
محمد اليوبي
يعيش مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل على وقع أزمة داخلية حادة، توصف بأنها من بين الأشد منذ سنوات، في ظل موجة غير مسبوقة من الإعفاءات والتوقيفات والتنقيلات التي وصفتها مصادر نقابية بالتعسفية، طالت عدداً كبيراً من المسؤولين والأطر، وأدت إلى حالة شبه شلل على مستوى عدد من المديريات الحيوية.
فراغ إداري
تشير المعطيات إلى أن ما بين 9 و11 مديرية مركزية من أصل 12 داخل مكتب التكوين المهني أصبحت بدون مديرين رسميين، وهو وضع استثنائي جعل أغلب هذه المصالح تُدار بالنيابة، حيث أعلنت المديرة العامة للمكتب، لبنى اطريشا، عن فتح التباري لشغل منصب مدير التدقيق، ومدير التنمية وإدارة المشاريع، فيما بقيت باقي المديريات شاغرة، رغم أهميتها في تنزيل المشاريع الاستراتيجية التي يشرف عليها المكتب.
وبحسب المعطيات نفسها، لم يحتفظ بمنصبه سوى مدير واحد، في وقت غادر آخرون مهامهم إما بسبب التقاعد أو الانتقال إلى القطاع الخاص، أو بسبب المشاكل والصراعات التي بات يعرفها المكتب خلال السنوات الأخيرة. وأوضحت المصادر أنه رغم وجود هيكل تنظيمي يضم مديريات مركزية تشمل الموارد البشرية، والتكوين، والبحث والهندسة البيداغوجية، والتدقيق، والتعاون الدولي، والمالية والتواصل، إلا أن هذا الهيكل يواجه صعوبات كبيرة في التنزيل بسبب غياب الاستقرار على مستوى إدارة المكتب.
وشهدت المؤسسة، خلال الأشهر الأخيرة، زلزالا إداريا بسبب القرارات التأديبية الصادرة عن إدارة المكتب، شملت إعفاءات مفاجئة، وتوقيفات وتنقيلات إلى مناطق بعيدة، مع إخضاع عدد من المسؤولين لعمليات افتحاص ومراقبة، أعقبتها قرارات وُصفت بـ«القاسية»، ما خلق مناخاً من الخوف وعدم اليقين في صفوف الأطر. وتؤكد المصادر نفسها أن بعض المسؤولين تم توقيفهم أو معاقبتهم دون توضيحات كافية، وهو ما زاد من حدة الاحتقان الداخلي.
احتقان داخل المكتب
أثار قرار صادر عن المديرة العامة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، لبنى اطريشا، موجة من التوتر داخل قطاع التكوين المهني بجهة فاس مكناس، بعدما شمل إجراءات إدارية في حق المسؤول الجهوي للقطاع، تم بموجبها تنزيله إلى منصب «مكون» مع تنقيله إلى الراشيدية، إلى جانب رئيسة قسم اللوجيستيك التي تقرر إرجاعها بدورها إلى مهام التكوين، وهو ما اعتبرته مصادر نقابية قرارات غير مبررة، ووصفتها بـ«إجراءات تعسفية».
في هذا الإطار، عبر المكتب الجهوي للجامعة الوطنية للتكوين المهني، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، عن استغرابه مما اعتبره استمرار التوتر في تدبير ملفات الموارد البشرية داخل القطاع، منتقدا ما وصفه بغياب مقاربة تشاركية في اتخاذ قرارات تمس أوضاع الأطر المهنية. ووفق بلاغ صادر عن المكتب، فإن التنقيلات الأخيرة، التي همت عددا من المسؤولين الجهويين، تمت بشكل «تعسفي ومفاجئ»، دون تقديم توضيحات كافية بشأن خلفياتها المهنية أو القانونية، رغم أن المعنيين بالأمر راكموا تجربة ميدانية مهمة وأسهموا في تدبير مرحلة انتقالية عرفها القطاع على المستوى الجهوي.
ووجهت النقابة انتقادات لما اعتبرته تجاوزا للمساطر التنظيمية المعمول بها، مشيرة إلى أن مثل هذه الإجراءات يفترض أن تمر عبر القنوات المؤسساتية المختصة، بما فيها اللجان الثنائية والمجالس التأديبية، ضمانا لاحترام قواعد الحكامة والشفافية في تدبير الموارد البشرية.
تعثر تنزيل خارطة الطريق
تتزامن أزمة مكتب التكوين المهني مع بروز عدة ملفات عالقة داخل المؤسسة، من أبرزها المشاكل المرتبطة بالتغطية الصحية للموظفين، وتعثر الترقيات، وتأخر المصادقة على الميزانية وتداعيات ذلك على مراكز التكوين ومدن المهن والكفاءات التي تم إحداثها أخيرا، وأثيرت، كذلك، اختلالات مرتبطة بتدبير جمعية الأعمال الاجتماعية، ما زاد من تعقيد الوضع الداخلي.
وتأتي هذه التطورات في وقت يُعوّل على مكتب التكوين المهني للعب دور محوري في تأهيل الرأسمال البشري، حيث يستحوذ على ما بين 70 و80 في المئة من العرض التكويني على الصعيد الوطني. وأمام هذا الوضع، يبرز تحدي إعادة الاستقرار الإداري وتعزيز الثقة داخل المؤسسة كأولوية ملحة، لتفادي انعكاسات محتملة على منظومة التكوين وسوق الشغل بالمغرب.
ويعتبر التكوين المهني إحدى الرافعات الاستراتيجية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقصد الاستجابة لمتطلبات القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتعزيز قابلية تشغيل الشباب، تم اعتماد خارطة طريق لتطوير التكوين المهني عرضت أمام الملك محمد السادس بتاريخ 4 أبريل 2019. وحددت هذه الخارطة توجهات استراتيجية جديدة في مجال التكوين المهني، تهدف إلى تأهيل عرض التكوين بما يستجيب لحاجيات سوق الشغل، وركزت أيضا على تحديث أساليب التكوين وتحسين قابلية إدماج الشباب في سوق الشغل من خلال برامج للتكوين وإعادة التكوين قصيرة الأمد.
وعهد بمهمة تنفيذ هذه الخارطة إلى مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، لكن الأزمة التي يعرفها المكتب أثرت على تنزيل التوجهات الاستراتيجية المنصوص عليها في خارطة الطريق، وهي الاختلالات التي تطرق إليها التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، مؤكدا أن مجموعة من التحديات، التي تتعلق أساساً بالتخطيط، والحكامة والتمويل وإجراءات التنزيل، لا تزال قائمة وتؤثر على تحقيق الأهداف المنشودة وضمان تكوين ذي جودة وأكثر ملاءمة لحاجيات سوق الشغل.
التوجهات العامة لخارطة الطريق، بدورها، لم تبلور في خطة متعددة السنوات موثقة رسميا ومصادق عليها من قبل هيئات حكامة المكتب، تتضمن تحديدا واضحا للأهداف الاستراتيجية لكل محور، والأنشطة اللازمة لتنفيذها والمدة الزمنية والتركيبة المالية، فضلاً عن عدم تضمينها مؤشرات واضحة تمكن من قياس مدى التقدم المحرز، واقتصر المكتب على إعداد خطط عمل سنوية، بالرغم من طابعها العملي، لا تترجم بشكل واضح خارطة الطريق.





