرفية، فالحزب يركز فقط على الظفر بالمقعد الانتخابي، بينما يبحث المرشح عن «التزكية» كأداة لبلوغ مآربه، في ظل غياب التناغم الأيديولوجي أو المؤشرات التأطيرية الحقيقية.

وأظهرت بعض الحالات التي تناولناها في الكتاب أن الانتقال قد يكون مرتبطاً بانتقال مركز الولاء من الحزب إلى الشخص، ومن المبادئ إلى المصالح ومن المشروع السياسي إلى الحفاظ على الموقع والكرسي الانتخابي. وهذا لا يعني أن كل انتقال حزبي انتهازي، فقد يكون أحياناً نتيجة خلاف سياسي أو فكري حقيقي.

لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الحزب مجرد وسيلة للحصول على التزكية وضمان الاستمرار في المؤسسات المنتخبة. ففي هذه الحالة قد يختار المنتخب الحزب الذي يوفر له حظوظاً أكبر في البقاء، أو الذي يضمن له الحفاظ على شبكة مصالحه وتحالفاته، بدل الحزب الأقرب إلى قناعاته. وهو ما يجعل بعض التحولات الحزبية جزءاً من استراتيجية إعادة التموضع السياسي أكثر من كونها تعبيراً عن تحول في المواقف.

ومن منظور سوسيولوجي، تكشف هذه الظاهرة عن انتقال جزء من الولاء السياسي من التنظيم إلى شبكة العلاقات والمصالح الشخصية؛ فالحزب قد يتغير، بينما يبقى الرصيد الانتخابي والشبكة الاجتماعية للفاعل قائمة. لذلك فإن تجديد النخب لا يقتضي فقط تغيير الانتماءات الحزبية، وإنما يستدعي إعادة الاعتبار للمشروع السياسي، والكفاءة والالتزام بالمبادئ، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مجرد وسيلة للحفاظ على المواقع والنفوذ.

 

  • هل تعكس خطابات بعض النخب السياسية تحولاً حقيقياً في العقليات والممارسة، أم أن هناك فجوة بين الخطاب والممارسة؟

+ هناك بالفعل فجوة أحياناً بين الخطاب والممارسة، فبعض المنتخبين يتبنون خطاباً حداثياً داخل المؤسسات التشريعية، يطالب بالعدالة المجالية والترابية وينتقد السياسات العمومية بدعوى إقصاء المجالات الواحية من التنمية، بينما تكشف الممارسة المحلية، في بعض الحالات، عن سوء تدبير للموارد وتبذير للإمكانات الترابية، وتُرفع شعارات الديمقراطية والحداثة، في حين لا تجد هذه المبادئ دائماً ترجمتها في الممارسة اليومية.

وتظهر المفارقة، كذلك، في بعض الخطابات النسائية التي ترفع شعار الدفاع عن حقوق المرأة ومناهضة تعدد الزوجات، في الوقت الذي تكشف فيه بعض الحالات المحلية عن قبول ممارسات مرتبطة بالتعدد. وهذه المفارقة تطرح سؤالاً أوسع حول مدى انتقال قيم الحداثة من مجرد خطاب سياسي إلى ممارسة اجتماعية وسياسية فعلية. إنه المسخ بالمفهوم «الكافكاوي». (*يقصد بـ«المسخ الكافكاوي» وصف حالة من التحول الغريب والمقلق التي يفقد فيها الإنسان أو الواقع طبيعته المألوفة، ليصبح شيئاً عبثياً ومشوهاً ومثيراً للاغتراب. والمصطلح مستمد من أعمال الكاتب التشيكي الناطق بالألمانية فرانتس كافكا).

 

  • إلى أي حد ما يزال المال الانتخابي وشبكات الوساطة والزبونية مؤثرة في صناعة النخب وفي توجيه اختيارات الناخبين؟

+ المال ليس العامل الوحيد، لكنه أحد الموارد التي يمكن أن تدخل في المعادلة الانتخابية. وهناك أيضاً الوساطة، والخدمات، والعلاقات العائلية، والمكانة الاجتماعية والقدرة على التدخل لدى المؤسسات.

لكن، للأسف، في المجالات الهشة كإقليم زاكورة، لا تزال هذه الممارسات تهيمن على توجيه سلوك الناخبين وصناعة النخب، وإن كانت تتم عبر ميكانيزمات غير مرئية أو مستترة. ورغم أنها لم تعد بالحدة السافرة ذاتها التي كانت عليها في عقود مضت، إلا أن استئصالها يظل صعباً في ظل تدني مستويات الوعي المجتمعي. غير أن الوساطة تكون أكثر تأثيراً لأن المواطن قد يجد نفسه مضطراً للبحث عن «من يتدخل له» في الحصول على خدمة أو حل مشكلة.

هنا تتحول العلاقة من المواطنة إلى الزبونية، أي من علاقة المواطن بالمؤسسة على أساس الحق والقانون إلى علاقة الشخص بالوسيط على أساس القرب والمصلحة.

 

  • هل ما زال من الممكن الحديث عن نوع من «التوريث الحزبي» داخل بعض النخب المحلية؟

+ نعم، تكشف بعض الحالات التي تناولناها عن استمرار منطق يمكن وصفه بـالتوريث السياسي داخل بعض الأسر، حيث تنتقل القيادة الحزبية من الأب إلى الابن، ولا تقتصر العملية على انتقال الموقع، بل تمتد أحياناً إلى توزيع أدوار التأثير داخل التنظيم بين أفراد الأسرة، مع بقاء القرار الفعلي متمركزاً حول كبير العائلة.

المقصود هنا ليس مجرد انتماء أفراد الأسرة نفسها إلى الحزب، وإنما إعادة إنتاج النفوذ والقيادة داخل دائرة عائلية محدودة، بما يطرح سؤالاً حول الديمقراطية الداخلية للأحزاب وقدرتها على تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة. فالحزب يفترض أن يكون فضاءً للتنافس والتأطير وإنتاج النخب، لا مجرد مجال لإعادة إنتاج النفوذ العائلي من جيل إلى آخر.

 

  • هل يمكن الحديث عن انتخابات قائمة على البرامج والمشاريع في ظل استمرار تأثير العلاقات الشخصية والقرابة والمكانة الاجتماعية في عدد من المناطق؟

+ على المستوى الوطني يمكن الجواب بنعم، لكن بدرجات متفاوتة. حيث لا ينبغي أن ننظر إلى الناخب الواحي باعتباره ناخباً تقليدياً فقط. فهو يتابع الإعلام، ويستعمل وسائل التواصل الاجتماعي، ويقارن بين المرشحين وله وعي بمصالحه.

أما على المستوى المحلي، من الصعب الحديث عن ذلك، فالسلوك الانتخابي بالجنوب الشرقي ينبني على التصويت للشخص لاعتبارات الذاتية والقرابة، لا للحزب أو البرنامج. فالعلاقات التقليدية لم تختف. لقد أعادت إنتاج نفسها في أشكال جديدة، ولهذا تحدثنا في الكتاب عن الانتقال من القبيلة إلى الحزب الانتخابي وليس السياسي، وليس عن اختفاء القبيلة بمجرد ظهور الحزب. هذا النمط يعرقل مسلسل التنمية بشكل مباشر، إذ إن أغلب «الأعيان» يمتلكون الموارد المالية فقط دون امتلاك الرؤية السوسيو-اقتصادية أو المخططات التنموية، فيتحول وجودهم إلى مجرد شغل للمواقع دون أثر تنموي يذكر.

 

  • ما الدور الذي أصبحت تلعبه الجمعيات والمجتمع المدني في إنتاج النخب السياسية؟ وهل تحولت بعض الجمعيات إلى فضاء لإعداد النخب الانتخابية؟

+ المدني أصبح فاعلاً أساسياً في المجالات الواحية، وهناك جمعيات تقوم بأدوار تنموية حقيقية ومهمة.. إلا أن المجال الجمعوي، مثل المجال السياسي، ليس محايداً تماماً، ويمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى مجال لإنتاج الرأسمال السياسي. فمعظم الجمعيات أفرغت من أدوارها التنموية والتأطيرية النبيلة، وتحولت، في أحيان كثيرة، إلى «خزانات انتخابية» يُسخرها بعض الفاعلين السياسيين عبر ورقة الدعم المالي والعمومي. ومع ذلك، وبخصوص الجنوب الشرقي، لم نصل بعد إلى مرحلة تشكيل الجمعيات لـ«مشاتل تنظيمية» تصنع نخبا سياسية بالمعنى الأكاديمي، بل تظل مجرد أدوات وظيفية.

فالكتاب تناول مسألة دعم الجمعيات والمهرجانات، ووقف عند بعض الحالات التي أثارت لدينا أسئلة حول العلاقة بين الجمعوي والسياسي والإداري، خصوصاً عندما تتقاطع الاستفادة من الموارد العمومية مع علاقات الأشخاص ومواقعهم داخل المؤسسات.

المهم هنا ليس إصدار حكم مسبق، وإنما طرح سؤال الحكامة: هل توجد قواعد واضحة وشفافة لتوزيع الدعم؟ وهل توجد آليات فعلية لتدبير تضارب المصالح؟ فالمجتمع المدني ينبغي أن يكون مجالاً مستقلاً للمشاركة والمساءلة، لا امتداداً لشبكات النفوذ السياسي.

 

  • هل وسائل التواصل الاجتماعي بصدد تغيير قواعد صناعة النخب السياسية، أم أنها أصبحت مجرد أداة جديدة تستخدمها النخب التقليدية للحفاظ على حضورها؟

+ وسائل التواصل الاجتماعي غيرت قواعد اللعبة بالفعل، حيث نلاحظ أن الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي بدأت تلعب دوراً متزايداً في خلخلة القواعد التقليدية، سيما لدى أجيال الشباب المتطلعة للتغيير والحرية..

إلا أنها لم تلغ القواعد القديمة. اليوم يستطيع شاب أن يصل إلى جمهور واسع دون المرور عبر التنظيمات التقليدية، وهذا تطور مهم.. لكن النخب التقليدية اكتشفت بدورها قوة هذه الوسائل وأصبحت تستخدمها لإعادة إنتاج صورتها وحضورها.

لذلك نحن أمام تعايش بين القديم والجديد: الشبكات التقليدية من جهة، والشبكات الرقمية من جهة أخرى. وقد تشكل هذه الوسائط، في المستقبل القريب، مدخلاً حاسماً لإعادة تشكيل المشهد السياسي بالعديد من المناطق. وسوف نتكلم مستقبلا عن النخب الرقمية.

 

  • ماذا عن الشباب؟ لماذا لا تزال الأحزاب تجد صعوبة في الدفع بجيل جديد إلى مواقع القرار؟

+ الخطاب الداعي لتشبيب النخب يظل في مجمله «شعارات فارغة» لا تسندها واقعية ملموسة؛ فالأحزاب تركز عملياً على الفاعلين القادرين على حصد المقاعد الانتخابية بغض النظر عن سنهم. والدليل المباشر هو ارتفاع متوسط أعمار أعضاء المجالس المحلية والجهوية والتشريعية، ما يجعل رهان تشبيب المؤسسات بعيد المنال في ظل المعطيات الحالية

فتجديد النخب لا يتعلق فقط بإدخال الشباب إلى اللوائح، وإنما بمنحهم سلطة حقيقية داخل المؤسسات. قد يتم إدماج الشباب شكلياً، لكن إذا ظلت مواقع القرار محكومة بالشبكات القديمة فإن التجديد سيظل محدوداً.

لهذا أعتبر أن «وعي الشباب والتغيير» يجب أن يكونا في قلب أي نقاش حول مستقبل النخب المحلية. الشباب ليس فقط فئة انتخابية تنبغي استمالتها، وإنما يجب أن يكون شريكاً في إنتاج القرار.

 

  • وهل يمكن للنساء والشباب اختراق شبكات النخب التقليدية من دون تغيير قواعد اللعبة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة؟

+ الاختراق يظل أمراً في غاية الصعوبة، لأن المشكلة ليست في غياب النساء والشباب فقط، وإنما في طبيعة القواعد التي تحدد من يستطيع الوصول ومن يستطيع الاستمرار.

يتطلب الأمر رفعاً شاملاً لمستوى الوعي المجتمعي—وهو دور كان من المفترض أن تضطلع به جمعيات المجتمع المدني التي توجد، للأسف، تحت هيمنة النخب التقليدية نفسها؛ وبالتالي لا تمكن المراهنة على تغيير جذري في المدى القريب دون تعديل بنيوي للقواعد المقررة.. خاصة قواعد التزكية، والتمويل، وصناعة القرار الداخلي وتقييم الكفاءة.. وبالتالي فإن دخول النساء والشباب قد يظل محدود الأثر.

 

  • كيف تقرؤون العلاقة بين النخب المنتخبة والنخب الإدارية، سيما في ظل تطور الجهوية واللامركزية واللاتمركز بالمغرب؟

+ هذه العلاقة من أهم العلاقات التي تناولها الكتاب، لأنها تشكل أحد مفاتيح فهم الحكامة الترابية.

فهي علاقة يتداخل فيها التعقيد، خاصة بعد المقتضيات الدستورية لسنة 2011 والقوانين التنظيمية لسنة 2015 التي وسعت اختصاصات المنتخبين.

غير أن النخب الإدارية تتعامل بواقعية وحكمة مع هذا المعطى؛ حيث تضطلع بمهام إعداد الخيارات والخطط التنموية ورسم مساراتها، بينما يقتصر دور أغلب النخب المنتخبة على التصويت أو المصادقة الشكلية على هذه البرامج.

وفي المجالات الواحية، حيث الموارد محدودة والحاجيات كبيرة، تصبح جودة التنسيق بين المنتخب والإدارة أكثر أهمية.

الإشكال لا يكمن في وجود اختلاف بينهما، الاختلاف طبيعي في الديمقراطية.. وإنما المشكلة عندما يتحول الاختلاف المؤسساتي إلى صراع على النفوذ أو الموارد أو الرصيد الانتخابي.

 

  • إلى أي حد تؤثر طبيعة النخب المحلية في جودة التنمية؟

+ أعتقد أن هذا هو السؤال المركزي للكتاب كله، لأن التنمية ليست فقط أموالاً ومشاريع وتقنيات، وإنما هي أيضاً قرار، واختيارات وأولويات وحكامة.

وحاولنا في الفصل السادس، الذي اخترنا له عنوان «وزر النخبة»، أن نطرح سؤال تكلفة الاختيارات النخبوية على التنمية الواحية.

في الكتاب ناقشنا، مثلاً، حالات لمشاريع عمومية أنجزت لكنها لم تحقق الغاية التي أحدثت من أجلها، مثل بعض المشاريع المرتبطة بتسويق المنتجات المجالية، ومجمع الصناعة التقليدية، ومركز الفخار بتامكروت. وتناولنا مشروع حظيرة الآليات المخصصة لفك العزلة، باعتباره نموذجاً يطرح أسئلة حول كيفية تدبير مشروع كان الهدف منه خدمة الساكنة وتسهيل التدخلات، لكنه دخل، وفق المعطيات والشهادات التي تم جمعها، في صراعات مرتبطة بالتوظيف السياسي للمشاريع ونسب الإنجازات.

هنا أقول دائماً: ليس كل مشروع غير ناجح سببه نقص التمويل، وليس كل تأخر سببه التغيرات المناخية.. أحياناً تكون المشكلة في طريقة اتخاذ القرار وفي طبيعة النخبة التي تدير الموارد.

 

  • هل معنى ذلك أنكم تحملون النخب مسؤولية تعثر التنمية في الواحات؟

+ لا، وهذه نقطة مهمة جداً. الكتاب لا يقدم تفسيراً أحادياً للهشاشة الواحية.

هناك مسؤولية الدولة، وهناك تأثير التغيرات المناخية، والجفاف، وندرة المياه، والهجرة، والتحولات الاقتصادية وضعف الاستثمار، وهناك أيضاً مسؤولية المجتمع المحلي والنخب والمؤسسات.. لكن ما حاولنا القيام به هو تصحيح فكرة أصبحت شائعة مفادها أن كل مشاكل الواحات سببها المناخ أو ضعف السياسات العمومية و نقص التمويل.

التغير المناخي حقيقة لا يمكن إنكارها، ونقص الموارد المائية تحدٍّ وجودي، غير أن طريقة تدبير هذه الموارد وتحديد الأولويات وتوزيع المشاريع والاستثمار في العنصر البشري كلها مسائل مرتبطة بالقرار والنخب.

بمعنى آخر: المناخ يضع القيود، لكن الإنسان والمؤسسات يحددان جزءاً كبيراً من طريقة التعامل معها.

 

  • في الكتاب تناولتم الخطاب السياسي للنخب، ماذا يكشف هذا الخطاب عن طبيعة العلاقة بين المنتخب والناخب؟

+ الخطاب السياسي المحلي يكشف كثيراً من آليات صناعة الشرعية. فقد لاحظنا خطاباً يربط المشاريع بالحزب أو بالمنتخب، وخطاباً آخر يقوم على التهميش والحرمان، وخطاباً يجعل من الماء محوراً انتخابياً وخطاباً يتحدث عن «هدر الأصوات».

مثلاً، عندما يقول المنتخب للناخب إن التصويت المتفرق يؤدي إلى «هدر الأصوات»، فإنه لا يقدم فقط تفسيراً تقنياً للانتخابات، وإنما يحاول إعادة توجيه السلوك الانتخابي نحو «التصويت المفيد».

وعندما يقول منتخب إن المشاريع جاءت نتيجة لترافعه الشخصي، فإنه يحول المشروع العمومي إلى رأسمال انتخابي شخصي.

رصدنا، أيضا، حضور خطاب الانتماء المجالي أو المناطقي، من قبيل «أنا ابن الواد يقصد حوض درعة والآخر حوض لمعيدر وكلاهما من الإقليم نفسه»، واستحضار التهميش التاريخي وأحياناً توظيف الرموز الدينية.

هذا يقودنا إلى مفهوم مهم في الكتاب: الخطاب السياسي لا يصف الواقع فقط، وإنما يساهم في صناعة الواقع السياسي نفسه.

 

  • من خلال دراستكم، هل المشكلة الأساسية في الواحات هي نقص التمويل؟

+ التمويل مهم، ولا يمكن تحقيق التنمية من دونه، لكنني لا أعتقد أن التمويل وحده هو المشكلة.

أحياناً نجد مشاريع بتمويلات مهمة، إلا أنها لا تحقق أهدافها. ونجد، في المقابل، مشاريع صغيرة ذات أثر كبير لأنها أحسن تدبيراً.

لذلك ينبغي أن نميز بين حجم التمويل وجودة الحكامة.

قد نضخ الأموال في مشروع دون دراسة دقيقة، أو دون تحديد واضح للمسؤوليات، أو دون تتبع وتقييم، فتكون النتيجة هدراً للموارد.

لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: «كم أنفقنا؟» وإنما: «ماذا حققنا مقابل ما أنفقناه؟ ومن استفاد؟ وهل استمر الأثر بعد انتهاء المشروع؟».

 

  • ما الرسالة الأساسية التي تريدون إيصالها من خلال هذا الكتاب؟

+ الرسالة الأساسية هي أن مستقبل الواحات لا يتوقف فقط على حجم الموارد المالية التي ستضخ فيها، ولا على مواجهة التغيرات المناخية فقط، وإنما يتوقف بدرجة كبيرة على نوعية النخب التي ستتولى تدبير هذه الموارد وصناعة القرار.

إذا كان لدينا تمويل كبير ونخب تفتقر إلى الكفاءة أو تغلب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، فإن جزءاً من الموارد يمكن أن يتحول إلى تكلفة إضافية بدل أن يتحول إلى تنمية.

أما إذا كانت لدينا نخب تتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على التخطيط والترافع والمساءلة، فإن حتى الموارد المحدودة يمكن أن تحقق أثراً أكبر.

 

  • إذا أردنا أن نختصر الحل في عبارة واحدة، كيف يمكن بناء نخب جديدة في الواحات؟
  • أعتقد أن البداية هي تغيير معايير اختيار النخبة. نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: «من يستطيع أن يجلب الأصوات؟» إلى سؤال: «من يستطيع أن يدبر ويخطط ويحاسب ويترافع ويقدم نتائج؟».

وهذا يقتضي القطع مع منطق الريع والهمزة على حد تعبير الاقتصادي ادريس بن علي والمصالح الشخصية والزبونية، وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الكفاءة مكانتها الطبيعية في صناعة القرار.

الأمر يتطلب أيضا تجديداً حقيقياً داخل الأحزاب، وليس فقط تغييراً في الوجوه، وإدماج الشباب والنساء والكفاءات المحلية في مواقع القرار.

 

  • في نهاية المطاف، هل تعتبرون أن تغيير الأشخاص يكفي؟

+ لا. تغيير الأشخاص ضروري أحياناً، لكنه غير كافٍ. إذا تغير الشخص وبقيت قواعد اللعبة نفسها، فسننتج النتائج ذاتها. لذلك نحن بحاجة إلى تغيير الأشخاص والنخب القديمة عندما تستنفد مشروعيتها، لكننا بحاجة، في الوقت نفسه، إلى تغيير العقليات والقواعد والآليات التي تنتج النخبة.

المطلوب هو بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على أن المسؤولية ليست امتيازاً، وأن المنصب ليس وسيلة للترقي الاجتماعي أو تراكم المصالح، وإنما هو تكليف عمومي.

 

  • ما الذي تتمنون أن يحققه هذا الكتاب بعد نشره؟

+ أتمنى ألا يُقرأ الكتاب فقط باعتباره دراسة أكاديمية عن الواحات، وإنما باعتباره دعوة إلى التفكير الجماعي في مستقبل هذه المجالات.

أنا لا أبحث عن إدانة شخص أو حزب أو مؤسسة. ما أريده هو أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها النقاش حول النخب قائماً على السؤال عن الكفاءة والحصيلة والأثر، وليس على الأشخاص وحدهم.

وأتمنى أيضاً أن يكون الكتاب مفيداً للباحثين، ولصناع السياسات العمومية، وللمنتخبين، ولرجال الإدارة، وللمجتمع المدني، وخاصة للشباب.

فالواحات تحتاج إلى استثمارات وماء وبنيات تحتية، لكنها تحتاج، قبل كل شيء، إلى رأسمال بشري ومؤسساتي قادر على حسن تدبير هذه الموارد.

في النهاية أعتقد أن حماية الواحات ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا المنتخب وحده ولا المواطن وحده. إنها مسؤولية جماعية.. لكن للنخب موقع خاص لأنها تمتلك سلطة القرار والتأثير.

ولهذا فإن مستقبل الواحات سيظل مرتبطاً بسؤال بسيط لكنه عميق: أي نخب نريد لهذه المجالات؟ وأستشهد في هذا السياق، وحتى نخرج من الوصم الترابي le dénigrement ou la stigmatisation territoriale الذي تعاني منه فئة من الواحيين، بمقولة لجون كينيدي: «لا تسأل عما يمكن أن يفعله بلدك لك، اسأل ما يمكنك القيام به لبلدك».

نريد نخبة تعتبر المنصب تكليفاً لا امتيازاً، والمشروع حقاً للمواطن لا هدية انتخابية، والمال العام أمانة لا مورداً للريع، والانتخابات تفويضاً شعبياً لا صفقة، والسياسة خدمة للصالح العام لا وسيلة للمصالح الشخصية.

إن حسن اختيار المرشح، وتغيير العقليات، وتجديد الأشخاص والنخب، والقطع مع الريع والمصالح الشخصية والفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة والكفاءة، ليست مجرد مطالب سياسية، وإنما أصبحت شروطاً أساسية لحماية الواحات وضمان استدامة تنميتها.

في هذا السياق، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على إنقاذ الواحة من الجفاف والتصحر والتغيرات المناخية، وإنما أيضاً على إنقاذ منظومة القرار نفسها من الاختلالات التي قد تجعل الموارد المتاحة عاجزة عن إنتاج التنمية المنشودة.

فالواحات قد تكون فقيرة في الماء، لكنها ليست بالضرورة فقيرة في الإمكانات والكفاءات. وقد تكون مواردها محدودة، لكن المشكلة لا تكمن دائماً في محدودية الموارد، بل أحياناً في كيفية ترتيب الأولويات وتدبيرها وتوزيعها وتقييم أثرها. المرحوم عزيز بلال صرح، في أحد حواراته، بما معناه «إن التخلف ذهني Le sous-développement est mental».

ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب: أن نعيد النظر في النخبة باعتبارها أحد المتغيرات الأساسية في معادلة التنمية الواحية.

إن التنمية المستدامة للواحات لن تتحقق فقط ببناء السدود والطرق والمشاريع، وإنما ببناء الإنسان والمؤسسة والنخبة القادرة على حماية هذه المشاريع وضمان استمراريتها. ولذلك فإن المعركة الحقيقية للمستقبل هي معركة الوعي، والكفاءة، والنزاهة وتجديد النخب.

وأعتقد أن وعي الشباب والتغيير يمثلان نقطة البداية. فحين يصبح المواطن قادراً على التمييز بين المرشح الذي يطلب صوته والمرشح الذي يستحق صوته، وبين المشروع الذي يخدم المصلحة العامة والمشروع الذي يوظف انتخابياً، وبين المسؤول الذي يعتبر المنصب تكليفاً والمسؤول الذي يراه امتيازاً، فإننا نكون قد بدأنا فعلاً في تغيير قواعد صناعة النخب.

في نهاية المطاف، فإن مستقبل المجتمعات الواحية لن يتحدد فقط بما ستفعله الدولة في هذه المجالات، وإنما أيضاً بما ستنتجه هذه المجتمعات من نخب جديدة قادرة على الانتقال من منطق التموقع إلى منطق المسؤولية، ومن الريع إلى الاستحقاق، ومن الشخصنة إلى المؤسسة، ومن المصالح الخاصة إلى الصالح العام ومن تدبير الأزمات إلى صناعة المستقبل.

 

مصطفى فوزي في أسطر

–  باحث في علم الاجتماع، وخبير في مجالات التخطيط المجالي والتهيئة العمرانية والتنمية الترابية المستدامة.

–  راكم مساراً أكاديمياً ومهنياً يجمع بين العلوم السياسية والإعلام والتخطيط الترابي، قبل أن يتخصص في دراسة المجالات الواحية والفاعلين المحليين ودورهم في تشكيل المجال وإعادة إنتاجه.

–  يشغل منصب المدير الترابي للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان (ANDZOA) بإقليم زاكورة، ما أتاح له تجربة ميدانية في قضايا التنمية المحلية وتدبير المجالات الواحية.

–  يركز فوزي في أبحاثه على النخب المحلية، وآليات إنتاج السلطة والنفوذ، والعلاقة بين الفاعلين المحليين والتنمية الترابية، مع اهتمام خاص بالمجال الواحي في الجنوب الشرقي للمغرب.

–  يأتي كتابه حول «صناعة النخب المحلية في المجتمعات الواحية.. بين السلطة والمقدس والمدنس» ثمرة لهذا المسار الأكاديمي والميداني، حيث يحاول من خلال مقاربة سوسيولوجية وأنثروبولوجية فهم كيفية تشكل النخب المحلية ومصادر شرعيتها، ودور الإدارة والمال والروابط الاجتماعية والقبلية والدينية في إنتاجها وإعادة إنتاجها.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى